شبكة مصدر الاخبارية

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
الرئيسية فلسطينيو 48 شؤون إسرائيلية عربية وإقليمية اقتصاد تكنولوجيا تقارير خاصة رياضة منوعات إتصل بنا
الرئيسية أقلام حين يصبح البقاء ثمنًا سياسيًا من الإغاثة إلى الوصاية: كيف أُعيدت هندسة المأساة سياسيًا

د. شادية الغول .. كاتبة و أكاديمية فلسطينية

حين يصبح البقاء ثمنًا سياسيًا من الإغاثة إلى الوصاية: كيف أُعيدت هندسة المأساة سياسيًا

29 ديسمبر 2025 12:41 م
Facebook X (Twitter) WhatsApp
د. شادية الغول .. كاتبة و أكاديمية فلسطينية

د. شادية الغول .. كاتبة و أكاديمية فلسطينية

لم تعد المساعدات الإنسانية في سياق الإبادة مسألة إغاثة أو استجابة طارئة، بل تحولت إلى أحد أكثر أدوات السلطة فاعلية. فهي لا تُستخدم فقط لتخفيف المعاناة، بل لإدارتها، وضبطها، وإبقائها ضمن حدود لا تُهدد الترتيبات السياسية الأوسع. في هذا الإطار، لم يعد البقاء على قيد الحياة نتيجة لحق إنساني، بل حصيلة معادلة سياسية معقّدة، يُعاد فيها تعريف من يستحق النجاة، وبأي شروط.

ما نشهده اليوم هو انتقال من منطق الحماية إلى منطق الإدارة. تُدار الكارثة عبر تدفقات محسوبة من الغذاء والدواء، تُفتح وتُغلق وفق اعتبارات لا علاقة لها بالحاجة الفعلية، بل بميزان المصالح. هذا النمط من “الإنسانية المُقنّنة” لا يُنهي العنف، بل يعيد إنتاجه بأدوات أقل وضوحًا، حيث يُستبدل القصف بالتمويل المشروط، وتُستبدل القوة العسكرية بهيئات تقنية ولجان تعافٍ.

في هذا السياق، جرى تفريغ العمل الإنساني من جوهره الحقوقي. لم تعد المساعدات التزامًا قانونيًا غير قابل للتسييس، بل أداة ضغط تُستخدم لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي. يُكافأ الامتثال بتسهيلات، ويُعاقَب الرفض بالحرمان، بينما تُعاد صياغة المأساة بوصفها أزمة إدارة لا نتيجة بنية استعمارية مستمرة.

غير أن هذا المشهد لا يمكن فهمه بمعزل عن البعد الاقتصادي–الاستراتيجي الأوسع، وتحديدًا ما يتصل بموارد الطاقة الكامنة قبالة الساحل. فهذه الموارد، التي كان يفترض أن تشكّل أساسًا للسيادة الاقتصادية والتنمية المستقبلية، جرى تعليقها سياسيًا، وتحويلها إلى ورقة تفاوض طويلة الأمد. لم يعد الوصول إليها مسألة حق، بل مكافأة مشروطة بقبول ترتيبات سياسية وأمنية تُفرض من الخارج.

هنا، تتقاطع الإغاثة مع الطاقة، والإعمار مع الغاز، والإنسان مع الصفقة. تُستخدم المساعدات لتهيئة القبول، ويُطرح الإعمار كأداة استقرار، بينما تُدار الموارد الطبيعية كجزء من منظومة ضبط إقليمي أوسع. ليست القضية إعادة بناء ما دُمّر، بل إعادة تشكيل الواقع بما يضمن قابلية السيطرة عليه مستقبلًا.

تلعب الأطراف الإقليمية، بما فيها أطراف عربية، دورًا مركزيًا في هذه المعادلة. فالتدخل لا يتم فقط عبر التمويل، بل عبر رسم حدود ما هو ممكن سياسيًا. تُقدَّم المبادرات تحت عناوين إنسانية أو تنموية، لكنها محمّلة بشروط غير معلنة تتعلق بالتمثيل، والحوكمة، وتحديد الشركاء “المقبولين”. في هذا الإطار، يتحول الدعم إلى أداة احتواء، ويغدو المال وسيلة لإدارة الصراع بدل حلّه.

ضمن هذا المسار، يُطرح نموذج “إدارة ما بعد الحرب” أو ما يُسمّى أحيانًا بـ“مجالس السلام” كحل تقني محايد. غير أن هذا الطرح يتجاهل سؤالًا جوهريًا: من يملك حق القرار؟ فإدارة مجتمع تعرّض للإبادة عبر أطر خارجية، دون مشاركة فعلية أو مشورة حقيقية لأصحاب الشأن، لا تمثل انتقالًا نحو السلام، بل نحو شكل جديد من الوصاية السياسية.

