ترجمات - بعد مرور عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، لا تزال الأوضاع الميدانية والإنسانية تواجه تحديات كبيرة، في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية، والقيود المفروضة على دخول المساعدات والإمدادات الأساسية، وتعثر الجهود الرامية إلى تحويل الاتفاق إلى تسوية تضمن استقرار القطاع وتحسين ظروف معيشة سكانه.
وفي مقال نشرته مجلة «ناشونال إنترست» في 17 أكتوبر 2026، يرى الكاتب ألكسندر لانغلوا أن الاتفاق وخطة السلام الأمريكية المؤلفة من 20 بندًا لم يحققا، خلال عام من بدء تطبيقهما، تقدمًا كافيًا لإنهاء تداعيات الحرب أو معالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة في غزة. ويشير المقال إلى استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء واسعة من القطاع، وما يرافقه من قيود على الحركة والإمدادات، باعتبارها عوامل تعرقل عودة الحياة إلى طبيعتها.
استمرار الهجمات رغم اتفاق وقف إطلاق النار
بحسب الأرقام التي أوردها المقال، قُتل 1505 فلسطينيين وأصيب 5332 آخرون منذ إعلان وقف إطلاق النار، في مؤشر على استمرار سقوط الضحايا رغم الاتفاق الذي كان يُفترض أن يضع حدًا للأعمال العدائية.
ويشير الكاتب إلى أن القوات الإسرائيلية واصلت تنفيذ ضربات في مناطق مختلفة من القطاع، إلى جانب عمليات استهدفت مسؤولين في حركة حماس، معتبرًا أن هذه التطورات تتعارض مع الهدف المعلن للاتفاق المتمثل في خفض التصعيد وتثبيت التهدئة.
كما يتناول المقال استمرار عمليات هدم وتدمير المباني والمناطق السكنية في أجزاء من غزة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية، مع التركيز على مدينة رفح جنوب القطاع، التي تعرضت لدمار واسع خلال الحرب. ويرى الكاتب أن استمرار تدمير البنية العمرانية يعقد فرص عودة السكان إلى مناطقهم، ويزيد صعوبة إعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية.
أزمة إنسانية ونقص في الإمدادات الأساسية
على الصعيد الإنساني، يلفت المقال إلى أن دخول كميات إضافية من المساعدات إلى القطاع لم يؤدِّ، وفق تقييمه، إلى تحسن كافٍ في مستويات الأمن الغذائي والمعيشة. وينقل عن بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن نحو 1.2 مليون فلسطيني لا يزالون يواجهون مستويات خطيرة من انعدام الأمن الغذائي.
ويضع الكاتب القيود المفروضة على المعابر ضمن أبرز العوامل التي تعرقل الاستجابة الإنسانية، مشيرًا إلى استمرار القيود على دخول الوقود والإمدادات الطبية والمعدات المساعدة للأشخاص ذوي الإعاقة ومواد البناء اللازمة لإصلاح المنازل والبنية التحتية المتضررة.
كما يتناول أوضاع المرضى والجرحى الذين يحتاجون إلى العلاج خارج القطاع، موضحًا أن أعدادًا كبيرة منهم لا تزال تنتظر الإجلاء الطبي، في ظل محدودية فرص الوصول إلى الرعاية المتخصصة. ووفق الأرقام الواردة في المقال، تجاوز عدد المنتظرين 21 ألف شخص، فيما توفي أكثر من ألفي شخص أثناء انتظار الإجلاء.
وتسلط هذه المعطيات الضوء على حجم التحديات التي تواجه المستشفيات والجهات الإنسانية العاملة في غزة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الطبية نتيجة الإصابات والأمراض وتضرر المرافق الصحية ونقص المستلزمات الضرورية.
خلاف بشأن تقييم نتائج الاتفاق
في المقابل، قدمت الإدارة الأمريكية تقييمًا أكثر إيجابية لمسار وقف إطلاق النار. فقد وصفت واشنطن، في بيان بمناسبة الذكرى السنوية الأولى، الاتفاق بأنه تقدم وإنجاز مهم، مشيرة إلى النتائج التي تحققت منذ بدء تطبيقه.
ويعرض المقال هذا التقييم في سياق الجدل بشأن مدى فاعلية خطة السلام الأمريكية، والدور الذي يؤديه «مجلس السلام» المعني بملف غزة وإعادة إعمارها بعد الحرب. كما يتناول دور جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وأحد الشخصيات المشاركة في جهود التفاوض، في دعم المسار السياسي المرتبط بالاتفاق.
