وكالات - اندلعت اشتباكات عنيفة في العاصمة الألبانية تيرانا، السبت، بين محتجين يطالبون باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما وقوات الشرطة، بعدما أقدم متظاهرون على رشق عناصر الأمن بالحجارة وإضرام النيران، فيما ردت الشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع ومدافع المياه والرصاص المطاطي.
وتشهد العاصمة احتجاجات متواصلة يقودها طلاب منذ نحو أسبوعين، ضمن حركة بدأت قبل أشهر رفضاً لخطط إنشاء منتجع ساحلي فاخر في ألبانيا، إحدى دول منطقة البلقان التي تُعد من أفقر دول أوروبا، وفق ما أوردته وكالة «بلومبرغ».
وشهد احتجاج السبت مشاركة أعداد أكبر من المتظاهرين، مع انضمام أساتذة جامعيين ومعلمين وسياسيين من المعارضة وشخصيات عامة إلى الطلاب، في مؤشر على اتساع قاعدة الحركة الاحتجاجية وتجاوزها نطاق الاعتراضات الطلابية والبيئية الأولية.
وتركزت المواجهات في الشارع الرئيسي بالعاصمة، حيث اقتلع محتجون أحجاراً من الأرصفة وألقوا بها على أفراد الشرطة، فيما أُضرمت النيران في حاويات القمامة، وامتدت الاشتباكات إلى مناطق أخرى من تيرانا.
من احتجاج بيئي إلى مطالب برحيل الحكومة
بدأت الحركة الاحتجاجية قبل نحو خمسة أشهر، اعتراضاً على خطط إنشاء منتجع فاخر مرتبط بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بالقرب من منطقة أراضٍ رطبة محمية تشتهر بطيور الفلامنجو.
وانطلقت التحركات في إطار احتجاجات بيئية اتسمت إلى حد كبير بالسلمية، لكن مطالبها اتسعت مع مرور الوقت لتشمل قضايا التعليم والسكن وتكاليف المعيشة والفرص الاقتصادية، إلى جانب المطالبة بالتغيير السياسي ومحاسبة المسؤولين.
ومع استمرار الاحتجاجات من دون تحقيق النتائج التي يطالب بها المشاركون، انضم طلاب الجامعات والمدارس الثانوية إلى التحركات مع بداية العام الدراسي، لتتحول الحركة إلى حملة أوسع ضد حكومة راما.
وتزامن ذلك مع تصاعد الغضب بشأن غياب المساءلة السياسية، خصوصاً في ظل تحقيقات فساد طالت عدداً من أقرب حلفاء رئيس الوزراء، بينهم نائبه، وفق المعلومات الواردة في التقارير.
راما يتعهد بمعالجة المخاوف ويحذر من إجراءات أمنية
وقبيل احتجاجات السبت، قال رئيس الوزراء إيدي راما إن حكومته تستعد لاتخاذ إجراءات لمعالجة المخاوف المتعلقة بتكاليف المعيشة والسكن والفرص الاقتصادية، وهي قضايا تتردد في حركة الاحتجاجات الحالية.
وحذر راما، البالغ 62 عاماً، والذي انتُخب لولاية رابعة العام الماضي، من اتخاذ تدابير أمنية جديدة بحق المتورطين في أعمال العنف، متهماً جماعات الجريمة المنظمة وجهات أجنبية باستغلال الاحتجاجات، على حد قوله.
وقال راما في كلمة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر فيها إلى جانب وزير الداخلية إرفين ديمو: «عندما نؤكد استعدادنا للحوار، فإن الإصرار على مواصلة الاحتجاج لا يبدو منطقياً».
وتعكس تصريحات رئيس الوزراء محاولة لاحتواء المطالب المعيشية عبر إجراءات حكومية، بالتزامن مع التشديد على التعامل الأمني مع أعمال العنف. لكن استمرار الاحتجاجات واتساع المشاركة فيها يشيران إلى أن الخلاف يتجاوز المطالب المرتبطة بمشروع المنتجع الساحلي وحده.
