وكالات - تراهن أسواق العملات على استمرار صعود الدولار الأميركي رغم التداعيات المحتملة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في 3 نوفمبر، إذ يرى مستثمرون أن أسعار الفائدة المرتفعة والإنفاق الضخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يوفران دعماً للعملة، حتى إذا أسفرت الانتخابات عن انقسام السيطرة على الكونغرس بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ويستعد المستثمرون لاحتمال أن تؤدي الانتخابات إلى حالة من الجمود في صنع السياسات، لا تصب عادة في مصلحة الدولار، خصوصاً مع مؤشرات على إمكانية فوز الديمقراطيين بالسيطرة على أحد مجلسي الكونغرس على الأقل.
ورغم هذه المخاوف، لامس مؤشر بلومبرغ للدولار الفوري أعلى مستوياته منذ مايو 2025 خلال أكتوبر، مدعوماً ببيانات تضخم جاءت أقوى من المتوقع. ويرى مديرو صناديق واستراتيجيون أن العوامل الأساسية الداعمة للعملة، وفي مقدمتها النمو الاقتصادي وأسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال، قد تظل مؤثرة بصرف النظر عن نتيجة الانتخابات.
الانتخابات وتأثيرها على الدولار
قال ناثان ثوفت، مدير المحافظ الأول لدى «مانولايف إنفستمنت مانجمنت»، إن نتائج الانتخابات قد تؤثر في معنويات المستثمرين على المدى القصير، لكنه حذر من المبالغة في تقدير تأثيرها طويل الأجل على الدولار، مشيراً إلى أن أسواق العملات تتأثر بالنمو الاقتصادي النسبي والتضخم وأسعار الفائدة وتدفقات رؤوس الأموال أكثر من تأثرها بالنتائج السياسية وحدها.
وأضاف أن انقسام السيطرة على الحكومة بين الحزبين قد يحد من التغييرات السياسية ويقلص حالة عدم اليقين، بما يوفر قدراً من الاستقرار للأسواق المالية، بما فيها سوق الدولار.
وتعكس أسواق عقود الخيارات هذه النظرة، إذ تشير العقود الأطول أجلاً إلى توقعات أكثر تفاؤلاً تجاه العملة الأميركية مقارنة بالعقود الأقصر أجلاً، بما يعكس استمرار الثقة في آفاقها طويلة الأمد رغم تقلب التوقعات قصيرة الأجل.
من جانبه، قال دانيال توبون، الاستراتيجي لدى «سيتي غروب»، إن نتائج الانتخابات النصفية السابقة تظهر ميل الدولار إلى التراجع بعد التصويت، خصوصاً عندما تؤدي النتائج إلى انقسام السيطرة على الحكومة، لكنه توقع أن يكون أي ضعف محتمل قصير الأمد بفعل عوامل اقتصادية أخرى داعمة للعملة.
الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وأسعار الفائدة
قد يتمكن الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون من عرقلة بعض الإنفاق الحكومي أو المبادرات خلال العامين المتبقيين من ولاية الرئيس دونالد ترمب، وهو ما قد يحد من النمو الاقتصادي. لكن قدرة الرئيس على استخدام حق النقض ضد التشريعات قد تقلص فرص فرض قيود تنظيمية جديدة، خصوصاً على قطاع الذكاء الاصطناعي.
وقال أليكس كوهين، الاستراتيجي لدى «بنك أوف أميركا»، إنه يتوقع ارتفاع الدولار خلال العام الجاري، مضيفاً أن أي تراجع للعملة نتيجة تعثر رهانات الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يمثل فرصة للمراهنة على تعافيها.
وفي المقابل، انخفض مؤشر الدولار بشكل طفيف بالتزامن مع تراجع مؤشر «ناسداك 100» بنحو 3%، بعدما أثارت نتائج أعمال مخيبة لشركات التكنولوجيا تساؤلات بشأن العوائد المتوقعة من الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
وحذر جورج سارافيلوس، الرئيس العالمي لاستراتيجية العملات الأجنبية لدى «دويتشه بنك»، من أن المخاطر المحيطة بالدولار أصبحت أكثر توازناً بين الصعود والهبوط مما تعكسه تسعيرات السوق، في حال تعرض الأسواق لتصحيح تقوده أسهم الذكاء الاصطناعي.
