ترجمات - أفرزت الانتخابات العامة الإسرائيلية التي جرت الثلاثاء 28 أكتوبر 2026 مشهدًا سياسيًا معقدًا، وضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام خيارات صعبة لتشكيل الحكومة المقبلة، بعدما تصدر حزب الليكود النتائج دون أن يتمكن مع حلفائه من تأمين الأغلبية البرلمانية اللازمة، في وقت تعرضت فيه أحزاب المعارضة، وكذلك الأحزاب اليمينية المتطرفة والحريدية المتحالفة معه، لخسائر متفاوتة.
وعلى الرغم من عدم تحقيق نتنياهو فوزًا حاسمًا يسمح له بتشكيل حكومة جديدة بسهولة، فإن نتائج التصويت منحته موقعًا سياسيًا متقدمًا مقارنة بمنافسيه، بعدما تراجعت فرص خصومه في تشكيل ائتلاف بديل قادر على تولي السلطة. وبذلك، بات رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام احتمالين رئيسيين، يتمثل أولهما في تشكيل حكومة واسعة من تيار يمين الوسط بمشاركة بعض أحزاب المعارضة، والثاني في استمرار حكومة تصريف الأعمال تمهيدًا لإجراء انتخابات جديدة.
الليكود يتصدر النتائج دون أغلبية
وأظهرت النتائج الأولية، بعد فرز أكثر من 90% من الأصوات، تراجع حزب الليكود بزعامة نتنياهو بنحو 10 مقاعد مقارنة بتمثيله في الكنيست السابق، لكنه احتفظ بالمركز الأول، مع توقع حصوله على 26 مقعدًا من أصل 120 مقعدًا في البرلمان الإسرائيلي.
وجاءت هذه النتيجة أفضل من توقعات عدد من استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات، رغم التداعيات السياسية والأمنية التي خلفها هجوم حركة حماس في 7 أكتوبر 2023 وما أعقبه من تطورات عسكرية وسياسية أثرت في المشهد الإسرائيلي.
وفي المقابل، سجلت الأحزاب اليمينية المتطرفة والأحزاب الدينية الحريدية نتائج متباينة، لكنها خسرت مجتمعة نحو خمسة مقاعد، لتستقر حصيلتها عند 27 مقعدًا. وبذلك، بلغ إجمالي مقاعد المعسكر الداعم لنتنياهو 53 مقعدًا، ليظل الكتلة الأكبر من حيث الحجم، لكنه يبتعد بستة مقاعد عن الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، والمحددة عند 61 مقعدًا.
ومن المنتظر أن يسهم استكمال فرز الأصوات المتبقية، المتوقع وصولها إلى نتائج نهائية يوم الجمعة، في تحديد التوزيع النهائي للمقاعد، وربما تقليص الفجوة التي تفصل معسكر نتنياهو عن الأغلبية، بما قد يفتح المجال أمامه لمحاولة استقطاب نواب من أحزاب المعارضة.
معسكر المعارضة يخفق في حسم المنافسة
في المقابل، تعرض حزب «يشار» بقيادة غادي آيزنكوت لانتكاسة انتخابية، بعدما حصل على 21 مقعدًا، وهي حصيلة جاءت دون التوقعات السابقة، كما أبقته بعيدًا عن حزب الليكود المتصدر.
ولم يتمكن شركاء آيزنكوت في المعارضة، الذين يمثلون اتجاهات سياسية مختلفة تمتد من اليسار إلى يمين الوسط، من تحقيق تقدم كافٍ يسمح لهم بتشكيل حكومة بديلة. وبحلول ظهر الأربعاء، بلغ مجموع مقاعد تحالف المعارضة نحو 48 مقعدًا، وهو عدد لا يوفر له المساحة البرلمانية اللازمة للوصول إلى الأغلبية.
وأضعفت هذه النتيجة الخيارات التي كانت المعارضة تدرسها قبل الانتخابات، ومن بينها تشكيل ائتلاف بمشاركة الأحزاب العربية أو الاعتماد على دعمها من خارج الحكومة لتشكيل حكومة أقلية.
لكن ضعف الحصيلة البرلمانية لتحالف آيزنكوت، إلى جانب تحفظات عدد من قياداته على التعاون مع الأحزاب التي يقودها العرب، جعل هذه السيناريوهات أقل واقعية، كما قلص فرص تشكيل حكومة برئاسته في المرحلة المقبلة.
