ترجمات - تسعى الصين إلى استثمار التحول التدريجي لمجموعة البريكس من إطار للتنسيق السياسي وإصدار البيانات المشتركة إلى منصة للتعاون المؤسسي والتكنولوجي والاقتصادي، بما يتيح لبكين توسيع نطاق مبادراتها وتعزيز حضورها في صياغة قواعد الحوكمة الدولية، وفق تحليل نشره معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، تناول نتائج قمة المجموعة في نيودلهي وانعكاساتها المحتملة على الشرق الأوسط وإسرائيل.
وأشار التحليل، الذي أعده أوري سيلا ضمن إصدار «نظرة على» رقم 2203 بتاريخ 18 أكتوبر 2026، إلى أن أهمية التطورات الأخيرة لا تقتصر على توسيع التعاون بين الدول الأعضاء، بل تمتد إلى إتاحة المجال أمام الصين لطرح مبادراتها ضمن إطار متعدد الأطراف لا يخضع لسيطرتها الحصرية، وهو ما يمنح بعض توجهاتها فرصة لاكتساب دعم دولي أوسع وشرعية تتجاوز نطاق السياسة الصينية المباشرة.
قمة نيودلهي.. انتقال تدريجي من التنسيق السياسي إلى التعاون العملي
عكست القمة الثامنة عشرة لمجموعة البريكس، التي استضافتها نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026، توجهًا نحو تعميق التعاون بين الدول الأعضاء وتطوير أدوات أكثر عملية لتنفيذ المبادرات المشتركة، إلى جانب التأكيد على مبادئ التعددية القطبية وتعزيز مكانة دول الجنوب العالمي وإصلاح المؤسسات الدولية وتوسيع تمثيل الدول النامية.
ووفق التحليل، برز مساران رئيسيان خلال القمة؛ أولهما توسيع نطاق التعاون المؤسسي والتقني ليشمل قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والصحة والزراعة والفضاء، وثانيهما توظيف الصين هذا المسار لدمج المبادرات التي تطورها ضمن أجندة جماعية تتشارك الدول الأعضاء في صياغتها ومناقشتها.
ويمنح هذا التوجه بكين فرصة لتوسيع انتشار أفكارها دون الحاجة إلى إنشاء مؤسسات جديدة خاضعة لنفوذها المباشر أو مطالبة شركائها بتبني نموذجها السياسي والاقتصادي بصورة صريحة. فكلما انتقلت المبادرات التي تطرحها الصين إلى مرحلة النقاش والتنظيم داخل البريكس، ازدادت فرص تحولها إلى برامج وممارسات تحظى بقبول متعدد الأطراف.
ومع ذلك، شدد التحليل على ضرورة التمييز بين الإعلان عن المبادرات، وإنشاء الآليات والمؤسسات اللازمة لتنفيذها، وتحقيق نتائج فعلية على الأرض. ففي حين شهدت المجموعة تقدمًا في بناء بعض أطر التعاون، لا تزال فاعلية عدد من المبادرات ومدى تأثيرها العملي بحاجة إلى اختبار.
التمويل والتجارة والتكنولوجيا.. أدوات لتعزيز الترابط بين الدول الأعضاء
على الصعيد الاقتصادي، واصلت مجموعة البريكس العمل على تعزيز الربط بين أنظمة الدفع، وتوسيع استخدام العملات المحلية في المعاملات التجارية، ودعم دور بنك التنمية الجديد، بالتوازي مع تطوير التعاون الصناعي في مجالات التصنيع الذكي والروبوتات والطاقة الشمسية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمعايير الفنية المشتركة.
وركز إعلان نيودلهي على تعزيز سلاسل القيمة والإمداد، وتوسيع التعاون التكنولوجي، وزيادة مشاركة الدول النامية في المراحل الأعلى قيمة من الإنتاج العالمي. ويبرز التعاون في مجال التوحيد القياسي باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تربط التنسيق السياسي بالتجارة والإنتاج، من خلال تطوير قواعد فنية مشتركة تسهل التعامل بين الأسواق والمؤسسات الصناعية.
لكن التحليل حذر من اعتبار هذه التطورات دليلًا على تحول البريكس إلى كتلة اقتصادية متماسكة. فعلى الرغم من وصول حجم التجارة بين الدول الأعضاء إلى نحو 1.17 تريليون دولار في عام 2024، فإن جزءًا من الزيادة يرتبط بتحولات التجارة العالمية وتوسع عضوية المجموعة، بما أدى إلى احتساب تدفقات تجارية قائمة مع دول منضمة حديثًا ضمن التجارة بين أعضاء البريكس.
