تُعد السمنة من أكثر المشكلات الصحية تعقيداً، إذ لا يقتصر التحدي على فقدان الوزن فقط، بل يمتد إلى صعوبة الحفاظ عليه على المدى الطويل، حيث يعاني كثيرون من عودة زيادة الوزن بعد نجاحهم في إنقاصه، في ظاهرة تُعرف بانتكاس السمنة.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن هذا الانتكاس لا يرتبط فقط بقوة الإرادة، بل بعوامل بيولوجية داخل الجسم. فقد توصلت دراسات بريطانية إلى أن الخلايا الدهنية قد تحتفظ بما يشبه “ذاكرة السمنة” لفترات طويلة بعد فقدان الوزن، ما قد يزيد من احتمالية استعادة الدهون المفقودة.
كما أظهرت دراسة صادرة عن جامعة برمنغهام ونُشرت في مجلة EMBO Reports أن بعض الخلايا المناعية قد تحتفظ أيضاً بآثار بيولوجية مرتبطة بالسمنة، وهو ما يعزز فكرة وجود تأثير طويل الأمد للحالة على الجسم.
وتوضح الدراسة أن هذه الذاكرة البيولوجية قد تستمر لسنوات، وقد تصل إلى نحو عشر سنوات، ما قد يرفع من خطر عودة السمنة والإصابة بالأمراض المرتبطة بها، حتى بعد نجاح فقدان الوزن. ويُعتقد أن آلية ذلك ترتبط بعملية تُعرف بـ”مثيلة الحمض النووي”، وهي تعديل كيميائي يؤثر على نشاط الجينات دون تغيير تسلسلها.
وتأتي هذه النتائج في وقت تُعد فيه السمنة مشكلة صحية عالمية متصاعدة، مع توقعات بزيادة معدلات انتشارها في مختلف دول العالم، وما يرافق ذلك من أعباء صحية واقتصادية كبيرة. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن سوق إدارة السمنة يشهد نمواً سريعاً قد يتجاوز مئات المليارات من الدولارات خلال السنوات المقبلة، إلى جانب تكاليف عالمية قد تصل إلى تريليونات الدولارات نتيجة المضاعفات الصحية وفقدان الإنتاجية.
ويُعرف النسيج الدهني في الجسم بأنه ليس مجرد مخزن للطاقة، بل نسيج نشط يؤدي وظائف متعددة، منها تنظيم حرارة الجسم، وحماية الأعضاء الداخلية، والمشاركة في إفراز هرمونات تؤثر على الشهية والأيض مثل اللبتين والأديبونكتين.
كما تختلف الخلايا الدهنية في أنواعها ووظائفها، إذ توجد الخلايا البيضاء المسؤولة عن تخزين الدهون، والخلايا البنية التي تعمل على حرق الطاقة وتوليد الحرارة، إضافة إلى الخلايا البيج التي يمكن أن تتحول إلى نمط أكثر نشاطاً لحرق الدهون في ظروف معينة مثل البرد أو النشاط البدني.
وتشير الدراسات إلى أن الخلايا الدهنية لا تختفي تماماً عند فقدان الوزن، بل ينكمش حجمها فقط، ما يفسر سهولة استعادة الوزن عند العودة إلى أنماط غذائية غير صحية. كما أن عدد هذه الخلايا يبقى مستقراً نسبياً لدى البالغين، رغم تجدد جزء منها بشكل دوري.
وفي النهاية، تؤكد الأبحاث أن عملية فقدان الدهون تعتمد أساساً على الأكسدة وإنتاج الطاقة، حيث يتم التخلص من معظم الدهون عبر ثاني أكسيد الكربون من خلال التنفس، إضافة إلى الماء عبر العرق والبول، ما يبرز أهمية النشاط البدني والتنفس والتمثيل الغذائي في إدارة الوزن.