تل أبيب - كشف مسؤول أميركي رفيع لموقع «واللا» الإسرائيلي أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعمه الكامل لبنيامين نتنياهو، قبل تسعة أيام من الانتخابات الإسرائيلية، جاء بعد أسابيع من الضغوط والمداولات داخل الإدارة الأميركية.
وبحسب التقرير، مارست دوائر مقربة من نتنياهو ضغوطًا مكثفة على محيط ترامب لدفعه إلى إعلان التأييد، رغم اعتراض عدد كبير من مستشاري الرئيس الأميركي، الذين اعتبروا أن هذه الخطوة قد تمثل خطأ سياسيًا ينعكس سلبًا على صورته ومكانته.
وارتبطت التحفظات، وفق التقرير، بتصاعد الانتقادات الموجهة إلى نتنياهو داخل أوساط اليمين الأميركي، لا سيما بعد عدم تحقيق الحرب على إيران الأهداف المعلنة، ومقتل جنود أميركيين، وارتفاع أسعار الوقود والسلع.
كما ترسخ لدى بعض الأوساط اليمينية انطباع بأن نتنياهو يمارس تأثيرًا مفرطًا على قرارات ترامب، ويدفع الولايات المتحدة نحو سياسات تترتب عليها أعباء بشرية واقتصادية على الأميركيين.
اتصالات مع منافسي نتنياهو لمنع التدخل في الانتخابات
لم تقتصر الاتصالات السياسية على معسكر نتنياهو، إذ أشار التقرير إلى أن جهات مرتبطة بنفتالي بينيت وغادي آيزنكوت ويائير لبيد سعت، منذ أغسطس الماضي، إلى إيصال رسائل إلى ترامب عبر شخصيات مشتركة ومتبرعين وحلفاء سياسيين.
وتمحورت هذه التحركات حول إقناع الرئيس الأميركي بالبقاء على الحياد وعدم التدخل في الانتخابات الإسرائيلية، في وقت واصل فيه ترامب اتصالاته الوثيقة بنتنياهو بشأن ملفات إيران وغزة ولبنان.
وخلال الأشهر التي سبقت إعلان التأييد، امتنع ترامب عن دعم نتنياهو علنًا. ففي مقابلة مع مجلة «تايم» مطلع أكتوبر، رفض تأييده صراحة، وقال إنه لم يعد يتدخل في السياسة، مع تحذيره من الاستهانة بقدرات نتنياهو السياسية.
وفي 13 أكتوبر، قال ترامب إنه لم يقرر بعد تأييد أي مرشح، قبل أن يترك الباب مفتوحًا أمام تغيير موقفه. وبعد يومين، وعندما سُئل عما إذا كان يثق بنتنياهو، أجاب: «أنا لا أثق بأحد في عالم السياسة».
لكن بعد ثلاثة أيام، أعلن دعمه «الكامل والمطلق» لرئيس الوزراء الإسرائيلي، واصفًا إياه بأنه قائد قوي وشجاع وذكي، وشريك أساسي في الحرب ضد إيران.
حكومة وحدة محتملة ورسالة بشأن استبعاد بن غفير
بحسب التقرير، برزت تصريحات السفير الإسرائيلي لدى واشنطن، يحيئيل لايتر، بشأن شكل الحكومة المقبلة بوصفها أحد الملفات المهمة في الاتصالات السياسية بين الجانبين.
ففي مقابلة مع شبكة CNN، قال لايتر إن نتنياهو يريد تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة بعد الانتخابات، بدلًا من إعادة إنتاج الائتلاف الحكومي الحالي، مضيفًا أنه لا ينوي إعادة إيتمار بن غفير إلى منصب وزير الأمن القومي المسؤول عن الشرطة.
وجاءت التصريحات في وقت تتزايد فيه الانتقادات الأميركية لاعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، وسط اتهامات للسلطات الإسرائيلية بعدم محاسبة المسؤولين عنها بالقدر الكافي.