وبحسب الأرقام الواردة في التحليل، تمثل دول المجموعة نحو 24% من صادرات السلع العالمية، بينما لا تتجاوز التجارة البينية بينها 5% من إجمالي تلك الصادرات، في ظل تفاوت واضح في الأوزان الاقتصادية وهيمنة الصين على جانب مهم من العلاقات التجارية.
وتدعم هذه المعطيات احتمالات التوسع التدريجي في استخدام العملات الوطنية، لكنها لا تقدم دليلًا كافيًا على قرب إنشاء عملة موحدة للمجموعة. كما أن تقليص الاعتماد على الدولار قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى زيادة استخدام اليوان الصيني بدلًا من بناء نظام نقدي متعدد الأطراف يتسم بالتوازن بين العملات المشاركة.
الصحة والزراعة والفضاء.. بناء شبكات تعاون تتجاوز البيانات السياسية
امتد التوجه نحو تحويل الالتزامات السياسية إلى آليات عملية إلى قطاعي الصحة والزراعة، حيث شهد عام 2026 الدفع بمبادرات للتعاون في مكافحة الأمراض المعدية، وإنشاء شبكات للمعاهد الصحية ومراكز التميز، وتطوير اللقاحات، وتعزيز التنسيق بين الجهات التنظيمية المسؤولة عن المنتجات الطبية.
وفي القطاع الزراعي، شملت المبادرات تطوير شبكة للزراعة الرقمية، وتعزيز التعاون في المدخلات الزراعية والموارد الجينية، وإنشاء شبكة لمراكز التميز في الزراعة الإيكولوجية والمتجددة، إلى جانب استمرار العمل على مقترح إنشاء بورصة للحبوب بين دول البريكس.
ورغم أن هذه المبادرات لا تزال في مراحل مختلفة من التطوير، فإنها قد تتيح تأسيس بنية مؤسسية للتعاون في قطاعات تؤثر مباشرة على الإنتاج والتجارة والتنظيم وتبادل المعرفة.
أما التعاون الفضائي، فقد سجل تقدمًا أكثر وضوحًا من خلال آلية تربط بيانات أقمار الاستشعار عن بُعد التابعة للدول الأعضاء، بما يدعم إدارة الكوارث ومراقبة البيئة والأنشطة الزراعية. كما شهد عام 2026 تحركات لتوسيع مشاركة الدول في هذه الآلية، بالتوازي مع مناقشات بشأن إنشاء مجلس فضائي لمجموعة البريكس.
وتكمن أهمية هذا المسار في إمكانية جمع القدرات الوطنية القائمة، بما فيها القدرات الصينية والهندية والروسية، ضمن إطار متعدد الأطراف يتيح تبادل البيانات وتطوير تطبيقات مشتركة، مع امتدادات محتملة إلى البحث العلمي والزراعة والتكنولوجيا وإدارة الأزمات.
مبادرات شي جين بينغ.. توسيع الحضور الصيني من داخل البريكس
احتلت المبادرات التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال قمة نيودلهي موقعًا محوريًا في التحليل، إذ تعكس توجه بكين نحو تعزيز التعاون في القطاعات التي تمتلك فيها قدرات تنافسية ومزايا تكنولوجية وصناعية مهمة، بدلًا من التركيز على إنشاء اتحاد اقتصادي أو سوق مشتركة أو عملة موحدة بين الدول الأعضاء.
وشملت المبادرات الصينية خمسة مسارات رئيسية: تعزيز التعاون في الذكاء الاصطناعي وتطوير النماذج واسعة النطاق ومجتمعات المصادر المفتوحة؛ وتوسيع التعاون التجاري والاستثماري بين المناطق الاقتصادية الخاصة؛ وإنشاء منتدى للبريكس لتجارة الخدمات في الصين عام 2027؛ وتطوير منصة سحابية للنظام البيئي الرقمي للمجموعة؛ وتعزيز التعاون في التصنيع الذكي والمصانع الذكية والمعايير الصناعية المشتركة.
كما تضمنت المقترحات توسيع التعاون في التعليم الهندسي والتدريب المهني، والاعتراف المتبادل بمعايير التأهيل، وتعزيز تبادل الشباب في مجالات العلوم والتكنولوجيا.
وتشترك هذه المبادرات في التركيز على بناء شبكات للمعرفة والتكنولوجيا والمعايير والمؤسسات، بما يعزز الترابط بين الدول الأعضاء ويتيح توسيع نطاق التعاون في المجالات التي تتمتع الصين فيها بقدرات متقدمة.
