لم تعد صورة إيران في السينما العالمية مقتصرة على البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو الصراعات الإقليمية، بل أصبحت خلال العقود الأخيرة مادة سينمائية غنية تناولت تفاصيل الحياة داخل البلاد، من القمع السياسي والرقابة إلى دور الأجهزة الأمنية والاحتجاجات، وصولاً إلى الحياة اليومية تحت الحكم الذي تأسس بعد ثورة عام 1979.
وتنوعت الأعمال السينمائية التي تناولت إيران بين أفلام واجهت النظام بشكل مباشر، وأخرى فضلت تقديم نقد اجتماعي وإنساني هادئ يعكس تعقيدات المجتمع الإيراني وتغيراته عبر الزمن.
ومن أبرز هذه الأعمال فيلم “Persepolis” المقتبس من السيرة الذاتية للكاتبة الإيرانية الفرنسية مرجان ساترابي، والذي تناول مرحلة ما بعد الثورة، مسلطاً الضوء على التحولات السياسية والاجتماعية، والحرب العراقية الإيرانية، والقيود التي فرضت على المجتمع.
كما جاء فيلم “Argo” ليعيد إحياء أزمة الرهائن الأميركيين في طهران عام 1979، مقدماً رؤية درامية لأحداث اقتحام السفارة الأميركية وما تبعها من توترات سياسية.
وفي سياق تناول الأجهزة الأمنية والسجون، برز فيلم “Rosewater” الذي استند إلى قصة الصحافي مازيار بهاري، مسلطاً الضوء على أساليب التحقيق والضغط النفسي داخل السجون الإيرانية، خلال فترة الاحتجاجات المعروفة بـ”الحركة الخضراء” عام 2009.
أما قضايا المرأة والمجتمع فكانت حاضرة بقوة في عدة أعمال، منها فيلم “Offside” الذي تناول محاولة فتيات إيرانيات دخول ملعب كرة قدم رغم الحظر المفروض عليهن، في معالجة اجتماعية ساخرة تعكس القيود المفروضة على النساء.
وفي اتجاه أكثر قتامة، قدم فيلم “Holy Spider” قصة قاتل متسلسل استهدف نساء في مدينة مشهد، كاشفاً أبعاداً من العنف والتطرف، بينما أثار فيلم “The Stoning of Soraya M.” جدلاً واسعاً بسبب تناوله قضية مأساوية تتعلق بإعدام امرأة رجمًا في قرية إيرانية، مسلطاً الضوء على قضايا العدالة والسلطة المجتمعية.
في المقابل، اختارت أفلام أخرى تقديم نقد غير مباشر للنظام عبر الحياة اليومية، كما في فيلم “A Separation” الحائز على جائزة الأوسكار، والذي ناقش تعقيدات اجتماعية وقانونية وأخلاقية داخل المجتمع الإيراني المعاصر.
كما لجأ المخرج جعفر بناهي، رغم منعه من العمل داخل إيران، إلى إنتاج أفلام سرية مثل “Taxi”، الذي صُوّر داخل طهران بأسلوب يوثق حوارات متنوعة بين السائق وركابه، كاشفاً جوانب من الحياة اليومية تحت الرقابة.
وبذلك تبدو السينما العالمية والإيرانية معاً وكأنها نافذة موازية لفهم إيران، لا تكتفي بالسرد السياسي، بل تغوص في تفاصيل المجتمع والسجون والبيوت المغلقة، مقدمة صورة معقدة ومتعددة الطبقات.
ورغم اختلاف الأساليب بين المواجهة المباشرة والنقد الهادئ، يجمع هذه الأعمال سؤال أساسي واحد: كيف تبدو الحياة داخل دولة شكلت أيديولوجيتها السياسية والاجتماعية ملامحها منذ أكثر من أربعة عقود؟