ويرى التقرير أن الحديث عن تشكيل حكومة أوسع واستبعاد بن غفير ربما ساهم في تهدئة المخاوف الأميركية من استمرار سياسات الحكومة الحالية بعد الانتخابات.
لكن هذه الرسالة أثارت خلافًا داخل اليمين الإسرائيلي، بعدما قال بن غفير إن مكتب نتنياهو تعهد لدول أوروبية باستبعاد حزبه «عوتسما يهوديت» من الحكومة المقبلة.
ونفى حزب الليكود هذه الاتهامات، مؤكدًا أن الحكومة المقبلة ستعتمد على شركاء الائتلاف الحالي، مع إمكانية توسيعها. وبذلك، بقيت ملامح الحكومة التي يسعى نتنياهو إلى تشكيلها غير محسومة.
عنف المستوطنين يثير انتقادات أميركية رغم دعم نتنياهو
لا يعني إعلان ترامب دعمه لنتنياهو انتهاء الخلافات بين واشنطن وتل أبيب، خصوصًا بشأن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.
ووفق التقرير، أثار الاعتداء على المصورة الأميركية هايدي ليفين، التي تعمل لصالح صحيفة «واشنطن بوست»، خلال تغطيتها موسم قطف الزيتون قرب رام الله، ردود فعل غاضبة من مسؤولين أميركيين.
ووصف السفير الأميركي مايك هاكابي الاعتداء بأنه «عمل إرهابي بشع نفذه جبناء ملثمون»، مطالبًا بالتحقيق في الواقعة واعتقال المسؤولين عنها وتقديمهم إلى المحاكمة.
من جانبه، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن الإدارة الأميركية «قلقة للغاية» من المشاهد، وإنها طالبت إسرائيل باتخاذ إجراءات حازمة، مشددًا على أن ترامب لا يريد اندلاع أزمة جديدة في الضفة الغربية.
وأكد روبيو أن إلغاء العقوبات السابقة المفروضة على مستوطنين لا يعني موافقة الرئيس الأميركي على أعمال العنف الجارية.
وتكشف هذه التصريحات عن استمرار التباينات بين الجانبين، حتى مع إعلان ترامب تأييده السياسي لنتنياهو، إذ تظل طريقة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع عنف المستوطنين أحد الملفات المطروحة على طاولة العلاقة الثنائية.
ترامب يربط مستقبل المواجهة مع إيران بقيادة إسرائيل
تضمن خطاب ترامب الداعم لنتنياهو رسالة أمنية تتجاوز حدود المنافسة الانتخابية، إذ أكد أن المواجهة مع إيران لم تنتهِ، وأن الولايات المتحدة ستكمل المهمة إذا لم يغير النظام الإيراني سلوكه.
وقال ترامب: «إذا كان لإسرائيل قائد غير مناسب، أي أي شخص غير بيبي، فستضطر أميركا إلى القيام بهذه المهمة بنفسها، وأنا لا أميل إلى ذلك».
وبحسب قراءة التقرير، تربط هذه العبارة بين هوية رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل ومستقبل المواجهة مع إيران، فضلًا عن استعداد الولايات المتحدة لتحمل الأعباء العسكرية المترتبة عليها.
وأشار التقرير إلى أن ترامب ونتنياهو بحثا إمكانية تنفيذ عملية عسكرية كبيرة جديدة ضد إيران، لكن الرئيس الأميركي أصبح أكثر ترددًا بشأن استئناف الهجمات، في حين نفى نتنياهو سعيه إلى حرب جديدة قبل الانتخابات.
ويضع هذا التباين ملف إيران ضمن أبرز القضايا التي قد تحدد طبيعة العلاقة بين واشنطن والحكومة الإسرائيلية المقبلة، بصرف النظر عن الدعم الانتخابي الذي أعلنه ترامب لنتنياهو.