وربط شي هذه المبادرات بالخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين، التي قدمها باعتبارها إطارًا لتنمية الاقتصاد الصيني وقاعدة لتوسيع التعاون مع العالم.
ويرى التحليل أن هذه التحركات تمهد لمرحلة الرئاسة الصينية المقبلة للمجموعة في عام 2027، عندما تستضيف بكين القمة التاسعة عشرة. كما أن دعم إعلان نيودلهي للرئاسة الصينية المقبلة، والتأكيد على استمرارية العمل بين الرئاستين الهندية والصينية، يمنحان بكين فرصة لمواصلة دفع المبادرات التي طرحتها وإدخال بعضها تدريجيًا في مسارات العمل المؤسسي للمجموعة.
تدويل الأجندة الصينية.. نفوذ عبر المؤسسات متعددة الأطراف
يتمثل أحد الأبعاد الأساسية لهذا المسار في قدرة الصين على توسيع نطاق أفكارها من خلال مؤسسات لا تسيطر عليها رسميًا، ولا تملك فيها سلطة منفردة على القرارات. فمجموعة البريكس تضم دولًا ذات مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية متباينة، وتُتخذ قراراتها بالتوافق، وهو ما يجعل تحويل المبادرات الصينية إلى توجهات مشتركة عملية تفاوضية وليست نتيجة تلقائية للنفوذ الصيني.
وبحسب التحليل، فإن نجاح بكين في الحصول على دعم شركائها لمبادراتها داخل المجموعة يمكن أن ينقل هذه المبادرات من كونها مقترحات صينية إلى مفاهيم وبرامج تُناقش باعتبارها جزءًا من أجندة دولية مشتركة.
وينطبق ذلك على مفاهيم الجنوب العالمي، والسيادة والمساواة بين الدول، وإصلاح الحوكمة العالمية، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع الذكي، فضلًا عن التصورات الصينية المتعلقة بالأمن المشترك والشامل والتعاوني والمستدام.
وتمنح هذه العملية الصين فرصة لتوسيع حضورها الفكري والمؤسسي دون فرض تبعية رسمية أو اشتراط تبني شركائها نموذجها السياسي. لكنها تظل عملية محدودة بعوامل عدة، من بينها اختلاف مصالح الدول الأعضاء، والمنافسة بين القوى الكبرى داخل المجموعة، ومدى استعداد الشركاء لتحويل التوافق السياسي إلى التزامات عملية.
البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.. تكامل في الأدوار لا تبعية موحدة
رصد التحليل أوجه استمرارية بين تطور مجموعة البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، مشيرًا إلى أن الصين تعمل ضمن أطر متعددة الأطراف لربط مفاهيم السيادة والأمن والتنمية بالتعاون المؤسسي والآليات العملية.
ففي حين تعمل منظمة شنغهاي للتعاون ضمن نطاق إقليمي، وتمنح قضايا الأمن والتعاون بين الدول الأعضاء مساحة مهمة، توفر البريكس إطارًا عالميًا أوسع لتوسيع النقاش بشأن الحوكمة والاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا.
ولا يعني ذلك أن المنظمتين تشكلان هيكلًا موحدًا تديره بكين، إذ تختلف عضويتهما وأهدافهما وآليات عملهما. غير أن اتساع نطاق التعاون الاقتصادي داخل منظمة شنغهاي للتعاون، بالتزامن مع توسع اهتمام البريكس ببعض القضايا الأمنية، قد يتيح للصين استخدام المنصتين في مسارات متكاملة لتوسيع حضورها الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، أشار التحليل إلى المبادرة التي طرحها شي جين بينغ في مصر مطلع سبتمبر 2026 بشأن إقامة «هيكلية أمنية جديدة في الشرق الأوسط»، والتي تركز على تعزيز مسؤولية دول المنطقة عن أمنها، وتبني مفهوم شامل للأمن، وربط الاستقرار بالتنمية، وتوسيع التنسيق الدولي، مع التأكيد على السيادة وعدم التدخل.
ويقوم هذا التصور على أن تنطلق معالجة النزاعات أساسًا من دول المنطقة ومؤسساتها، مع توفير الأطر الدولية الأوسع الدعم السياسي والمؤسسي اللازم. ورغم أن إعلان نيودلهي لم يتبنَّ المبادرة الصينية بصورة كاملة، فإنه تضمن بعض المفاهيم المتقاطعة معها، مثل الأمن المتكامل، والحلول السياسية والدبلوماسية، والدور المحوري للمنظمات الإقليمية.
