تل أبيب - في مقال رأي نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، حذّر الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين، الباحث الأول في مركز دايان بجامعة تل أبيب، من أن إسرائيل تواجه مسارًا متزايد الخطورة على الصعيد الدولي، في ظل السياسات المتبعة في الضفة الغربية وتصاعد التوترات المرتبطة بالاستيطان والصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
وجاء المقال بعد مقابلة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تحدث فيها عن ضرورة استعداد الإسرائيليين لاحتمال فرض عقوبات مصرفية دولية، وعن الحاجة إلى تطوير وسائل للالتفاف عليها، بما في ذلك استخدام العملات المشفرة، على غرار ما تلجأ إليه دول تواجه عزلة دولية.
ويرى ميلشتاين أن النقاش الإسرائيلي انشغل بالتحذير من العقوبات وتداعياتها الاقتصادية، من دون التطرق بالقدر نفسه إلى الأسباب التي قد تقود إلى فرضها، أو إلى السياسات التي يمكن أن تدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في علاقتها بإسرائيل.
ويعتبر الباحث أن فهم هذه المخاطر يبدأ من الضفة الغربية، حيث يرى أن التوسع الاستيطاني التدريجي، وإضعاف السلطة الفلسطينية، ورفض مناقشة تسوية سياسية، إلى جانب تصاعد العنف الذي يمارسه مستوطنون، تشكل عوامل أساسية في تراجع مكانة إسرائيل الدولية.
وتبقى هذه القراءة تقييمًا سياسيًا يطرحه ميلشتاين، لكنها تسلط الضوء على نقاش داخل إسرائيل بشأن العلاقة بين السياسات المتبعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ومستقبل العلاقات الخارجية والاقتصادية للدولة.
«ثورة الاستيطان».. مشروع أيديولوجي يتجاوز الإجماع الإسرائيلي
يركز ميلشتاين على ما يسميه «ثورة الاستيطان»، معتبرًا أنها ليست مشروعًا وطنيًا يحظى بإجماع المجتمع الإسرائيلي، بل مشروع أيديولوجي تقوده أقلية ذات دوافع دينية وقومية، وتفرض رؤيتها على قطاعات أوسع من المجتمع.
ويربط الباحث هذا التوجه بالسياسات التي يدعمها وزير المالية والوزير المسؤول عن شؤون مدنية في وزارة الأمن بتسلئيل سموتريتش، الذي يتبنى توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وبحسب ميلشتاين، يحاول أنصار المشروع تقديمه باعتباره ضرورة أمنية ووطنية، مستندين إلى تداعيات هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإلى اعتقادهم بأن السيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية تمثل ضمانة للأمن الإسرائيلي.
لكنه يرى أن هذه الحجج لا تفسر، في نظره، الدوافع الأعمق للمشروع، الذي يتجاوز السيطرة على الأرض إلى إعادة تشكيل هوية الدولة ومؤسساتها، وتعزيز مكانة التيار الديني القومي في رسم السياسات الأمنية والسياسية.
ويشير المقال إلى أن قطاعات واسعة من الإسرائيليين لا تتابع بصورة مباشرة ما يجري في الضفة الغربية، الأمر الذي يجعل النقاش العام حول الاستيطان وتبعاته محدودًا مقارنة بتأثير القرارات المتخذة على الأرض.
ومن وجهة نظر ميلشتاين، فإن غياب النقاش المجتمعي الواسع لا يغير من حقيقة أن نتائج هذه السياسات قد تمتد إلى الاقتصاد والعلاقات الدولية ومستقبل النظام السياسي الإسرائيلي.
تصاعد عنف المستوطنين يفاقم الأزمة
يخصص الباحث جانبًا من مقاله لظاهرة عنف المستوطنين في الضفة الغربية، معتبرًا أنها لم تعد قضية منفصلة عن مشروع الاستيطان، بل أصبحت جزءًا من تداعياته السياسية والأمنية والأخلاقية.
وينتقد ميلشتاين ما يصفه بمحاولات بعض القيادات الاستيطانية الفصل بين مشروع توسيع المستوطنات وبين أعمال العنف التي يرتكبها شبان المستوطنات والبؤر الاستيطانية غير القانونية، مشيرًا إلى أن هذه القيادات تشعر بالقلق من تأثير تلك الأعمال في صورة المشروع وفرص توسيع السيطرة الإسرائيلية.
