وصل البابا لاوون الرابع عشر، الأحد، إلى بيروت في زيارة تستمر 48 ساعة، حاملاً رسالة سلام إلى بلد يعيش واحدة من أسوأ أزماته منذ عقود، وسط تفاقم الهجرة وتعمّق الانقسام السياسي والطائفي.
وفي كلمته بالقصر الرئاسي بحضور مسؤولين لبنانيين ودبلوماسيين وشخصيات من المجتمع المدني، دعا البابا اللبنانيين إلى «شجاعة البقاء» في وطنهم رغم الظروف القاسية، مشدّدًا على أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق من دون مصالحة حقيقية تداوي جراح الماضي.
وقال الحبر الأعظم، البالغ 70 عاماً، إنّ «الهروب قد يبدو أسهل في لحظات كثيرة»، لكنه أكد أن البقاء أو العودة إلى الوطن «يتطلبان شجاعة وبصيرة»، مشيراً إلى أن عدم الاستقرار والعنف والفقر يدفعان أعدادًا متزايدة من الشباب إلى الهجرة بحثاً عن مستقبل آخر.
ويقدّر مركز "الدولية للمعلومات" أن أكثر من 800 ألف لبناني غادروا بين 2012 و2024، يشكّل الشباب 70% منهم.
وتوقّف البابا مطولاً عند الحاجة إلى مسار مصالحة طويل وصعب، معتبرًا أن جراح الحرب الأهلية وتراكمات السنوات اللاحقة «لا تزال حاضرة وتحتاج إلى جهد حقيقي لشفاء الذاكرة والتقارب بين من تعرضوا للظلم».
ورأى أنّ استمرار الانقسامات وغياب الثقة يعرقلان أي تقدم نحو سلام داخلي، في بلد يقوم نظامه السياسي على توازنات طائفية هشة زادتها الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل تعقيداً.
وأشاد البابا بقدرة اللبنانيين على الصمود والبدء من جديد رغم الانهيار الاقتصادي، والانفجار المدمر في مرفأ بيروت، وتداعيات الأزمات المتتالية. وقال مخاطباً المسؤولين إنّ «خدمة الناس والتقارب منهم» يجب أن تكون أولوية، مشيداً بدور المجتمع المدني الذي وصفه بأنه «نابض بالحياة».
وفي حديثه على متن الطائرة القادمة من إسطنبول، جدّد البابا دعم الفاتيكان لحل الدولتين باعتباره «الخيار الوحيد» لإنهاء النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، مشيراً إلى أنّ إسرائيل «لا تزال ترفضه»، لكنه شدّد على ضرورة الدفع في اتجاهه.
وذكر أنه بحث هذا الملف مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي «يؤيد الطرح بالكامل»، على حد تعبيره، لافتاً إلى الدور الذي يمكن لتركيا أن تلعبه في تسهيل العملية. وأكد أن الفاتيكان يحتفظ بعلاقات «صداقة» مع إسرائيل، ويعرض نفسه وسيطاً بين الطرفين، مجدداً تضامنه مع الفلسطينيين ورفضه لعمليات التهجير القسري.
من جانبه، رحّب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالبابا، قائلاً في كلمته: «لن نموت ولن نرحل ولن نيأس»، وداعيًا إلى الحفاظ على لبنان «نموذجًا للحياة الحرّة المتساوية» رغم كل التحديات.