رام الله - مصدر الإخبارية
في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو المواجهة العسكرية المحتدمة بين "إسرائيل والولايات المتحدة" من جهة وإيران من جهة أخرى، تشهد الضفة الغربية المحتلة سباقا محموما مع الزمن لفرض واقع استيطاني جديد.
وتكشف المعطيات الميدانية عن استغلال سلطات الاحتلال للانشغال الدولي بتداعيات الحرب الإقليمية لتنفيذ أوسع عملية استيلاء وتجريف للأراضي الفلسطينية منذ مطلع عام 2026.
ويرى مراقبون أن تراجع الرقابة الدولية والضغط الدبلوماسي نتيجة الأزمات الكبرى، منح الاحتلال "ضوءاً أخضر" غير معلن لتكثيف أوامر وضع اليد وتوسعة المستوطنات. هذا التصعيد لم يعد مجرد إجراءات متفرقة، بل تحول إلى سياسة ممنهجة تهدف إلى حسم الصراع على الأرض عبر استغلال الذرائع العسكرية والأمنية.
خرائط السيطرة: "ج" في قلب الاستهداف
تُظهر الأرقام الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أن ما يقارب 61% من مساحة الضفة الغربية تقع ضمن المناطق المصنفة (ج)، حيث تفرض سلطات الاحتلال سيطرة أمنية ومدنية كاملة، وتخضع أكثر من 70% من أراضي المناطق (ج) لإجراءات ومسميات استيطانية منها "أراضي الدولة" و"المحميات الطبيعية" و"مناطق التدريب العسكري"، في حين تم إعلان نحو 15% من أراضي الضفة "أراضي دولة"، ويجري بإمعان تخصيص الجزء الأكبر منها لصالح التوسع الاستيطاني، تضاف إلى 18% من مجمل مساحة الضفة الغربية تم إعلانها كمناطق للتدريب العسكري ويحرم الفلسطيني من حقه في دخولها واستخدامها واستصلاحها، في حين يتاح للمستوطنين التسلل إليها وإقامة البؤر فيها.
الأسبوع الأول من الشهر الجاري، سجلت الهيئة 486 حالة اعتداء، تركزت في محافظتي الخليل بـ(82) ونابلس بـ(69)، وشهدت هذه الفترة إصدار 3 إخطارات هدم واستيلاء على ممتلكات في 9 مواقع مختلفة، في مؤشر أولي على تسارع وتيرة العمليات مع تصاعد التوتر الإقليمي.
الأسبوع الثاني: ارتفعت حدة استهداف الممتلكات لتسجل 123 حالة اعتداء على الأراضي والممتلكات، منها 57 اعتداءً نفذها المستوطنين. وخلال هذه الفترة تم رصد 54 حالة حرق وتكسير ممتلكات، واستيلاء وسرقة ممتلكات في 12 موقعاً، لا سيما في محافظة نابلس التي سجلت وحدها 23 اعتداءً على الممتلكات.
الأسبوع الثالث: استمر التغول الميداني بتسجيل 284 حالة اعتداء إضافية، مع تركيز لافت على محافظة نابلس (50 اعتداءً)، والخليل (48). وشملت هذه الاعتداءات 7 حالات استيلاء على ممتلكات وتجريف أراضٍ لإقامة طرق استيطانية وتوسعة بؤر قائمة.
تشير المعطيات التراكمية لشهر آذار إلى أن الاحتلال يركز جهوده على "تطهير" مساحات شاسعة من أراضي المواطنين عبر سياسة التخويف والترهيب، حيث سجلت التقارير مئات حالات الترهيب ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية. ففي الأسبوع الثاني وحده، سجلت الهيئة 307 حالات اعتداء على الأفراد، بينما شهد الأسبوع الثالث 210 حالات مماثلة، الهدف منها دفع المزارعين إلى ترك أراضيهم تمهيداً للاستيلاء عليها وتوسعة المستوطنات دون ضجيج إعلامي دولي.
وخلصت تقارير الهيئة إلى أن غياب المساءلة الدولية في ظل انشغال المجتمع الدولي بالصراع مع إيران، شجع مليشيات المستوطنين على تنفيذ 152 اعتداءً مباشرا خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من آذار، شملت ضربا وإصابات مباشرة وحالات اختناق، ما يعزز فرضية استغلال "غطاء الحرب" لحسم السيادة على الأرض الفلسطينية.
تزايد عدد المستوطنات والبؤر
وتابع أن المعطيات ذاتها تفيد بأن عدد المستعمرات والبؤر الاستعمارية في الضفة الغربية تجاوز 542 بين مستوطنة وبؤرة استيطانية، مقسمة على 350 بؤرة استيطانية و192 مستوطنة يقطنها أكثر من 780 ألف مستوطن، في وقت تواصل فيه سلطات الاحتلال إصدار أوامر عسكرية ومخططات هيكلية تستهدف آلاف الدونمات سنويا.
وبينت الهيئة أنه خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت وتيرة المصادقات على الوحدات الاستيطانية لتصل إلى عشرات الآلاف، بالتوازي مع شق مئات الكيلومترات من الطرق الالتفافية التي تعيد رسم الخريطة الجغرافية وتُعمّق عزل التجمعات الفلسطينية، في إطار مشروع متكامل يهدف إلى إحكام السيطرة على الأرض وتقويض أي إمكانية لقيام كيان فلسطيني متصل جغرافيا.