ويُعد الاحتياطي الفيدرالي أحد أبرز العوامل التي قد تدعم العملة الأميركية، إذ يراهن المستثمرون على استمرار السياسة النقدية المتشددة في مواجهة التضخم. وكان البنك المركزي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الأخير، فيما أشار رئيسه كيفن وارش إلى استعداد المسؤولين للتحرك.
رهانات المستثمرين على العملة الأميركية
ساهم رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات في سبتمبر الماضي في تعزيز الدولار، الذي سجل أفضل أداء شهري له منذ مارس، وأصبح على مسار تحقيق مكاسب للشهر الثاني على التوالي. وارتفعت العملة بنحو 1.6% منذ بداية 2026، ما دفع استراتيجيي «وول ستريت» إلى مراجعة توقعاتهم، ومن بينهم «مورغان ستانلي» الذي تراجع عن توقعاته السابقة بانخفاض الدولار خلال الفترة المتبقية من العام.
وقال ستيفن إنغلاندر، الرئيس العالمي لأبحاث عملات مجموعة العشر لدى البنك، إن الأسواق تتقبل احتمال وجود كونغرس منقسم أو أغلبية ديمقراطية محدودة لا تستطيع تجاوز حق النقض الرئاسي، مشيراً إلى أن استمرار قوة الدولار يرتبط بتوقعات بقاء التضخم منخفضاً وأسعار الفائدة الحقيقية مرتفعة.
وأظهرت بيانات لجنة تداول العقود المستقبلية للسلع الأميركية أن مديري الأصول والمتعاملين غير التجاريين احتفظوا برهانات على ارتفاع الدولار تقل قيمتها قليلاً عن 40 مليار دولار، وفقاً للبيانات حتى الأسبوع المنتهي في 20 أكتوبر، بعدما تبنوا نظرة إيجابية تجاه العملة منذ منتصف مارس الماضي.
لكن بعض المخاطر طويلة الأجل لا تزال قائمة. وترى كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي الأسواق لدى «مان غروب»، أن الطلب على الملاذات الآمنة قد يدعم الدولار إذا أثارت الانتخابات طعوناً أو اضطرابات، لكنها أقل تفاؤلاً بشأن آفاق العملة على المدى البعيد، في ظل مخاوف من تباطؤ الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي وتأثير ذلك في النمو الاقتصادي.
حرب إيران وأسعار النفط
استفاد الدولار أيضاً من التطورات الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط، التي زادت بنحو 80% خلال العام الجاري، وفقاً للنص، مع اضطراب تدفقات الطاقة بفعل حرب إيران، ما زاد الضغوط على عملات الدول المستوردة للنفط، ومنها الين الياباني واليورو. كما ساهم تدهور الأوضاع المالية العامة في فرنسا في زيادة الضغوط على العملة الأوروبية.
وكان ترمب قد قال في وقت سابق من أكتوبر إن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات نوفمبر، من دون استبعاد تكثيف الضربات العسكرية بعد التصويت.
وقال نوح بوفام، الاستراتيجي لدى «سي آي بي سي كابيتال ماركتس»، إن كيفية تعامل ترمب مع إيران بعد الانتخابات ستكون من العوامل المهمة لسوق العملات، مشيراً إلى أن توقعات تصعيد العمليات العسكرية بعد التصويت لا تحظى بقناعته الكاملة.
وأضاف أن محدودية التحرك العسكري الأميركي قد تدفع الدولار والنفط إلى التراجع معاً، بما يضع أحد أبرز مصادر الدعم الجيوسياسي للعملة الأميركية أمام اختبار جديد.







