ترجمات - مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية المقرر في 27 أكتوبر 2026، تتزايد أهمية أصوات المواطنين العرب في تحديد موازين القوى داخل الكنيست، في ظل احتدام المنافسة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأحزاب المعارضة، واحتمالات استمرار حالة الانقسام السياسي التي تجعل تشكيل حكومة مستقرة مهمة معقدة.
ووفق مقال نشرته مجلة «ناشونال إنترست» في 15 أكتوبر 2026، بقلم لورانس ج. هاس، فإن الأحزاب العربية قد تؤدي دورًا مؤثرًا في تحديد هوية الحكومة المقبلة، خصوصًا إذا لم يتمكن أي من المعسكرين المتنافسين من حصد أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل ائتلاف حاكم بمفرده.
ويستند هذا التقدير إلى طبيعة النظام البرلماني الإسرائيلي، الذي يتطلب حصول الحكومة على دعم أغلبية أعضاء الكنيست، البالغ عددهم 120 عضوًا، ما يجعل الأحزاب الصغيرة والمتوسطة قادرة على التأثير في نتائج المفاوضات السياسية وتحديد فرص بقاء الحكومة أو تغييرها.
الأحزاب العربية ورقة مؤثرة في حسابات الائتلافات
يشير المقال إلى أن المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يقدر عددهم بنحو 2.2 مليون نسمة وفق الأرقام التي أوردها الكاتب، يشكلون شريحة مهمة من المجتمع الإسرائيلي، ويتمتعون بحق التصويت والترشح وتأسيس الأحزاب السياسية.
ووفق طرح الكاتب، يمكن للأحزاب ذات القاعدة العربية أن تحصد ما بين 10 و15 مقعدًا في الكنيست عندما ترتفع نسبة المشاركة في الانتخابات، وهو عدد قد يكون كافيًا لتغيير موازين القوى إذا جاءت النتائج متقاربة بين معسكر نتنياهو والمعارضة.
ولا تتوقف أهمية هذه المقاعد عند عددها فحسب، بل ترتبط أيضًا بقدرة الأحزاب العربية على التأثير في خيارات تشكيل الحكومة، سواء عبر دعم ائتلاف معارض أو من خلال تقديم دعم برلماني لحكومة لا تشارك فيها بصورة مباشرة.
ويبرز هذا الاحتمال في ظل تعهدات بعض قوى المعارضة بعدم ضم الأحزاب العربية إلى الائتلاف الحكومي، وهي مواقف قد تحد من فرص التعاون السياسي المباشر، لكنها لا تلغي بالضرورة إمكانية التنسيق البرلماني أو تقديم الدعم في تصويتات محددة.
نتنياهو والمعارضة أمام اختبار الأغلبية
تواجه الانتخابات المقبلة سؤالًا رئيسيًا يتعلق بقدرة بنيامين نتنياهو على تشكيل ائتلاف يضمن له الاستمرار في رئاسة الحكومة، في مقابل فرص المعارضة في توحيد صفوفها وتجاوز خلافاتها الداخلية من أجل إنهاء حكمه.
وبحسب المقال، لم يتمكن أي حزب سياسي منفرد من الحصول على 61 مقعدًا، وهي الأغلبية المطلوبة داخل الكنيست المكون من 120 عضوًا، الأمر الذي يجعل تشكيل الحكومات الإسرائيلية قائمًا على التحالفات بين الأحزاب.
وفي هذا السياق، قد تتحدد النتيجة النهائية بناءً على قدرة كل معسكر على جمع العدد الكافي من المقاعد، وليس بالضرورة على الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات منفردًا.
ويطرح الكاتب سيناريو يتمثل في حصول المعارضة على مقاعد أكثر من معسكر نتنياهو، من دون أن تتمكن من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة بصورة مباشرة. وفي مثل هذه الحالة، قد يصبح الدعم البرلماني من الأحزاب العربية عاملًا مؤثرًا في فرص تشكيل الحكومة، وفق طبيعة الاتفاقات السياسية والإجراءات الدستورية المعمول بها.
لكن هذا الدور المحتمل لا يعني أن الأحزاب العربية ستتمكن تلقائيًا من فرض مرشحها لرئاسة الحكومة أو المشاركة في الائتلاف الحاكم؛ إذ سيظل تأثيرها مرتبطًا بنتائج الانتخابات، ومواقف بقية الأحزاب، وشكل التفاهمات التي ستعقب إعلان النتائج.
المشاركة الانتخابية مفتاح التأثير العربي
تكتسب نسبة المشاركة في الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة إلى الأحزاب العربية، إذ يمكن لارتفاع الإقبال على التصويت أن ينعكس على عدد المقاعد التي تحصل عليها هذه الأحزاب، وبالتالي على قدرتها على التأثير في المفاوضات السياسية.
وفي المقابل، قد يؤدي انخفاض المشاركة إلى تقليص تمثيلها البرلماني، بما يحد من قدرتها على التأثير في تشكيل الحكومة المقبلة، حتى إذا كانت المنافسة بين المعسكرات الكبرى متقاربة.
