منى هيثم أبو حدايد - مصدر الإخبارية
في أزقةٍ ضيقة كان صوته يسبق خطاه، يركض الطفل زكي أبو كميل بين الحارات بلا خوف، يلاحق لعبته الصغيرة ويملأ المكان ضحكاً لا يشبه إلا الطفولة حين تكون في أصدق صورها. طفلٌ كان يبدو كأنه لا يعرف التعب، يتحرك بخفة، يلتفت لكل صوت، ويطرح أسئلته البسيطة على الحياة وكأنه يحاول فهم العالم دفعة واحدة. كانت ملامحه تحمل ذلك المزيج المألوف من الذكاء والبراءة، ذلك النوع من الأطفال الذين يلفتون النظر بعفويتهم .
لكن مع بداية الحرب وتحديداً منذ الأشهر الأولى تدهورت حالة زكي بشكل تدريجي، وبدأت ملامح مختلفة تتسلل إلى حياته بهدوءٍ قاسٍ. تقول خلود أبو كميل والدة الطفل زكي: إن التغير بدأ تدريجياً، وكأنه انسحاب خفي من الطفولة نفسها؛ أصبح أقل تفاعلاً، أكثر شروداً، وكأنه يبتعد شيئاً فشيئاً عن عالمه الذي كان يعرفه جيداً.
ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مجرد تغيرات بسيطة. تحولت خطواته الواثقة إلى مشيٍ متردد وبطيء، ثم إلى سقوط متكرر يفاجئ من حوله، قبل أن يفقد قدرته على المشي تماماً، ويبدأ بالزحف، وكأن جسده الصغير يحاول التمسك بما تبقى من حركته. ثم جاء التدهور الأكبر، حين أصبح عاجزاً عن الحركة بالكامل، ليبقى اليوم مستلقياً على الفراش، صامتاً أمام عالم لم يعد يتجاوب معه كما كان.

تقول والدته لشبكة مصدر الإخبارية: “اتجهنا للعديد من أطباء الأعصاب، لكن لم يستطع أي طبيب تشخيص حالته، لأنه كان بحاجة إلى تصوير رنين مغناطيسي، وهو غير متوفر في الوقت الحالي ”. وتضيف أن استهداف المستشفيات في قطاع غزة خلق عجزاً طبياً كبيراً، مما جعل الوصول إلى التشخيص أو العلاج أمراً شديد الصعوبة، في ظل منظومة صحية منهكة تحت ضغط الحرب.
سعت أسرة زكي للحصول على تحويلة طبية لتشخيص حالته وعلاجه في الخارج، إلا أن إغلاق المعابر حال دون ذلك، فبقي الطفل في دائرة مغلقة من المعاناة، لا تشخيص يفسر حالته ولا علاج يوقف تدهورها. ومع الوقت، ازدادت حالته سوءاً، وبدأ يعاني من تشنجات متكررة، في ظل نقص حاد في الأدوية وانقطاع بعضها بشكل كامل، ما جعل الألم جزءاً يومياً من حياته.
ورغم أن عمره اليوم خمس سنوات، إلا أن والدته تصفه كطفل في أشهره الأولى من حيث الإدراك والتفاعل، وتقول بحزن: “لا يعرفني ولا يعرف والده، لا يتجاوب معنا، لا يضحك ولا يلتفت إلينا”.
وفي رسالة إنسانية مؤثرة، توجه والدته نداءً إلى العالم بأن ينظر إلى طفلها بعين الرحمة والرأفة، قائلة إن ما تطلبه ليس المستحيل، بل فقط معرفة ما الذي يعانيه طفلها حتى تتمكن من رعايته بشكل صحيح. وتضيف بصوت يختنق بالألم: “حتى لو بقي كما هو، أنا راضية بقضاء الله وقدره، لكن أريد أن أعرف تشخيصه، أريد أن أفهم ما الذي يعاني منه طفلي… كان زي الفل، وفجأة صار بهذه الحالة”.
وتختم كلماتها بحسرة موجعة تعكس عمق الألم الذي تعيشه أم أمام طفلها: “يمكن اللي ابنه شهيد أهون عليه… لأنه أصعب شيء في العالم تشوفي ابنك بعد ما كان بيلعب وسليم وصوت ضحكته مالي البيت، صار في هذا الوضع… قلبي بيتقطع عليه”.

قصة الطفل زكي ليست حالة فردية بقدر ما هي انعكاس لواقعٍ إنساني قاسي يعيشه المرضى في قطاع غزة، حيث تتكرر الحكايات بأشكال مختلفة بينما يبقى الألم واحداً. يقف المرضى اليوم أمام معاناة مركبة تبدأ من تأخر التشخيص، وتمرّ بنقص العلاج، ولا تنتهي عند تعقيدات السفر وإغلاق المعابر، في ظل منظومة صحية مثقلة تحت ضغط الحرب والحصار.
في هذا الواقع، تتحول الأمراض من حالات قابلة للعلاج إلى مسارات طويلة من الانتظار، تختلط فيها المحاولات الطبية بالأمل المعلّق، وتغيب فيها أبسط الفحوصات والأدوية في كثير من الأحيان. وبين الانهيار الصحي وشحّ الإمكانيات، تقف الأجساد المنهكة في مواجهة غير متكافئة مع الزمن، حيث يؤخر الحصار فرصة الشفاء ويضاعف من قسوة المرض.
ليست هذه الحكاية سوى واحدة من مئات الحكايات التي تنتظر دورها في العلاج أو السفر أو التشخيص الدقيق، لكنها في جوهرها تحمل المعنى ذاته: حياة معلّقة بين حدود مغلقة وإمكانات محدودة، وأملٌ ما زال يحاول الصمود رغم ثقل الواقع.