وكالات - كشف تحقيق لوكالة «رويترز» أن مسؤولين بارزين في وزارة الخارجية الأميركية قادا، وفق إفادات مصادر مطلعة، تحركات من وراء الكواليس استهدفت التأثير في المشهد السياسي البرازيلي، بما يخدم عودة عائلة بولسونارو اليمينية إلى السلطة، ويضعف موقف الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ويعزز فرص منافسه السيناتور فلافيو بولسونارو.
واستند التحقيق إلى شهادات عشرة مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين قالوا إن لديهم معرفة مباشرة بالتحركات محل التقرير، التي تضمنت فرض عقوبات على مسؤولين برازيليين، واتخاذ إجراءات دبلوماسية وتجارية، والسعي إلى تصنيف عصابات إجرامية كبرى منظمات إرهابية.
وتأتي هذه التحركات، بحسب التقرير، بالتزامن مع منافسة انتخابية بين فلافيو بولسونارو ولولا دا سيلفا، في ظل مخاوف من استخدام أدوات السياسة الخارجية الأميركية للتأثير في خيارات الناخبين البرازيليين.
وحدد التحقيق المسؤولين المعنيين بأنهما دارين بيتي، المستشار الأول لشؤون نصف الكرة الغربي والمشرف على السياسة الأميركية تجاه البرازيل، وريكاردو بيتا، الذي رُقّي خلال العام الجاري إلى منصب نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون أميركا الشمالية.
وبحسب المصادر التي تحدثت إلى «رويترز»، أبلغ المسؤولان دبلوماسيين أميركيين في البرازيل، قبل انطلاق الحملات الانتخابية، بأن توجه الإدارة يتمثل في إعادة الرئيس البرازيلي السابق جايير بولسونارو إلى السلطة.
وكان بولسونارو الأب قد مُنع من تولي المناصب العامة عقب إدانته بتدبير محاولة انقلاب أعقبت خسارته انتخابات عام 2022 أمام لولا دا سيلفا. وبعد صدور حكم بسجنه 27 عاماً في سبتمبر/أيلول 2025، تحولت التحركات، وفق التحقيق، إلى دعم ترشح ابنه فلافيو.
وأشار التقرير إلى أن موظفي السفارة الأميركية تلقوا توجيهات بعدم التواصل مع مرشحين محافظين آخرين قد ينافسون فلافيو بولسونارو، في خطوة عكست، بحسب المصادر، تفضيل واشنطن التعامل معه بوصفه المرشح المحافظ الذي ينبغي دعمه.
عقوبات على القاضي ألكسندر دي مورايس
تُعد العقوبات الأميركية المفروضة على قاضي المحكمة العليا البرازيلية ألكسندر دي مورايس من أبرز الملفات التي تناولها التحقيق، إذ كان القاضي قد قاد تحقيقات مرتبطة بالرئيس السابق جايير بولسونارو ومناصريه.
ووفق «رويترز»، استجاب دارين بيتي لضغوط مارستها عائلة بولسونارو منذ عام 2024، وتواصل مع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي قبل فرض عقوبات على دي مورايس في يوليو/تموز 2025 بموجب قانون «ماغنيتسكي».
واستندت العقوبات، بحسب ما أُعلن حينها، إلى اتهامات تتعلق بانتهاك حرية التعبير وممارسة الرقابة. لكن دي مورايس رفض هذه الاتهامات، مؤكداً أن إجراءاته تستهدف إزالة الأخبار الكاذبة التي تقوض المؤسسات الديمقراطية في البرازيل.
ويضع التحقيق هذه الخطوة في سياق أوسع من الخلافات بين عائلة بولسونارو والسلطات القضائية البرازيلية، إذ يرى أن العقوبات لم تكن مجرد إجراء منفصل، بل جزءاً من تحركات سياسية ودبلوماسية كان من شأنها زيادة الضغط على المؤسسات التي اتخذت إجراءات ضد الرئيس السابق.
وفي تطور لاحق، رُفع اسم دي مورايس من قائمة العقوبات الأميركية في ديسمبر/كانون الأول 2025، من دون إعلان تفسير رسمي، وفق التقرير.
كما منعت السلطات البرازيلية بيتي من دخول أراضي البلاد في مارس/آذار 2026، بعدما كان يعتزم زيارة بولسونارو في السجن، في خطوة أضافت بعداً جديداً إلى التوتر بين الجانبين.