تناقض بين نفي التدخل الأميركي وإعلان التأييد
قبل ثلاثة أيام من إعلان ترامب دعمه لنتنياهو، نفى السفير الأميركي مايك هاكابي بشدة تقارير تحدثت عن محاولة واشنطن فرض حكومة وحدة إسرائيلية، يبقى فيها نتنياهو رئيسًا للوزراء لعامين قبل اعتزاله السياسة.
وأكد هاكابي أن الولايات المتحدة لا تحاول التأثير على الانتخابات الإسرائيلية أو فرض قرارات سياسية على رئيس الوزراء.
ويرى التقرير أن إعلان ترامب اللاحق لا يثبت صحة التقارير المتعلقة بفرض صيغة محددة للحكومة المقبلة، لكنه يسلط الضوء على التباين بين تأكيد واشنطن عدم تدخلها في العملية السياسية الإسرائيلية وبين إعلان الرئيس الأميركي تأييده الصريح لأحد المرشحين.
ويعيد هذا التباين طرح تساؤلات بشأن حدود الدور الأميركي في الانتخابات الإسرائيلية، وما إذا كان دعم نتنياهو يقتصر على موقف سياسي معلن أم يرتبط بتوقعات أميركية بشأن توجهات الحكومة المقبلة.
تجربة أوربان تثير تساؤلات بشأن جدوى الدعم الأميركي
قارن التقرير بين دعم ترامب لنتنياهو ومساندته السابقة لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، مشيرًا إلى استخدام التعبير نفسه، «الدعم الكامل والمطلق»، في الحالتين.
لكن أوربان خسر الانتخابات رغم التأييد الأميركي المباشر، وحتى بعد زيارة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إلى بودابست لمساندته.
وتشير هذه التجربة، وفق التقرير، إلى أن الدعم الصادر عن الإدارة الأميركية لا يضمن بالضرورة تحقيق نتائج انتخابية، وأن ترامب سبق أن أعلن مساندته لمرشحين لم يتمكنوا من الفوز.
وتبقى المقارنة محدودة بظروف كل انتخابات وسياقها السياسي، لكنها تبرز أن تأثير التأييد الخارجي يظل مرتبطًا بعوامل داخلية لا يمكن حسمها بمجرد إعلان الدعم.
ثلاثة أسئلة تحدد مستقبل العلاقة بعد الانتخابات
يرى تقرير «واللا» أن قرار ترامب دعم نتنياهو جاء بعد ضغوط سياسية مكثفة، رغم اعتراضات داخل الإدارة الأميركية واستمرار الخلافات بشأن إيران وغزة والضفة الغربية.
ويطرح التقرير ثلاثة احتمالات لتفسير الموقف الأميركي: أن يكون ترامب قد استعاد ثقته بنتنياهو، أو أنه يفضل التعامل مع شريك يعرفه في إدارة المواجهة مع إيران، أو أنه يتوقع أن يشكل نتنياهو حكومة أكثر اعتدالًا، تستبعد بن غفير وتتيح إحراز تقدم في التفاهمات الإقليمية، خصوصًا مسار التطبيع مع السعودية.
ولا يحسم التقرير أيًا من هذه الاحتمالات، كما أن إعلان الدعم وحده لا يكفي لإثبات أن واشنطن توصلت إلى تفاهمات بشأن تركيبة الحكومة الإسرائيلية المقبلة أو سياساتها.
ويتمثل الاختبار الأهم، وفق هذه القراءة، في مرحلة ما بعد الانتخابات: طبيعة الائتلاف الذي سيعمل نتنياهو على تشكيله، ومدى استجابته للمطالب الأميركية بشأن إيران والضفة الغربية، وإمكانية تحقيق تقدم في الملفات الإقليمية.
وبين الدعم السياسي المعلن والخلافات المستمرة، ستظل العلاقة بين ترامب ونتنياهو مرتبطة بما ستسفر عنه المرحلة المقبلة من قرارات بشأن الأمن الإقليمي، وسياسات الحكومة الإسرائيلية، ومستقبل التفاهمات بين واشنطن وتل أبيب.