وتشير هذه المعادلة إلى أن تأثير المواطنين العرب لا يرتبط فقط بحجمهم السكاني، بل كذلك بمستوى مشاركتهم الانتخابية، وقدرة الأحزاب التي تمثلهم على التنسيق فيما بينها وتحديد أولوياتها السياسية.
كما تبرز أهمية التفاهمات بين الأحزاب العربية والقوى الإسرائيلية الأخرى، في ظل اختلاف المواقف بشأن المشاركة في الائتلافات الحكومية، وشروط تقديم الدعم البرلماني، والقضايا التي يمكن أن تشكل أساسًا للتعاون السياسي.
الانتخابات الفلسطينية في خلفية المشهد
ويتطرق مقال «ناشونال إنترست» إلى تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كان من المقرر إجراؤها في نوفمبر 2026، وفق ما أورده الكاتب، معتبرًا أن استمرار غياب الانتخابات يعكس أزمة التمثيل السياسي لدى الفلسطينيين.
ويشير المقال إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يواصل قيادة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية رغم انتهاء ولايته الرئاسية الأصلية، بينما تسيطر حركة حماس على قطاع غزة منذ عام 2007، عقب الصراع الداخلي الفلسطيني.
ويستخدم الكاتب هذه المقارنة للحديث عن الفوارق بين النظام الانتخابي الإسرائيلي والواقع السياسي الفلسطيني، إلا أن المقارنة بين الحالتين تظل بحاجة إلى مراعاة الاختلافات في طبيعة المؤسسات السياسية، والظروف الأمنية، والانقسام الجغرافي والسياسي الفلسطيني، إلى جانب القيود المفروضة على العملية الانتخابية.
جدل بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة
ويتوسع المقال في تقييم الأوضاع السياسية في الشرق الأوسط، معتبرًا أن المواطنين العرب في إسرائيل يمتلكون أدوات انتخابية أكثر تأثيرًا من قطاعات واسعة من سكان المنطقة الذين يعيشون في ظل أنظمة سياسية تقيّد المنافسة الحزبية والحريات المدنية.
ويستشهد الكاتب بتقارير منظمة «فريدوم هاوس» بشأن الحقوق السياسية والحريات المدنية في عدد من دول المنطقة، من بينها مصر وإيران وتركيا والعراق واليمن والسعودية، لتوضيح التباين في مستويات المشاركة السياسية والقدرة على تغيير الحكومات عبر الانتخابات.
كما ينتقد ما يصفه بتركيز دولي مفرط على إسرائيل، مقارنة بالاهتمام الموجه إلى انتهاكات حقوق الإنسان والأزمات السياسية والإنسانية في دول أخرى.
وتعكس هذه الطروحات وجهة نظر الكاتب بشأن أولويات المجتمع الدولي، ولا تمثل بالضرورة تقييمًا محايدًا أو شاملًا لجميع جوانب الأنظمة السياسية في المنطقة، كما أن وجود انتخابات تنافسية لا يعني وحده ضمان المساواة الكاملة أو معالجة جميع التحديات المتعلقة بحقوق الإنسان.
ما السيناريوهات المحتملة بعد الانتخابات؟
تتمثل أبرز السيناريوهات التي يناقشها المقال في إمكانية نجاح نتنياهو في جمع أغلبية برلمانية تضمن استمرار حكومته، أو تمكن المعارضة من حصد مقاعد أكثر وتشكيل ائتلاف بديل، أو استمرار حالة الجمود السياسي إذا عجز المعسكران عن الاتفاق على حكومة مستقرة.
وفي السيناريو الأخير، قد تزداد أهمية الأحزاب العربية باعتبارها أحد الأطراف القادرة على التأثير في الحسابات البرلمانية، سواء من خلال دعم حكومة من خارج الائتلاف أو المشاركة في تفاهمات سياسية محددة.
ومع ذلك، تبقى هذه الاحتمالات رهينة النتائج الفعلية للانتخابات ومواقف الأحزاب بعد إعلانها، ولا يمكن الجزم مسبقًا بأن أصوات المواطنين العرب ستكون العامل الحاسم، رغم قدرتها المحتملة على ترجيح كفة أحد المعسكرين.
الخلاصة
تضع الانتخابات الإسرائيلية المقبلة المواطنين العرب وأحزابهم أمام اختبار سياسي مهم، في ظل انقسام المشهد الحزبي وصعوبة تشكيل أغلبية مستقرة داخل الكنيست. وبين سعي نتنياهو إلى الاحتفاظ بالسلطة ومحاولات المعارضة توحيد صفوفها، قد تتحول المقاعد العربية إلى عنصر مؤثر في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
لكن حجم هذا التأثير سيعتمد على نسبة المشاركة، وعدد المقاعد التي تحصدها الأحزاب العربية، ومدى استعداد القوى السياسية الأخرى للتعاون معها. وبذلك، لا تكمن أهمية الانتخابات في هوية الحزب المتصدر وحده، بل في التحالفات التي ستتشكل بعدها، وقدرتها على توفير أغلبية برلمانية تضمن تشكيل الحكومة واستمرارها.