ملف العصابات الإجرامية يتحول إلى محور ضغط سياسي
تناول التحقيق كذلك مساعي عائلة بولسونارو لدفع واشنطن إلى تصنيف عصابتي «بريميرو كوماندو دا كابيتال» و«كوماندو فيرميلهو»، وهما من أكبر التنظيمات الإجرامية في البرازيل، منظمتين إرهابيتين.
وبحسب التقرير، رأت أطراف مرتبطة بهذه المساعي أن التصنيف قد يزيد الضغوط السياسية على حكومة لولا دا سيلفا في ملف مكافحة الجريمة المنظمة، وهو من الملفات الحساسة لدى الرأي العام البرازيلي.
وفي مايو/أيار 2025، زار ريكاردو بيتا العاصمة برازيليا برفقة مسؤول العقوبات ديفيد غامبل، والتقيا جايير بولسونارو، الذي كان ينتظر محاكمته آنذاك.
وفي مايو/أيار 2026، التقى فلافيو بولسونارو في واشنطن بدارين بيتي ونائب وزير الخارجية كريستوفر لاندو. وفي اليوم التالي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تصنيف العصابتين منظمتين إرهابيتين أجنبيتين.
ويربط تحقيق «رويترز» بين هذه اللقاءات وتوقيت إعلان التصنيف، معتبراً أن تسلسل الأحداث يثير تساؤلات بشأن احتمال توظيف إجراءات مكافحة الجريمة المنظمة في سياق التنافس السياسي البرازيلي.
ومع ذلك، فإن التصنيف الأميركي، وفق الموقف الرسمي الذي نقلته الوزارة، يندرج ضمن جهود مكافحة المخدرات وحماية الأمن. وتتمحور المسألة التي يثيرها التحقيق حول ما إذا كانت هذه الإجراءات قد استُخدمت أيضاً لخدمة أهداف سياسية تتجاوز مبرراتها المعلنة.
رسوم جمركية بنسبة 50% وإلغاء تأشيرات قضاة برازيليين
لم تقتصر الإجراءات الأميركية على العقوبات والتصنيفات الأمنية، بل شملت كذلك تدابير أُعلن عنها في يوليو/تموز 2025، من بينها إلغاء تأشيرات ثمانية قضاة برازيليين وفرض رسوم جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية.
وبحسب التحقيق، جاءت هذه الخطوات في سياق ضغوط أميركية على حكومة لولا، وسط خلافات تتعلق بالتعامل مع جايير بولسونارو ومسار الإجراءات القضائية بحقه.
لكن محللين سياسيين أشاروا إلى أن الرسوم الجمركية جاءت بنتائج عكسية، إذ ساهمت في ارتفاع مستويات التأييد لحكومة لولا بدلاً من إضعافها، وفق ما أورده التقرير.
وأدى الضغط الذي مارسته شركات كبرى، بينها شركة «جي بي إس» المملوكة لرجلي الأعمال ويسلي وجوسلي باتيستا، إلى دفع واشنطن لاحقاً نحو تخفيف بعض الرسوم.
وتوضح هذه التطورات أن الأدوات التجارية، رغم قدرتها على إحداث ضغط اقتصادي، قد تؤدي إلى نتائج سياسية غير مقصودة، خصوصاً عندما يُنظر إليها باعتبارها تدخلاً خارجياً في شؤون دولة أخرى.
كما تكشف التراجعات اللاحقة في بعض الإجراءات عن صعوبة تحويل الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية إلى مكاسب سياسية مضمونة، في ظل استجابة الرأي العام البرازيلي وحسابات الشركات المتضررة.
انتقادات داخل وزارة الخارجية الأميركية
أثارت التحركات المنسوبة إلى المسؤولين الأميركيين انتقادات من مسؤولين سابقين في وزارة الخارجية، بينهم أورنا بلوم، التي ترأست مكتب البرازيل والمخروط الجنوبي قبل استقالتها العام الماضي احتجاجاً على سياسات الرئيس دونالد ترامب.
وانتقدت بلوم استخدام أدوات السياسة الخارجية الأميركية للضغط على نظام ديمقراطي آخر بشأن مصير حليف سياسي، معتبرة أن هذا النهج يتجاوز الحدود الفاصلة بين العمل الدبلوماسي والتدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ويعيد هذا الجدل طرح أسئلة بشأن حدود استخدام العقوبات والتأشيرات والرسوم التجارية في العلاقات الدولية، ولا سيما عندما تتزامن هذه الإجراءات مع منافسة انتخابية داخل الدولة المستهدفة.
