مصطفى إبراهيم - كاتب ومحلل سياسي
لم يعد النقاش الفلسطيني يحتمل مزيداً من الدوران في الحلقة نفسها. ما يجري اليوم ليس خلافاً حول تفاصيل “مرحلة ثانية”، ولا جدلاً تقنياً بشأن شروط اتفاق أو آليات تنفيذ قرار دولي. نحن أمام لحظة مفصلية تتقاطع فيها حرب الإلغاء في غزة مع مشروع الحسم في الضفة الغربية، وتتداخل فيها إرادة الاحتلال مع حسابات إقليمية ودولية مضطربة، بينما يغيب النقاش الوطني المنهجي القادر على إنتاج تقدير موقف جامع.
المعضلةالأساسيةلاتكمنفقطفياختلالموازينالقوى،بلفيغيابحسمفكريوسياسيلطبيعةالمرحلة. قبلأننسأل: كيفننجح؟علينا أن نسأل: ماذا نواجه؟ هل نحن أمام تحدٍ عابر يمكن احتواؤه بأدوات سياسية تقليدية؟ أم تهديد استراتيجي طويل الأمد يعيد تشكيل بنية الصراع؟ أم أننا دخلنا طور خطر وجودي يستهدف الكيانية السياسية الفلسطينية في غزة والضفة معاً؟
هذاالسؤالليسترفاًنظرياً،بلشرطلأيفعلعقلاني. التشخيصالخاطئيقودإلىخياراتخاطئة،والالتباسفيتعريفالمرحلةينعكسارتباكاًفيالقراروالأولويات. التجربةالفلسطينيةأظهرتأنالإخفاقفيمقاربةالواقعكماهو،لاكمانرغبأنيكون،أنتجحالةمنالتكراروالاستنزاف: إعادةطرحالأسئلةنفسها، واستحضار السجالات نفسها، دون انتقال فعلي إلى مستوى الفعل المؤثر.
لفهماللحظةالراهنة،لايكفيتوصيفالوقائعاليومية. المطلوبقراءةالاتجاهالعامللأحداثمنذالإعلانعنخطةدونالدترامب،مروراًبمرحلةالتطبيعالإقليمي،وصولاًإلىحربالابادةوتداعياتهاالسياسيةوالأمنية. المسارالعاميشيرإلىتقليصتدريجيللحيزالسياسيوالجغرافيالفلسطيني،ومحاولاتإعادةتعريفالمرجعياتالقانونيةوالالتزاماتالدولية،بالتوازيمعتسارعمشاريعفرضالسيادةفيالضفةالغربية،توسيعالاستيطان،وفرضالقوانينالإسرائيليةتدريجياً، ومصادرة الأراضي، وخلق واقع يضعف قدرة السلطة على التحكم في الأرض والمجتمع. في الوقت ذاته، يُنظر إلى غزة بوصفها ساحة لإعادة ترتيب الواقع السياسي بما يقوّض بنيتها المؤسسية ويضعف قدرتها على التمثيل الوطني.
هذهالمؤشراتلاتعكسمجردضغطمرحليلتحسينشروطتفاوض،بلتشيرإلىمشروعإعادةصياغةطويلالأمدللمسألةالفلسطينيةبرمتها،عبرتفكيكعناصرالقوةالسياسيةوالمؤسسية،ودفعالكيانيةالفلسطينيةنحوحالةهشاشةدائمة. الوضعفيغزةتجاوزمرحلةالحصارليصبحأزمةوجوديةحقيقية،تهددالبنيةالتحتيةوالمجتمعالمدني، ولا ينتظر منا أي مناورة أو تردد.
