نيويورك - أبلغت منظمة إيباك (AIPAC)، المعروفة بدورها في الضغط السياسي لصالح إسرائيل داخل الولايات المتحدة، أعضاءها بأنها ستتوقف عن تقديم الدعم الشخصي أو التمويل المباشر للمرشحين السياسيين، بعد ثلاث دورات انتخابية مارست خلالها هذا النشاط، وفقًا لما أورده موقع الأخبار اليهودي الأميركي «جويش إنسايدر» مساء الأربعاء.
ولا يعني القرار انسحاب المنظمة من النشاط الانتخابي أو وقف جهودها لدعم المرشحين الذين تتوافق مواقفهم مع توجهاتها، إذ أوضحت أنها ستواصل المساعدة في جمع التبرعات عبر قنوات أخرى، من بينها لجنة العمل السياسي المستقلة التابعة لها، المعروفة باسم «مشروع الديمقراطية المتحدة» (United Democracy Project – UDP).
وتشير الخطوة إلى تغيير في أسلوب تدخل المنظمة في الانتخابات الأميركية، من خلال الابتعاد عن بعض أشكال الدعم المباشر للمرشحين، مع الإبقاء على أدوات أخرى تتيح لها التأثير في الحملات الانتخابية، ولا سيما عبر الإنفاق على الإعلانات السياسية وجمع الأموال لدعم مرشحين أو معارضة آخرين.
«مشروع الديمقراطية المتحدة» يواصل دوره في تمويل الحملات
تُعد لجنة «مشروع الديمقراطية المتحدة» من الأدوات التي استخدمتها إيباك لتوسيع حضورها في السباقات الانتخابية الأميركية. وتعمل اللجنة بصفتها لجنة عمل سياسي مستقلة من نوع «سوبر باك» (Super PAC)، وهي فئة من اللجان التي يُسمح لها بجمع مبالغ غير محدودة من الشركات والنقابات المهنية والمؤسسات والأفراد، وإنفاقها بصورة مستقلة لدعم المرشحين السياسيين أو معارضتهم، وفق القواعد المنظمة لهذا النوع من التمويل.
وبحسب التقرير، فإن إعلان وقف الدعم الشخصي والتمويل المباشر لا يشمل إنهاء دور هذه اللجنة في النشاط الانتخابي، ما يتيح لإيباك الاستمرار في تمويل الحملات الإعلانية وجمع التبرعات من خلال الآليات البديلة.
وكانت المنظمة، على مدى عقود، تعمل أساسًا بوصفها جماعة ضغط تمارس نشاطها خلف الكواليس، قبل أن تتجه خلال عامي 2021 و2022 إلى توسيع تدخلها المباشر في المنافسات الانتخابية، عبر إنشاء لجنة عمل سياسي ولجنة «سوبر باك» تحمل اسم «مشروع الديمقراطية المتحدة».
ومع هذا التحول، أصبحت إيباك أكثر حضورًا في الحملات الانتخابية، خصوصًا في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، حيث استُخدمت الأموال والإعلانات لمواجهة مرشحين اتخذوا مواقف منتقدة لإسرائيل.
إنفاق بعشرات الملايين في انتخابات 2024
خلال الدورة الانتخابية لعام 2024، أنفقت لجنة «مشروع الديمقراطية المتحدة» عشرات الملايين من الدولارات على الحملات الانتخابية، وتركز جانب بارز من هذا الإنفاق على الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، بهدف هزيمة شخصيات سياسية معروفة بانتقادها لإسرائيل.
ومن أبرز الحالات التي ارتبطت بنشاط اللجنة خسارة عضوَي الكونغرس جمال بومان، ممثل ولاية نيويورك، وكوري بوش، ممثلة ولاية ميزوري، وهما من أعضاء مجموعة «السكواد» التقدمية في مجلس النواب الأميركي.
وفي السباق الانتخابي الخاص ببومان، أنفقت اللجنة ما يتراوح بين 14.5 مليونًا و15 مليون دولار، وفق الأرقام الواردة في التقرير، وهو مبلغ قياسي لسباق انتخابي على مقعد في مجلس النواب الأميركي.
وتبنّت إيباك مسؤولية سياسية عن هذه النتيجة، وقدّمت الإنفاق على الحملة باعتباره دليلًا على أن دعم إسرائيل يمكن أن يكون خيارًا مجديًا انتخابيًا، في إشارة إلى قدرتها على حشد الموارد المالية للتأثير في نتائج الانتخابات التمهيدية.
لكن هذا النوع من التدخل أثار انتقادات من مجموعات وشخصيات سياسية معارضة لدور المنظمة، إذ تحوّلت التبرعات المرتبطة بإيباك إلى محور هجمات سياسية على مرشحين من تيارات مختلفة، سواء من اليسار أو اليمين، بسبب مواقفهم من إسرائيل والسياسات الأميركية تجاهها.
تبرعات إيباك تتحول إلى قضية خلافية داخل السباقات الانتخابية
لم يقتصر أثر الإنفاق المرتبط بإيباك على المنافسة بين المرشحين، بل امتد إلى النقاش بشأن مصادر التمويل السياسي ومدى تأثير جماعات الضغط في تحديد مسار الحملات الانتخابية.