ويرى أن هذا الفصل لا يعكس، في تقديره، الواقع على الأرض؛ فالتوسع في الاستيطان والسيطرة المباشرة والممتدة على الفلسطينيين، مع استمرار حرمانهم من حقوق سياسية متساوية، قد يؤدي إلى تصاعد الاحتكاك والعنف.
ويحذر المقال من أن التوسع الاستيطاني غير القانوني، إلى جانب الاعتداءات على الفلسطينيين، قد يفاقم الانقسامات داخل إسرائيل، ويزيد الضغوط الدولية عليها، ويعرقل فرص تطبيع العلاقات مع دول المنطقة.
كما يشير إلى أن السياسات التي تتضمن تهجير الفلسطينيين أو نقلهم قسرًا قد تضع إسرائيل أمام انتقادات قانونية وسياسية متزايدة، فضلًا عن انعكاساتها على علاقاتها مع الدول التي تربطها بها اتفاقيات دبلوماسية أو أمنية.
من الضم التدريجي إلى مستقبل السلطة الفلسطينية
يرى ميلشتاين أن المسار الحالي في الضفة الغربية يتجه نحو فرض سيادة إسرائيلية أوسع على المنطقة، بما قد يؤدي إلى إضعاف السلطة الفلسطينية أو تقويض قدرتها على الاستمرار في أداء وظائفها.
ويحذر من أن تطبيق هذا النهج قد يضع إسرائيل أمام واقع تتحمل فيه مسؤولية السيطرة على ملايين الفلسطينيين من دون منحهم حقوقًا سياسية متساوية، وهو ما يثير، بحسب المقال، أسئلة جوهرية بشأن طبيعة الدولة التي تسعى الحكومة الحالية إلى بنائها.
ويعتبر الباحث أن تبعات هذا المسار لا تقتصر على الجانب الفلسطيني، بل قد تمتد إلى بنية النظام السياسي الإسرائيلي نفسه، مع تزايد نفوذ التيارات الدينية والقومية المتشددة في القرارات المتعلقة بالأمن والحكم والعلاقات الخارجية.
كما يرى أن الاعتماد المتزايد على خطاب ديني يربط السيطرة على الأراضي بتصورات خلاصية وتاريخية قد يقلص مساحة النقاش الاستراتيجي، ويجعل الاعتراض على السياسات الحكومية يُقدَّم باعتباره معارضة للمشروع الوطني أو الديني.
وبحسب ميلشتاين، فإن هذا المناخ قد يفاقم الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصًا إذا جرى التعامل مع المعارضين السياسيين باعتبارهم خصومًا للهوية الوطنية، بدلًا من اعتبار الخلاف حول السياسات جزءًا من الحياة الديمقراطية.
تحذير من تدهور العلاقات مع واشنطن ودول المنطقة
يضع المقال مستقبل العلاقات الدولية لإسرائيل في صلب التحذيرات، معتبرًا أن استمرار التوسع الاستيطاني والعنف وغياب التسوية السياسية قد يؤدي إلى اتساع دائرة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية.
ويشير ميلشتاين إلى أن إسرائيل قد تواجه صعوبات متزايدة في الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة إذا استمرت السياسات التي تتعارض مع أولويات واشنطن الإقليمية، خصوصًا في ملفات الضفة الغربية وغزة والتطبيع مع الدول العربية.
كما يرى أن مشروع الاستيطان قد يعرقل فرص التوصل إلى اتفاقات إقليمية جديدة، ويهدد العلاقات القائمة مع الدول التي تربطها بإسرائيل اتفاقيات سلام أو تفاهمات سياسية وأمنية.
ويحذر الباحث من أن أي عزلة دولية محتملة لن تكون مجرد أزمة دبلوماسية، بل قد تتحول إلى ضغوط اقتصادية تشمل العقوبات والقيود المالية، بما ينعكس على النشاط التجاري والاستثماري وعلى ثقة المؤسسات الدولية بإسرائيل.
ومع ذلك، فإن الحديث عن عقوبات مصرفية واسعة أو تدهور شامل في العلاقات الدولية يظل في إطار السيناريوهات والتحذيرات التي يناقشها المقال، وليس إعلانًا عن قرارات دولية اتُّخذت بالفعل.
تصريحات نتنياهو وسموتريتش تثير مخاوف من تصعيد جديد
ويتوقف ميلشتاين عند الخطاب السياسي والأمني الذي أعقب هجومًا قرب الخليل أسفر، بحسب النص الذي يستند إليه المقال، عن مقتل جنديين إسرائيليين.