لسنواتطويلة،قامتالمقاربةالإسرائيليةعلىمبدأ“إدارةالصراع”: منعقيامدولةفلسطينيةكاملةالسيادة،معالإبقاءعلىبنيةسياسيةفلسطينيةمحدودةالوظيفةتتحملأعباءالإدارةالمدنيةوالأمنيةدونأدواتسياديةفعلية. هذهالمعادلةسمحتبتجنبالانفجارالشامل،ومنعتالوصولإلىتسويةسياسيةحقيقية. لكنالتطوراتالأخيرة،خاصةفيالضفةالغربية،تشيرإلىتحوّلنوعي: الهدفلميعدإدارةأزمة،بلدفعالفلسطينييننحوتفككبنيوييهددالإطارالمؤسسيللمشروعالوطني.
إذاكانهذاالتقديرصحيحاً، فنحن لا نواجه مجرد تضييق مرحلي، بل تهديداً وجودياً طويل الأمد قد ينهي الإطار الجامع الذي يقوم عليه المشروع الوطني. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في مشاريع الآخرين، بل في عجزنا عن نقد الذات: الانقسام المستمر، تآكل الشرعيات، غياب النقاش المؤسسي الرسمي بين مكونات النظام السياسي، وتقدّم الحسابات الفئوية على المصلحة الوطنية، كلها عوامل تضعف القدرة على مواجهة المسار الجاري.
المشكلةلاتكمنفيتعددالآراء،بلفيغيابإطارجامعلإدارةالاختلاف. حينيغيبالتقديرالمشتركلطبيعةالمرحلة،تتحولالخلافاتإلىحالة شلل، ويُستنزف الجهد في سجالات داخلية، بينما تتقدم الوقائع على الأرض بخطى ثابتة.
رغمقتامةالمشهد،فإنتوصيفالخطرلايعنيالتسليمبه. السؤالالحاسمهو: ماهوهامشالفعلالمتاح؟هلنحنمجردمتلقينلمساريُفرضعلينا،أممازاللديناالقدرةعلىالتأثيرفيه؟
الإجابةالواقعيةتفيدبأنالهوامشضيقة،لكنهالمتنعدم. إعادةبناءتقديرموقفوطنيشامل،توحيدالأولوياتحولحمايةالكيانيةالسياسيةأولاً،إعادةترتيبالبيتالداخلي،وتحديداستراتيجيةسياسيةواضحةفيالتعاملمعالمجتمعالدولي،كلهاخطواتيمكنأنتعيدجزءاً من المبادرة. المطلوب ليس خطاباً تعبويّاً جديداً، ولا إعادة إنتاج الانقسامات القديمة، بل شجاعة الاعتراف بحجم التحول الجاري.
حينتصبحالأولويةحمايةالإطارالسياسيالجامعمنالتفكك،تتغيرالحسابات،وتُعادصياغةالأدوات،وتُرتبالأولوياتوفقمعيارالبقاءالوطنيلاوفقحساباتالربحالفئوي. نحنأماممحنةتاريخيةمعقدةقدتكونقابلةللاحتواءإذاأُحسنالتعاملمعها،وقدتنزلقإلىمستوىخطروجوديإذااستمرتحالةالإنكاروالتردد. القراراتالتيتُتخذاليوم—أويُحجمعناتخاذها،ستسهمإمافيتقليصكلفةالمرحلة وتفكيك عناصرها الأخطر، أو في تعميقها وترسيخ آثارها على المدى البعيد.
الوضوحفيالرؤية،حتىفيظلاختلالموازينالقوى،هوالخطوةالأولىلاستعادةالمبادرة. قدلانملكالقدرةعلىتغييركلالمعادلات،لكننانملكالقدرةعلىتحديدموقعناداخلها. وبينأننكونفاعلينفيمساريتشكل،أومجردموضوعله،يتحددالفارقبينأزمةعابرةوخطروجودييعيدتشكيلمصيرناالسياسي. غزة،فيقلبهذاالمسار،لاتنتظرمزيداًمنالوقت،بلوضوحاًفيالرؤيةوجرأةفيالقرار،فالقرارالذييُتخذاليوم،أويُؤجل،سيحددماإذاكناسننجحفيحماية الكيانية الوطنية، أم سنصبح مجرد شاهد على تفكيك مشروعنا السياسي.