هذا الإقصاء ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل جزءًا بنيويًا من النموذج المطروح. فمجتمع مُنهك، يعتمد على المساعدات، ويُدار من الخارج، يكون أقل قدرة على الاعتراض، وأكثر قابلية لتمرير ترتيبات تتعلق بالأمن، والطاقة، والتحالفات الإقليمية. هكذا تتحول الكارثة الإنسانية إلى فرصة لإعادة هندسة النظام السياسي والاجتماعي بما يخدم مصالح خارجية طويلة الأمد.

في الوقت نفسه، تتصاعد الجهود لإضعاف أو استبدال المؤسسات التي تحمل دلالة قانونية وسياسية على الجريمة الأصلية. لا يجري ذلك تحت عنوان الإنكار المباشر، بل عبر خطاب “الإصلاح” و”البدائل الإنسانية”. الهدف ليس تحسين الخدمات، بل فصل المساعدة عن الحقوق، وتحويل الإنسان من صاحب قضية إلى متلقٍ دائم للإغاثة، بلا أفق سياسي.

النتيجة هي تطبيع الإبادة عبر إدارتها. تُحوَّل المأساة إلى ملف، وتُجزّأ المعاناة إلى مؤشرات، ويُعاد تعريف الحياة كامتياز مشروط. حين تُربط النجاة بالامتثال، ويُشترط الإعمار بالصمت، وتُعلّق الموارد الطبيعية على قبول الوصاية، يصبح “السلام” تسمية تقنية لوضع غير عادل، لكنه قابل للاستمرار.

ما يُبنى بهذه الطريقة ليس نظام حماية مستدام، بل نظام ضبط طويل الأمد. ليس تعافيًا حقيقيًا، بل إعادة ترتيب للخراب بما يتلاءم مع مصالح القوة. وأي مقاربة تتجاهل الحق في القرار، وتُفرغ المساعدات من بعدها الحقوقي، وتحوّل الإعمار إلى أداة ضغط، لن تُنهي المأساة، بل ستعيد إنتاجها بصيغة أقل عنفًا في الشكل، وأكثر رسوخًا في البنية.

Facebook X (Twitter) WhatsApp
شادية الغول المساعدات الإنسانية هندسة المجتمع

آخر الاخبار

حين تخسر الحروب معناها… من ورطة العراق إلى مأزق ايران الجديد

حين تخسر الحروب معناها… من ورطة العراق إلى مأزق ايران الجديد

التجمع الوطني المسيحي: دولة الإبادة تحاصر كنيسة القيامة وتُعيق شعائر "سبت النور"

التجمع الوطني المسيحي: دولة الإبادة تحاصر كنيسة القيامة وتُعيق شعائر "سبت النور"

بورنموث يفجر مفاجأة مدوية ويُسقط آرسنال في عقر داره

بورنموث يفجر مفاجأة مدوية ويُسقط آرسنال في عقر داره

إصابة شاب بجروح خطيرة برصاص المستوطنين شرق رام الله

إصابة شاب بجروح خطيرة برصاص المستوطنين شرق رام الله

الأكثر قراءة

1

الإمارات تغلق سفارتها في طهران وتسحب بعثتها الدبلوماسية

2

ما هو تفسير حلم الإجهاض للمتزوجة غير الحامل؟

3

هذا تفسير حلم سقوط سن واحد علوي في المنام

4

ما هو تفسير رؤية ترك العمل في الحلم؟

تابعنا على فيسبوك

المقالات المرتبطة

حين تخسر الحروب معناها… من ورطة العراق إلى مأزق ايران الجديد

حين تخسر الحروب معناها… من ورطة العراق إلى مأزق ايران الجديد

النصر التائه: قوة إسرائيل العسكرية وغياب الحسم السياسي

النصر التائه: قوة إسرائيل العسكرية وغياب الحسم السياسي

اقتصاد الندرة القسرية في غزة: عندما تتحول السيجارة إلى عملة بديلة

اقتصاد الندرة القسرية في غزة: عندما تتحول السيجارة إلى عملة بديلة

تابعنا على فيسبوك

شبكة مصدر الاخبارية

مصدر الإخبارية، شبكة إعلامية فلسطينية مستقلة، تُعنى بالشأن الفلسطيني والإقليمي والدولي، وتولي أهمية خاصة للقضية الفلسطينية بالدرجة الأولى

فلسطينيو 48 عربية وإقليمية تقارير خاصة محلية اقتصاد الأسرة الأسرى منوعات اللاجئين القدس سياسة أقلام اتصل بنا

جميع الحقوق محفوظة لمصدر الإخبارية © 2025

MSDRNEWS FB MSDRNEWS IG Youtube Telegram Twitter
BandoraCMS  Powered By BandoraCMS
سيتم تحسين تجربتك على هذا الموقع من خلال السماح بملفات تعريف الارتباط.