فقد أعلن نتنياهو ضرورة تنفيذ عملية عسكرية واسعة في مدينة الخليل وإخلاء مناطق فلسطينية، فيما يواصل سموتريتش، وفق قراءة الباحث، الدفع نحو سياسات تستهدف إضعاف السلطة الفلسطينية أو إنهاء دورها.
ويرى ميلشتاين أن مثل هذه التصريحات قد تعكس خطر توظيف الأزمات الأمنية لتسريع خطوات سياسية وأيديولوجية في الضفة الغربية، خصوصًا في الفترة المحيطة بالانتخابات.
كما يشكك في بعض التصريحات الإسرائيلية بشأن احتمال تحرك واسع من جانب السلطة الفلسطينية، معتبرًا أن هذه التحذيرات لا تستند بالضرورة إلى أساس استخباراتي واضح، وقد تُستخدم لتبرير إجراءات أمنية إضافية.
ويحذر المقال من أن الجمع بين التصعيد العسكري والقرارات الرامية إلى توسيع السيطرة الإسرائيلية قد يفاقم التوتر على الأرض، ويزيد صعوبة استعادة مسار سياسي قابل للاستمرار.
الانتخابات الإسرائيلية.. اختبار لهوية الدولة
يعتبر ميلشتاين أن الانتخابات الإسرائيلية تمثل لحظة مفصلية لا تقتصر أهميتها على توزيع المقاعد أو تحديد هوية رئيس الحكومة المقبل، بل تمتد إلى طبيعة الدولة ومسارها في السنوات القادمة.
فالسؤال، وفق المقال، لا يتعلق فقط بما إذا كان الائتلاف الحالي سيحتفظ بالسلطة، بل أيضًا بما إذا كانت الحكومة المقبلة ستواصل نهج التوسع الاستيطاني والتشدد الديني والقومي، أم ستتبنى مقاربة مختلفة في التعامل مع الفلسطينيين والعلاقات الدولية.
ويرى الباحث أن تزايد التشكيك في شرعية المعارضين السياسيين، وربط السياسات الحكومية بمفاهيم دينية مطلقة، قد يهددان القدرة على إجراء نقاش عام متوازن بشأن الأمن والمستقبل السياسي.
ويحذر من أن تصوير الخيارات السياسية المختلفة على أنها عائق أمام تحقيق غايات دينية أو تاريخية قد يعمق الاستقطاب، ويزيد احتمالات الصدام الداخلي.
ويشير المقال إلى أن نتائج الانتخابات وحدها لن تحسم كل هذه القضايا، لكنها قد تحدد الإطار السياسي الذي ستُدار من خلاله ملفات الاستيطان والسلطة الفلسطينية والعلاقات مع واشنطن ودول المنطقة.
ميلشتاين يدعو إلى مراجعة استراتيجية وسياسية
في ختام مقاله، يطرح ميلشتاين تصورًا بديلًا لمستقبل إسرائيل، يقوم على الجمع بين القوة العسكرية والاعتراف بحدود استخدامها، بدلًا من اعتماد القوة بوصفها أداة دائمة لحل الأزمات.
ويرى أن الدولة القادرة على حماية أمنها تحتاج أيضًا إلى استراتيجية سياسية واضحة، وإلى نقاش جاد بشأن علاقتها بالفلسطينيين وبالعالم، بدلًا من رفض التسويات أو التعامل مع الانتقادات الخارجية باعتبارها تهديدًا وجوديًا.
كما ينتقد ما يصفه بتقديس «العدوانية» في الخطاب السياسي الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، معتبرًا أن الاستفادة من دروس الهجمات لا ينبغي أن تعني إلغاء الحسابات الاستراتيجية أو تجاهل التكاليف الدولية والاقتصادية.
ويؤكد المقال أن مستقبل إسرائيل لا يتوقف على نتائج الانتخابات وحدها، بل على القرارات التي ستتخذها قيادتها بشأن الضفة الغربية، وعلى قدرتها على تجنب مسار يؤدي إلى تصاعد العنف والعزلة وتفاقم الانقسامات الداخلية.
وفي المحصلة، يضع ميلشتاين الضفة الغربية في قلب النقاش حول مستقبل إسرائيل، محذرًا من أن تحويل الاستيطان إلى مشروع مهيمن على السياسة والهوية قد يترك تداعيات تتجاوز الأراضي الفلسطينية، لتطال مكانة الدولة الدولية وعلاقاتها الإقليمية وتماسك مجتمعها.







