زياد حلبي .. صحفي وكاتب فلسطيني
نشر الصحفى والكاتب زياد حلبي على صفحته عالفيسبوك
في العلاقات الدولية، لا تُدار التحولات الكبرى بما يُقال، بل بما يُخفى. من هنا يمكن فهم العلاقة الراهنة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بوصفها صفقة غير مكتوبة، واضحة في مضمونها، مأزومة في شروطها، ومحكومة بوقائع عنيدة لا تستجيب بالضرورة ،للرغبات.
جوهر الصفقة بسيط وقاسٍ في آن واحد: ترامب يساعد نتنياهو في معركة العفو والإفلات من القضاء والسجن ، ونتنياهو يساعد ترامب في بناء صورة “رجل السلام” المؤهل لجائزة نوبل. غير أن هذه المعادلة، التي تبدو متوازنة نظرياً، تصطدم عملياً باختلاف عميق في الرؤية، وبشخصيتين سياسيتين لا تجيدان التراجع إلا عندما يُفرَض عليهما.
التعنيف الذي تعرّض له نتنياهو من ترامب، والتنمر اللفظي الذي وصل حد الإهانات والشتائم ، لم يكن سابقة في العلاقة بينهما. الجديد هذه المرة أن الغضب الأميركي جاء بعد اغتيال الرجل الثاني في حماس، رائد سعد، بعد ٣٥ عاما من مطاردته ، في لحظة كان ترامب يسعى فيها إلى تثبيت إيقاع التهدئة لا كسره. المشكلة لم تكن في الاغتيال بحد ذاته، بل في رسالته السياسية: نتنياهو لا يعترف بخطط الاحتواء، ولا يثق بإدارة الصراع، بل يؤمن فقط بالحسم بالقوة ويبدو كمن يحاول تخريب خطة ترامب على الارض بدون ان يرفضها.
نتنياهو مقتنع بأن خطة ترامب محكومة بالفشل. لا أحد، في نظره، سينزع سلاح حماس، ولا الترتيبات الدولية أو الإقليمية قادرة على إنتاج واقع أمني جديد في غزة. لذلك يرى أن العودة إلى الحرب ليست خياراً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية، وأن “المنطقة الصفراء” يجب أن تتحول من إجراء مؤقت إلى حقيقة جيوسياسية دائمة، تُفرض بالقوة وتُدار بالزمن.
في لبنان، تتكرر المعادلة نفسها. نتنياهو لا يثق بالحكومة اللبنانية ولا بقدرتها على نزع سلاح حزب الله أو حتى ضبطه. لذلك يحاول إقناع ترامب بمنحه نافذة زمنية قصيرة، لا تتجاوز ثلاثة أسابيع، لشن حرب واسعة تفرض وقائع جديدة الشهر المقبل . بالنسبة له، أي رهان على الدولة اللبنانية هو رهان خاسر، وأي انتظار هو إضاعة فرصة.
ترامب، في المقابل، ينطلق من حساب مختلف. هو يريد إضعاف حماس وحزب الله إلى أقصى درجة ممكنة، لكنه لا يريد اقتلاعهما من المعادلات الداخلية. في الرؤية الأميركية، يمكن لهذين التنظيمين أن يبقيا جزءاً من النسيج السياسي والاجتماعي، شرط فقدان القدرة على احتكار القرار أو فرض الفيتو المسلح. هذا المنطق يعتبره نتنياهو سذاجة أميركية كلاسيكية متكررة، لأن ما لا يُهزم هزيمة كاملة يعود دائماً بصيغة أكثر تعقيداً وخطورة.
في سوريا، يظهر التناقض بوضوح أكبر. إرسال ترامب لتوم باراك لم يكن خطوة إجرائية، بل إعلان خطوط حمراء أميركية. واشنطن تراهن على الرئيس الشرع، حليفا لها ،وتريده أن ينجح كركيزة استقرار، تمهيداً لتثبيت الجبهتين السورية واللبنانية وعلى اسرائيل ان تعمل على هذا الاساس ، والدفع سريعاً نحو اتفاقيات أمنية تفتح الطريق أمام تطبيع العلاقات بين كل من سوريا ولبنان مع إسرائيل، وصولاً إلى اتفاقيات سلام أوسع.
هذا المسار يصطدم مباشرة برؤية نتنياهو. الرجل خرج من السابع من أكتوبر بقناعة راسخة أن حدود سايكس–بيكو لم تعد قائمة، وأن المنطقة دخلت مرحلة إعادة رسم الخرائط. من هنا يأتي إصراره على فرض مناطق عازلة في جنوب لبنان وجنوب سوريا، إلى جانب تكريس السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من قطاع غزة، باعتبار ذلك ترجمة عملية لتغير موازين القوة لا مجرد ترتيبات أمنية عابرة.
جوهر الأزمة أن ترامب يريد إغلاق الجبهات، بينما يحتاج نتنياهو إلى إبقائها مفتوحة، بل وفتح جبهات جديدة عند الضرورة. ترامب يرى في التهدئة التي تشمل ارضية لتوسيع "الاتفاقيات الإبراهيمية " طريقاً إلى نوبل، ونتنياهو يرى في الحرب ضمانة للبقاء في الحكم وتأجيل المحاسبة. وبين هذين الهدفين، تتحول العلاقة الثنائية نفسها إلى ساحة شدّ وجذب، يحكمها ميزان أوراق الضغط والتأثير، وربما الابتزاز المتبادل من لديه أوراق اقوى يتحكم باللعبة.فلا يكون مفاجئاً توقيت نشر فضائح في اميركا او تسريبات ضد نتنياهو في اسرائيل.
من هنا تكتسب قمة نهاية الشهر أهميتها. فهي ليست لقاء بروتوكولياً، بل لحظة اختبار حقيقي. إما أن ينجح نتنياهو في إقناع ترامب بالتخلي عن نهج الاحتواء، واختصار المراحل عبر إطلاق يده عسكرياً في غزة ولبنان وربما أبعد، وصولاً إلى إيران والعراق، وإما أن يضطر إلى ابتلاع القرار الأميركي، الذي يبدو، في هذه المرحلة، أكثر تحكماً بالقرار الإسرائيلي مما يرغب نتنياهو في الاعتراف به.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال إلى أين ستذهب هذه الصفقة، بل من منهما سينجح في تحويل الآخر من شريك اضطراري إلى أداة في معركة أكبر:فالتاريخ علّمنا أن أخطر الصفقات هي تلك التي تُعقد بين رجلين، أحدهما يريد إغلاق الملفات، والآخر لا يستطيع أن يعيش إلا إذا بقيت مفتوحة.