الأحزاب العربية تحقق مكاسب انتخابية
وعلى الجانب الآخر، حققت الأحزاب العربية تقدمًا ملحوظًا في الانتخابات، مستفيدة من ارتفاع مشاركة الناخبين العرب، في ظل مخاوف من عودة ائتلاف يميني متطرف وديني إلى السلطة.
وارتفع تمثيل القائمة المشتركة من خمسة مقاعد في الكنيست السابق إلى 12 مقعدًا، فيما حصل حزب «رعام» بقيادة منصور عباس على سبعة مقاعد، بزيادة مقعدين عن تمثيله السابق.
ورغم هذا التقدم، فإن ضعف أداء معسكر المعارضة حال دون تحول المكاسب الانتخابية للأحزاب العربية إلى نفوذ مباشر في تشكيل الحكومة المقبلة، خاصة مع تراجع احتمالات التعاون بينها وبين آيزنكوت وشركائه.
ومع ذلك، قد تتمكن الأحزاب العربية، بالتنسيق مع معسكر آيزنكوت، من ممارسة تأثير مؤقت خلال المرحلة الانتقالية التي تسبق تشكيل الحكومة الجديدة أو الدعوة إلى انتخابات أخرى، إذ يمكن أن يصل مجموع مقاعد الطرفين إلى 67 مقعدًا، بما يمنحهما أغلبية برلمانية مؤقتة تتيح تمرير بعض التشريعات قبل انتهاء هذه المرحلة.
حكومة يمين الوسط.. السيناريو الأقرب سياسيًا
وتتركز الحسابات السياسية في إسرائيل حاليًا حول إمكانية تشكيل حكومة يمين وسط واسعة، تضم نتنياهو وبعض القوى المعارضة، مع استبعاد أحزاب اليمين المتطرف، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة في ظل استمرار تعثر المفاوضات.
وتبرز عدة عوامل قد تدفع باتجاه تشكيل حكومة ائتلافية موسعة، في مقدمتها موقف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي يمتلك دورًا محوريًا في مشاورات تكليف رئيس الحكومة، وأعلن تفضيله تشكيل حكومة مستقرة بدلًا من تكرار الانتخابات.
كما قد تؤثر الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب في مسار المشاورات، في ظل تقارير إعلامية تحدثت عن رغبة واشنطن في استبعاد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وربما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، من الحكومة الإسرائيلية المقبلة.
وتشير هذه التقارير إلى أن إدارة ترامب قد لا تكون مرتاحة لاستمرار نفوذ قادة اليمين المتطرف داخل الحكومة، بسبب مواقفهم من التطورات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وما تسببه سياساتهم من تعقيد للجهود الأمريكية الرامية إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي.
وكان بن غفير وسموتريتش قد لعبا دورًا مؤثرًا في الحكومة السابقة، من خلال تبني مواقف متشددة بشأن الفلسطينيين، وتصعيد الضغوط المتعلقة بالسياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، فضلًا عن معارضتهما بعض التوجهات المرتبطة بإعادة إعمار قطاع غزة.
نتنياهو بين الإرث السياسي والحفاظ على السلطة
وقد يجد نتنياهو في تشكيل حكومة يمين وسط فرصة لإعادة تقديم نفسه باعتباره قائدًا قادرًا على تجاوز الانقسامات السياسية، خاصة مع بلوغه 77 عامًا وامتلاكه سجلًا طويلًا في قيادة الحكومات الإسرائيلية على مدى نحو ثلاثة عقود.
ومن شأن هذا الخيار أن يتيح له التركيز على ملفات استراتيجية، من بينها توسيع اتفاقيات أبراهام، ودفع مسار تطبيع العلاقات مع السعودية، والحد من عنف المستوطنين في الضفة الغربية، والعمل على تحسين صورة إسرائيل ومكانتها الدولية بعد التدهور الذي شهدته خلال السنوات الماضية.
لكن هذا المسار يواجه عقبات كبيرة، في مقدمتها صعوبة تخلي نتنياهو عن حلفائه التقليديين من الأحزاب اليمينية المتطرفة والحريدية، الذين شكلوا الركيزة الأساسية لائتلافه الحكومي السابق.
