سلّطت دراسة حديثة صادرة عن معهد أهرون الضوء على الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة في إسرائيل خلال العقدين الماضيين، مشيرة إلى أن أسعار السكن والغذاء تُعد العاملين الأساسيين وراء هذا الغلاء، إلى جانب ضغوط سياسية تحدّ من تنفيذ إصلاحات اقتصادية من شأنها خفض التكاليف.
وأظهرت الدراسة أن تكاليف المعيشة في إسرائيل تفوق بنحو 21% نظيرتها في عدد من الدول الغنية مثل النمسا وفنلندا والدنمارك وهولندا والسويد، رغم أن متوسط دخل الفرد في هذه الدول أعلى من إسرائيل.
أما بالمقارنة مع دول يقل فيها دخل الفرد، مثل إيطاليا وإسبانيا وقبرص واليونان، فإن المعيشة في إسرائيل أعلى تكلفة بنسبة تصل إلى 68%، ما يعكس فجوة كبيرة في القدرة الشرائية.
وحذّرت الدراسة من أن هذا الغلاء قد يدفع إلى زيادة الهجرة من إسرائيل، لافتة إلى أنه يساهم حاليًا في تآكل جودة الحياة بنسبة تُقدّر بنحو 14%.
وبيّنت المعطيات أن أسعار السكن شهدت تحولًا كبيرًا، إذ كانت في عام 2005 أقل من نظيراتها في الدول الغنية بنسبة 31%، لكنها أصبحت اليوم أعلى منها بنسبة 26%، فيما تصل الفجوة إلى 85% عند مقارنتها بدول أقل دخلًا.
كما ارتفعت أسعار الغذاء بشكل ملحوظ، حيث تحولت من كونها أقل من الدول الغنية بنسبة 26% عام 2005 إلى أعلى منها بنسبة 27% حاليًا، مع تسجيل زيادات كبيرة في أسعار منتجات الألبان بنسبة 47%، والفواكه والخضراوات بنسبة 86% خلال عشرين عامًا.
وأرجعت الدراسة هذه الفوارق إلى مجموعة من العوامل، أبرزها السياسات الزراعية، حيث تعتمد الدول الأوروبية على تقديم دعم مباشر للمزارعين، في حين يتم الدعم في إسرائيل بشكل غير مباشر عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة وقيود تنظيمية على الاستيراد، ما يؤدي إلى رفع الأسعار على المستهلك.
كما أشارت إلى أن القيود التنظيمية الصارمة تحدد أنواع المنتجات الزراعية التي يمكن استيرادها ومصادرها، إضافة إلى نظام تخطيط قطاع الألبان الذي يفرض حصص إنتاج وأسعارًا ثابتة، في وقت يشهد فيه الطلب نموًا متسارعًا نتيجة زيادة عدد السكان.
وأوضحت الدراسة أن 95% من الأراضي الزراعية في إسرائيل مستغلة بالفعل، بينما لم يزد الإنتاج الزراعي إلا بنسبة 10% خلال عقدين، مقابل نمو سكاني بلغ 52%، ما أدى إلى فجوة كبيرة في العرض والطلب انعكست على الأسعار.
وعلى صعيد آخر، لفتت الدراسة إلى أن الضرائب المرتفعة، مثل ضريبة القيمة المضافة، إلى جانب متطلبات شهادات "الكشروت"، تسهم في نحو 35% من فروقات الأسعار مقارنة بأوروبا، فيما تعود النسبة المتبقية إلى قيود تجارية، وهيمنة احتكارية في السوق، وتكاليف إنتاج مرتفعة.
وقدمت الدراسة مجموعة من التوصيات، من بينها تخفيف القيود على الاستيراد، وخفض الرسوم الجمركية تدريجيًا، وزيادة المنافسة، وإلغاء بعض الأنظمة الاحتكارية، إضافة إلى اعتماد دعم مباشر للمزارعين، مؤكدة أن تنفيذ هذه الإصلاحات بشكل متكامل هو السبيل الوحيد لمعالجة أزمة غلاء المعيشة بشكل فعّال.