ويرى لانغلوا أن التركيز على ما تحقق من تقدم محدود قد يؤدي إلى التقليل من حجم الأزمة المستمرة، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية والقيود الإنسانية وعدم توافر ضمانات كافية لاستقرار الأوضاع على المدى الطويل.
انتقادات للدور الأمريكي والأوروبي
ويتجاوز المقال تقييم الوضع الميداني إلى مناقشة الدور الدولي في إدارة الحرب وتداعياتها. وينتقد الكاتب الدعم العسكري والدبلوماسي الذي قدمته الولايات المتحدة لإسرائيل، معتبرًا أن استمرار إمدادات الأسلحة وتوفير الغطاء السياسي في المؤسسات الدولية أسهما، من وجهة نظره، في الحد من الضغوط الرامية إلى تغيير السياسات الإسرائيلية في غزة.
كما يوجه انتقادات إلى عدد من الحكومات الأوروبية، بسبب ما يصفه بعدم اتخاذ إجراءات كافية لفرض ضغوط فعالة على إسرائيل، رغم التصريحات المتكررة بشأن القلق من تدهور الوضع الإنساني.
ويحذر المقال من أن استمرار هذا النهج يثير تساؤلات بشأن قدرة النظام الدولي على تطبيق قواعد القانون الدولي بصورة متساوية، ولا سيما في ما يتعلق بحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المحتملة.
وفي هذا السياق، يستحضر الكاتب الإجراءات التي اتخذتها محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا بشأن تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وكانت المحكمة قد أصدرت تدابير مؤقتة في يناير 2024، ثم تدابير إضافية في مراحل لاحقة من القضية، على خلفية المخاطر التي تواجه الفلسطينيين.
ويشير المقال كذلك إلى الضغوط والعقوبات الأمريكية المرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية، في إطار انتقاده لما يعتبره محاولات لتقييد عمل المؤسسات القضائية الدولية. وتظل الإجراءات القضائية المتعلقة بغزة جزءًا من مسار قانوني دولي أوسع، لا ينبغي الخلط فيه بين التدابير المؤقتة والأحكام النهائية في موضوع المسؤولية.
إعادة الإعمار ومستقبل القطاع
ويثير المقال مخاوف بشأن مستقبل إعادة إعمار غزة، محذرًا من أن الخطط الاقتصادية والإدارية الخاصة بالقطاع قد لا تحقق الاستقرار المنشود ما لم تقترن بضمانات تحمي حقوق السكان وتتيح لهم العودة إلى مناطقهم والمشاركة في تحديد مستقبلهم.
ويرى الكاتب أن استمرار السيطرة على الأراضي والقيود على مواد البناء وحركة السكان قد يعرقل إعادة بناء المنازل والمنشآت الحيوية، ويجعل التعافي الاقتصادي والاجتماعي أكثر صعوبة.
وتتطلب إعادة الإعمار، وفق هذا الطرح، توفير التمويل والمواد اللازمة، إلى جانب ضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإصلاح البنية التحتية، واستعادة الخدمات الصحية والتعليمية، وتهيئة الظروف التي تسمح للمدنيين باستئناف حياتهم بصورة آمنة.
تزايد الدعوات إلى تغيير المسار
وفي ختام مقاله، يتناول لانغلوا التحولات في المواقف الشعبية تجاه الحرب والقضية الفلسطينية، مشيرًا إلى تزايد الانتقادات الموجهة إلى السياسات الإسرائيلية في عدد من الدول، وإلى تنامي المطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وضمان حقوق الفلسطينيين.
ويعتبر الكاتب أن أي تغيير مستدام يتطلب تحركًا دوليًا أكثر فاعلية، بما يشمل الضغط من أجل حماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات، واحترام القانون الدولي، وتوفير مسار سياسي يفضي إلى تحقيق العدالة للفلسطينيين.
وبعد عام على وقف إطلاق النار، تبقى الأسئلة الأساسية مرتبطة بمدى قدرة الاتفاق على تثبيت التهدئة، ووقف سقوط الضحايا، وتخفيف القيود الإنسانية، وبدء إعادة الإعمار بصورة فعلية. وبين التقييم الأمريكي الإيجابي والانتقادات التي يطرحها المقال، لا تزال الأوضاع في غزة تعكس فجوة بين الإعلان عن إنهاء الحرب وتحقيق استقرار ملموس على الأرض.