أضرار بمبانٍ حكومية ومؤسسات تجارية
أدت الاضطرابات الأخيرة إلى اندلاع بعض من أسوأ أعمال العنف التي شهدتها شوارع تيرانا خلال عقد، وأسفرت عن إصابة مئات الأشخاص وإلحاق أضرار بمبانٍ حكومية ومؤسسات تجارية.
وقدرت سلطات الضرائب الألبانية أن الأضرار طالت 127 منشأة تجارية، فيما بلغت قيمة الخسائر الإجمالية نحو 2.15 مليون يورو، أي ما يعادل قرابة 2.4 مليون دولار.
وتبرز هذه الأرقام حجم التداعيات الاقتصادية للاشتباكات، التي لم تقتصر على المواجهات بين المحتجين والشرطة، بل امتدت إلى الممتلكات والمنشآت التجارية.
وفي هذا السياق، قال وزير الداخلية إرفين ديمو إن الشرطة تراجع تسجيلات مصورة، تشمل مقاطع منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي وتسجيلات كاميرات المراقبة، بهدف تحديد هويات المحتجين المتورطين في أعمال العنف.
وتأتي عمليات المراجعة في وقت تواجه فيه السلطات تحدياً مزدوجاً يتمثل في احتواء المواجهات ومنع تكرار الأضرار، مع التعامل مع مطالب احتجاجية تتصل بالأوضاع الاقتصادية والسياسية والبيئية.
مشروع المنتجع يثير خلافاً بشأن البيئة والاستثمار
يمثل مشروع المنتجع الساحلي أحد المحاور الرئيسية للحركة الاحتجاجية، إذ يرفض معارضوه خطط تطويره بالقرب من منطقة أراضٍ رطبة محمية تشتهر بطيور الفلامنجو، خشية تأثير المشروع في البيئة الطبيعية للمنطقة.
ومع ارتباط المشروع بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اكتسب الخلاف بعداً سياسياً إضافياً، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الموجهة إلى الحكومة بشأن المساءلة والشفافية.
وبدأت الاحتجاجات باعتبارها تحركاً بيئياً، لكنها تحولت تدريجياً إلى منصة أوسع للتعبير عن الاستياء من قضايا تشمل فرص العمل والتعليم وتكاليف المعيشة والسكن، فضلاً عن المطالبة بتغيير سياسي.
ويعكس هذا التحول تداخل الاعتراضات على المشروعات الاستثمارية مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً عندما يرى المحتجون أن القرارات الحكومية لا تستجيب لمخاوف السكان أو لا توفر ضمانات كافية لحماية المصالح العامة.
تصاعد الضغوط على حكومة راما
تضع المواجهات الأخيرة حكومة إيدي راما أمام ضغوط متزايدة، في ظل اتساع المشاركة في الاحتجاجات وانضمام فئات جديدة إليها، بالتزامن مع مطالب تتعلق بالفساد والمساءلة السياسية والأوضاع المعيشية.
وبينما يدعو رئيس الوزراء إلى الحوار ويعلن الاستعداد لمعالجة بعض المخاوف الاقتصادية، يواصل المحتجون المطالبة باستقالته، معتبرين أن الاحتجاجات السلمية التي استمرت لأشهر لم تحقق التغيير المطلوب.
وفي المقابل، تحذر الحكومة من استغلال الاحتجاجات لأغراض إجرامية أو خارجية، وتلوح بتشديد الإجراءات الأمنية ضد المشاركين في أعمال العنف.
وتبقى تطورات المشهد في تيرانا مرتبطة بقدرة السلطات والمحتجين على احتواء التصعيد، وبمدى استعداد الحكومة لاتخاذ خطوات ملموسة بشأن المطالب الاقتصادية والسياسية والبيئية التي دفعت الحركة إلى التوسع.







