القدس المحتلة - مصدر الإخبارية
لا ترى إسرائيل، في المرحلة الراهنة، حاجة ملحّة للتوصل إلى اتفاق أمني أو سياسي مع سورية، في ظل شكوك عميقة تسود المؤسسة السياسية والأمنية في تل أبيب حيال طبيعة الحكم في دمشق، واستقراره، وقدرته الفعلية على بسط سيطرته على كامل الأراضي السورية.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، فإن هذه الشكوك تنطلق أولًا من شخصية الرئيس السوري أحمد الشرع نفسه، إذ تشير تقديرات إسرائيلية إلى أنه "من غير الواضح ما إذا كان مختلفًا فعليًا عن أبو محمد الجولاني"، في إشارة إلى ماضيه على رأس "جبهة النصرة" التي تحولت لاحقًا إلى "هيئة تحرير الشام"، وذلك رغم ظهوره الحالي بخطاب سياسي أقل تشددًا وملابس مدنية.
ويضيف التحليل أن الشك الثاني يتصل بالواقع الميداني في سورية، حيث لا ترى إسرائيل أن الشرع يفرض حكمًا مستقرًا على البلاد، إذ تشير تقديراتها إلى أن سيطرته لا تتجاوز 60% من الجغرافيا السورية، فضلًا عن صعوبات جدية في ضبط جماعات جهادية متشددة ضمن معسكره، تعارض ما تصفه إسرائيل بـ"الإسلام المعتدل" والسياسات المنفتحة على الغرب التي يحاول تسويقها.
الانتشار العسكري كورقة ضغط
في هذا السياق، تعتبر الصحيفة أن لإسرائيل "مصلحة واضحة" في الإبقاء على انتشار جيشها داخل المنطقة العازلة في الأراضي السورية، حيث أقامت تسعة مواقع عسكرية متقدمة داخل عمق محدود من الأراضي السورية، يمتد لبضعة كيلومترات.
وتتركز هذه المواقع، وفق التحليل، في منطقتين أساسيتين: شمال الجبهة عند قمة جبل الشيخ، وجنوبها في منطقة المثلث الحدودي بين إسرائيل وسورية والأردن. وإلى جانب ذلك، تعمل إسرائيل على إقامة مواقع إضافية تمنحها، بحسب تقديراتها، قدرة عالية على السيطرة النارية وجمع المعلومات الاستخباراتية، ليس فقط في محيط دمشق، بل أيضًا في شمال شرق لبنان، حيث ينشط حزب الله وتنظيمات فلسطينية.
كما تشير الصحيفة إلى أن إسرائيل أقامت "عائقًا عميقًا" أمام حركة المركبات والأفراد، بهدف إبطاء أو إحباط أي هجوم مفاجئ محتمل من الجولان، في استحضار مباشر لتجربة هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وترى تل أبيب أن هذا الانتشار لا يوفر فقط حماية وردعًا لمستوطنات الجولان المحتل، بل يشكّل أيضًا ورقة تفاوضية مهمة في أي محادثات مستقبلية، في ظل مطالبة دمشق المستمرة بانسحاب الجيش الإسرائيلي من هذه المناطق التي تعتبرها "أراضي سيادية".
ترامب يدفع للتسوية… وإسرائيل تناور
وتصف الصحيفة الوضع الحالي بأنه "مريح لإسرائيل"، لكنه يتقاطع في الوقت ذاته مع رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الدفع نحو تسوية دائمة، أو على الأقل ترتيب أمني، بين إسرائيل وسورية. وتُرجع ذلك إلى سعي ترامب لتعزيز صورته كصانع سلام واستقرار في الشرق الأوسط، إضافة إلى طموحه لتحقيق إنجاز سياسي ذي صدى دولي.
كما تشير إلى أن ترامب يسعى للاستجابة لمطالب دول إقليمية، في مقدمتها السعودية وقطر وتركيا، التي ترى في إعادة إعمار سورية فرصة اقتصادية وسياسية، وتسعى لترسيخ نفوذها فيها. وترصد إسرائيل، في هذا السياق، مساعي تركية للعب دور محوري في إعادة بناء الجيش السوري والبنية المدنية، بدعم مالي خليجي، بما قد يدر مليارات الدولارات على الشركات التركية ويمنح أنقرة نفوذًا سياسيًا وأمنيًا واسعًا.
تمثيل منخفض ومفاوضات بلا قرارات
ورغم عدم وجود مصلحة إسرائيلية عاجلة للتوصل إلى اتفاق مع دمشق، لا ترغب تل أبيب في الدخول في مواجهة مع واشنطن. ولهذا، شاركت إسرائيل في المحادثات الثلاثية الأميركية–السورية–الإسرائيلية التي عُقدت هذا الأسبوع في باريس بوفد منخفض التمثيل وغير مخوّل باتخاذ قرارات حاسمة، مقابل تمثيل سوري رفيع شمل وزير الخارجية ورئيس الاستخبارات، وتمثيل أميركي واسع ضم مبعوثين بارزين.
ويظهر هذا التباين، بحسب الصحيفة، في الروايات المختلفة حول نتائج اللقاء، إذ يتحدث مسؤولون أميركيون عن حسم معظم القضايا، بينما اكتفى بيان مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بالإشارة إلى الحاجة لمفاوضات إضافية لضمان الاستقرار وتلبية المتطلبات الأمنية الإسرائيلية.
خريطة المصالح الإسرائيلية
وتخلص الصحيفة إلى أن الهدف الإسرائيلي الأساسي يتمثل في الحفاظ على ما تعتبره "مكاسب الحرب" في الساحة السورية، وتحسين الوضع الأمني مقارنة بما كان عليه قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023. وتحدد لذلك ثلاثة مطالب مركزية: منع أي هجوم مفاجئ من الأراضي السورية، إبعاد الجماعات المسلحة عن الحدود والمستوطنات، ومنع نقل السلاح إلى حزب الله عبر سورية.
كما تبرز مصلحة إسرائيلية إضافية تتمثل في منع أي وجود عسكري تركي في جنوب سورية، لما قد يفرضه من قيود على حرية عمل سلاح الجو الإسرائيلي، إلى جانب تأكيدها التزامًا معلنًا بحماية الدروز، خاصة في السويداء.
في المقابل، يطالب الرئيس السوري بانسحاب إسرائيل من المنطقة العازلة والعودة إلى خطوط اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وهو ما ترفضه تل أبيب، معتبرة أن تلك الترتيبات لم تعد تلبي متطلبات الأمن الحالية.
وبحسب التحليل، طرح الأميركيون خلال لقاء باريس فكرة إنشاء آلية تنسيق أمنية مقرها الأردن، تضم إسرائيل وسورية والولايات المتحدة، بهدف منع الاحتكاك وتبادل المعلومات، مع فتح المجال لاحقًا لمسارات حوار مدنية واقتصادية، في إطار مسار لا تزال ملامحه النهائية غير محسومة.