وخلال الدورة الانتخابية الأخيرة، استخدمت مجموعات معارضة لإسرائيل ارتباط بعض المرشحين بتبرعات المنظمة في حملات انتقاد سياسية، ما دفع بعض السياسيين إلى إعلان رفضهم تلقي هذه الأموال.
وأصبحت التبرعات، في هذه الحالات، قضية يمكن أن تؤثر في صورة المرشح أمام الناخبين، خصوصًا لدى القواعد التي تعارض السياسات الإسرائيلية أو تنتقد الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل.
ويكشف هذا الجدل عن مفارقة تواجه إيباك في نشاطها الانتخابي؛ فالأموال التي تستخدمها لدعم مرشحين أو إضعاف منافسين قد تتحول بدورها إلى مادة في الحملات المضادة، بما يجعل الارتباط بالمنظمة عنصرًا حاضرًا في النقاش السياسي حول مواقف المرشحين ومصادر تمويلهم.
استمرار الإنفاق في انتخابات 2026
وفي الدورة الانتخابية لعام 2026، واصلت إيباك نشاطها على نطاق واسع من خلال لجنة «مشروع الديمقراطية المتحدة». وتشير التقارير الواردة في المادة إلى أن اللجنة أنفقت أكثر من 60 مليون دولار على الإعلانات السياسية حتى منتصف الدورة الانتخابية.
ومن أبرز السباقات التي تدخلت فيها اللجنة محاولة منع عبد السيد من الفوز في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان، وهي محاولة لم تحقق هدفها، رغم إنفاق نحو 30 مليون دولار في هذا السباق، وفقًا للتقرير.
كما تدخلت المنظمة في منافسات انتخابية أخرى ضد مرشحين انتقدوا السياسة الإسرائيلية في قطاع غزة، في استمرار لنمط من النشاط يركز على استخدام الإنفاق الإعلاني للتأثير في نتائج الانتخابات التمهيدية والمنافسات بين المرشحين.
وتوضح هذه الحالات أن حجم الإنفاق المالي لا يضمن بالضرورة تحقيق النتيجة السياسية المرجوة، إذ تبقى نتائج الانتخابات مرتبطة بعوامل متعددة، من بينها توجهات الناخبين، وقوة الحملات المنافسة، ومواقف المرشحين من القضايا الداخلية والخارجية.
إعلانات لا تذكر إسرائيل بصورة صريحة
ومن الجوانب اللافتة في نشاط لجنة «مشروع الديمقراطية المتحدة» أن بعض الإعلانات التي نشرتها لم تذكر إسرائيل بصورة صريحة تقريبًا، بل ركزت على قضايا أخرى.
ويعني ذلك أن الرسائل الانتخابية التي تستخدمها اللجنة لا تقتصر بالضرورة على النقاش المباشر بشأن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل، وإنما قد تتناول ملفات أخرى بهدف مخاطبة الناخبين من زوايا مختلفة.
ويأتي هذا الأسلوب في سياق الحملات الانتخابية الأميركية التي تتداخل فيها القضايا المحلية مع السياسة الخارجية، حيث يمكن أن تتعدد الموضوعات المستخدمة في الإعلانات بحسب طبيعة الدائرة الانتخابية والمرشحين المتنافسين والجمهور المستهدف.
ومع إعلان إيباك وقف الدعم الشخصي والتمويل المباشر للمرشحين، يبقى استمرار جمع التبرعات والإنفاق عبر «مشروع الديمقراطية المتحدة» عنصرًا أساسيًا في فهم طبيعة التغيير الذي أعلنته المنظمة، إذ يتعلق القرار بآلية من آليات التدخل الانتخابي، لا بإنهاء نشاطها السياسي أو المالي في الانتخابات.
تغيير في الوسائل مع استمرار الحضور الانتخابي
يعكس إعلان إيباك تحولًا في الطريقة التي تدير بها المنظمة علاقتها بالمرشحين السياسيين والحملات الانتخابية، بعد دورات اتسمت بإنفاق مالي كبير وتدخل مباشر في منافسات داخل الحزب الديمقراطي وخارجه.
وبينما ستتوقف المنظمة، وفقًا لما أبلغت به أعضاءها، عن تقديم الدعم الشخصي والتمويل المباشر للمرشحين، فإن استمرار جمع التبرعات عبر قنوات أخرى، وفي مقدمتها لجنة «مشروع الديمقراطية المتحدة»، يبقي أمامها وسائل للتأثير في السباقات الانتخابية.
ويأتي القرار في وقت أصبحت فيه التبرعات المرتبطة بإيباك موضع جدل سياسي، بعدما استخدمها خصوم بعض المرشحين في حملات انتقاد، وأعلن سياسيون رفضهم تلقيها، بينما استمرت اللجنة التابعة للمنظمة في إنفاق مبالغ كبيرة على الإعلانات.
ولم تتضمن المعلومات الواردة في التقرير تفاصيل إضافية بشأن الآليات العملية التي ستعتمدها إيباك بعد القرار أو مدى تأثيره في حجم الإنفاق المستقبلي. إلا أن استمرار نشاط اللجنة المستقلة يشير إلى أن التغيير المعلن يتركز على شكل الدعم المباشر، فيما تبقى أدوات جمع الأموال والإنفاق الإعلاني جزءًا من المشهد الانتخابي المرتبط بالمنظمة.