كما أن تشكيل حكومة مع قوى المعارضة قد يؤدي إلى إضعاف قاعدته السياسية، ويعرضه لخطر فقدان حلفائه في أي انتخابات مقبلة، فضلًا عن حالة انعدام الثقة التي تسود بينه وبين عدد من قادة المعارضة، وعلى رأسهم آيزنكوت.
ويحتاج الطرفان، في حال الاتجاه إلى حكومة وحدة وطنية، إلى التوصل لاتفاق واضح بشأن توزيع الحقائب الوزارية وآلية إدارة الحكومة، وربما التناوب على منصب رئيس الوزراء.
وتظل تجربة الاتفاق الذي أبرمه نتنياهو مع بيني غانتس عام 2020 حاضرة في حسابات المعارضة، بعدما انهار الاتفاق قبل وصول غانتس إلى رئاسة الحكومة، وانتهت الأزمة بالدعوة إلى انتخابات جديدة، وهو ما يعزز مخاوف خصوم نتنياهو من تكرار السيناريو ذاته.
الانتخابات الجديدة.. خيار لا يستبعده نتنياهو
وفي حال فشل مفاوضات تشكيل حكومة يمين وسط، يبقى إجراء انتخابات جديدة أحد السيناريوهات المطروحة بقوة، رغم حالة الإرهاق السياسي التي شهدتها إسرائيل جراء سلسلة الانتخابات غير الحاسمة بين عامي 2019 و2021.
وقد لا يمثل هذا الخيار خسارة استراتيجية لنتنياهو، إذ يمكنه الاستمرار في إدارة حكومة تصريف أعمال إلى حين إجراء الانتخابات المقبلة، مع احتفاظه بهامش من الحركة في الملفات الأمنية والعسكرية، رغم القيود المرتبطة بصلاحيات الحكومات الانتقالية.
كما قد يسعى رئيس الوزراء إلى استثمار التطورات الأمنية والسياسة العسكرية لتعزيز شعبيته، مستفيدًا من حضوره في إدارة الملفات الخارجية والأمنية، وهو ما يثير مخاوف من إمكانية تصعيد المواجهة الإقليمية، بما في ذلك احتمال الدخول في جولة عسكرية جديدة مع إيران.
وفي مؤشر على تعقيد المشهد، أظهر استطلاع للرأي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية قبل الانتخابات أن أغلبية الإسرائيليين تفضل إجراء انتخابات جديدة على تشكيل حكومة مشتركة بين نتنياهو وآيزنكوت.
ويعكس ذلك حجم الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، ورغبة قطاعات من الناخبين في تغيير موازين القوى بدلًا من القبول بتسوية سياسية تجمع خصومًا لم يتمكنوا من تجاوز خلافاتهم.
مشهد سياسي مفتوح على مزيد من الانقسام
وتكشف نتائج انتخابات 28 أكتوبر 2026 عن صعوبة تشكيل حكومة مستقرة في إسرائيل، في ظل غياب أغلبية واضحة لأي من المعسكرين الرئيسيين، وتراجع فرص الأحزاب العربية في تحويل مكاسبها البرلمانية إلى مشاركة مؤثرة في السلطة.
وبينما يحتفظ نتنياهو بأفضلية نسبية باعتباره قائد الحزب الأكبر، فإن هذه الأفضلية لا تعني امتلاكه طريقًا مضمونًا لتشكيل الحكومة، خاصة مع تعقد علاقاته بحلفائه اليمينيين واحتمالات تعرضه لضغوط داخلية وخارجية لقبول حكومة أوسع.
وفي المقابل، لا يبدو معسكر المعارضة قادرًا على تقديم بديل متماسك في الوقت الراهن، ما يجعل المشهد السياسي مرشحًا لمزيد من المفاوضات والتجاذبات، أو العودة إلى صناديق الاقتراع.
وبذلك، لا تعكس الانتخابات مجرد تراجع في شعبية بعض الأحزاب، بل تكشف عن انقسام سياسي ومجتمعي عميق، قد يجعل تشكيل حكومة مستقرة مهمة شاقة، حتى مع انتهاء عملية فرز الأصوات وإعلان النتائج النهائية.