وأشار التحقيق إلى أن بيتي، وهو كاتب خطابات سابق في البيت الأبيض فُصل عام 2018 بعد مشاركته في فعالية للقوميين البيض، ارتبط بتوجهات سياسية يمينية، كما عُرف بدوره في صياغة سياسة «دبلوماسية حرية التعبير».
أما بيتا، فيُعد، وفق التقرير، قريباً من الدائرة المتشددة المحيطة بوزير الخارجية ماركو روبيو بشأن قضايا أميركا اللاتينية.
وتعكس هذه الخلفيات، بحسب التحقيق، أهمية التوجهات السياسية لبعض المسؤولين في فهم مسار التعامل الأميركي مع البرازيل، لكنها لا تمثل بحد ذاتها دليلاً مستقلاً على دوافع كل إجراء اتُخذ.
واشنطن تنفي التدخل وتتمسك بمبررات الأمن
في ردها على أسئلة «رويترز»، أحال البيت الأبيض الاستفسارات إلى وزارة الخارجية الأميركية.
وقال المتحدث باسم الوزارة تومي بيغوت إن الإجراءات الأميركية تستهدف حماية حقوق الأميركيين وحياتهم ومكافحة تهريب المخدرات، مؤكداً في الوقت نفسه حق الشعب البرازيلي في اختيار قيادته من خلال انتخابات حرة ونزيهة.
ويمثل هذا الموقف الرواية الرسمية الأميركية في مواجهة التساؤلات التي أثارها التحقيق بشأن الدوافع السياسية المحتملة وراء العقوبات والإجراءات الدبلوماسية والتجارية.
وفي المقابل، يستند التقرير إلى إفادات مسؤولين أميركيين حاليين وسابقين قالوا إن لديهم معرفة مباشرة بالتحركات، ليطرح احتمال أن تكون الأدوات الرسمية قد استُخدمت لدعم طرف سياسي برازيلي على حساب آخر.
وتبقى المسافة بين المبررات الرسمية والإفادات التي أوردها التحقيق محوراً أساسياً في الجدل بشأن طبيعة السياسة الأميركية تجاه البرازيل وحدود تأثيرها في العملية الانتخابية.
ترامب يشيد بنتيجة فلافيو بولسونارو في الجولة الأولى
ورغم أن محللين رجحوا أن يتجنب ترامب إعلان تأييد صريح لفلافيو بولسونارو، خشية أن يبدو متدخلاً بصورة مباشرة في الانتخابات البرازيلية، فإن الرئيس الأميركي وصف تقدم السيناتور في الجولة الأولى بأنه «انتصار كبير جداً ومذهل حقاً».
ويشير هذا التصريح، إلى جانب التحركات التي أوردها التحقيق، إلى استمرار الاهتمام الأميركي بمسار المنافسة السياسية في البرازيل، وإن لم يكن التصريح وحده دليلاً على وجود توجيه رسمي للتصويت لمصلحة مرشح بعينه.
وتكتسب هذه المنافسة أهمية تتجاوز العلاقة بين واشنطن وبرازيليا، نظراً إلى ما تثيره من نقاش حول سيادة الدول، واستقلال المؤسسات القضائية، وحدود استخدام النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي خلال الانتخابات.
أسئلة حول السيادة وحدود النفوذ الأميركي
يخلص تحقيق «رويترز» إلى أن التحركات المنسوبة إلى مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية تكشف عن احتمال توظيف العقوبات والأدوات الدبلوماسية والتجارية للتأثير في المشهد السياسي البرازيلي، في وقت تتنافس فيه عائلة بولسونارو والرئيس لولا دا سيلفا على قيادة البلاد.
ويستند التحقيق إلى سلسلة من الوقائع، تشمل العقوبات المفروضة على القاضي ألكسندر دي مورايس، والرسوم الجمركية، وإلغاء تأشيرات قضاة برازيليين، وتصنيف عصابتين إجراميتين منظمتين إرهابيتين، إلى جانب لقاءات بين مسؤولين أميركيين وأفراد من عائلة بولسونارو.
وفي المقابل، تؤكد واشنطن أن إجراءاتها ترتبط بالأمن ومكافحة المخدرات، وتعلن دعمها لحق البرازيليين في اختيار قيادتهم بحرية.
وبين الرواية الرسمية الأميركية والإفادات التي أوردها التحقيق، يبقى الجدل قائماً حول ما إذا كانت هذه الإجراءات قد تجاوزت أهدافها المعلنة، وحول مدى تأثير النفوذ الخارجي في المنافسة السياسية البرازيلية واستقلال قرارها الوطني.