إعلان نيودلهي.. مواقف واضحة بشأن غزة ولبنان وسوريا
خصص إعلان نيودلهي مساحة مهمة لقضايا الشرق الأوسط، ولا سيما القضية الفلسطينية والحرب في غزة والتطورات في لبنان وسوريا والتوترات الإقليمية.
وفيما يتعلق بالفلسطينيين، تضمن الإعلان مواقف تدعو إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير القسري، ودعم إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة على حدود عام 1967، تشمل قطاع غزة والضفة الغربية وتكون القدس الشرقية عاصمتها.
كما أكد الإعلان دعم العضوية الكاملة لفلسطين في الأمم المتحدة، وتطرق إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
أما في الملف اللبناني، فقد دعت المجموعة إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، وأدانت الانتهاكات المستمرة لوقف إطلاق النار ولسيادة لبنان، وطالبت إسرائيل باحترام الاتفاقيات المبرمة مع الحكومة اللبنانية وسحب قواتها من الأراضي اللبنانية التي لا تزال موجودة فيها.
وتناول الإعلان كذلك قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، مدينًا الهجمات التي تستهدف أفرادها ومنشآتها.
وفيما يتعلق بسوريا، شددت المجموعة على احترام السيادة السورية ووحدة الأراضي، ودعت إلى عملية سياسية بقيادة سورية، وطالبت بانسحاب ما وصفته بقوات الاحتلال، من دون تسمية إسرائيل صراحة في هذا البند.
أما بشأن إيران والتوترات الأوسع في الشرق الأوسط وغرب آسيا، فقد ركز الإعلان على السيادة والسلامة الإقليمية وضبط النفس والدبلوماسية، وأبدى قلقًا إزاء الهجمات على المنشآت النووية المدنية الخاضعة لإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، من دون تسمية إيران في هذا السياق.
اختلاف المواقف بين البريكس ومنظمة شنغهاي يكشف حدود النفوذ الصيني
أبرز التحليل اختلاف المقاربة بين إعلان نيودلهي والبيان الصادر عن قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك مطلع سبتمبر 2026. فبينما ركزت وثائق قمة بيشكيك بصورة أوسع على حقوق إيران من دون الإشارة صراحة إلى إسرائيل، اتجه إعلان البريكس إلى تناول مجموعة أوسع من الملفات الإقليمية، مع التركيز على ضبط النفس ومنع التصعيد والعودة إلى الحوار والدبلوماسية، إلى جانب مواقف تفصيلية بشأن القضية الفلسطينية ولبنان.
ويعكس هذا الاختلاف، وفق التحليل، أن المواقف الصادرة عن المؤسسات متعددة الأطراف لا تمثل بالضرورة نسخة مطابقة من المواقف الصينية، بل تتشكل عبر التفاوض بين الدول المشاركة واختلاف أولوياتها ومصالحها.
ويشير ذلك إلى حدود قدرة بكين على فرض تصوراتها بصورة مباشرة، لكنه يوضح في الوقت نفسه قيمة النجاح في تمرير صياغات أو مبادرات تحظى بتأييد جماعي. فتبني هذه الأفكار داخل إطار متعدد الأطراف يمنحها وزنًا سياسيًا ودبلوماسيًا يتجاوز ما يمكن أن تحققه البيانات الصينية المنفردة.
كما أظهرت زيارة شي جين بينغ القصيرة إلى الهند أن تطور العمل المؤسسي داخل البريكس لا يلغي الخلافات بين أعضائها. فقد وصل الرئيس الصيني إلى نيودلهي في 12 سبتمبر، في سياق مساعٍ حذرة لتحقيق الاستقرار في العلاقات الصينية الهندية بعد أزمة الحدود عام 2020، بينما لا تزال قضايا الحدود والاختلال التجاري وسلاسل التوريد والوصول إلى الأسواق تشكل نقاط خلاف بين الجانبين.
ووفق ما أورده التحليل عن المنشورات الرسمية، اقتصر برنامج شي على اجتماع ثنائي رسمي واحد مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ولم يحضر عشاء القادة الرسمي، من دون صدور تفسير رسمي لذلك. ويعكس هذا السياق استمرار المنافسة بين أكبر قوتين آسيويتين، رغم مشاركتهما في إطار مؤسسي واحد.
التداعيات على إسرائيل.. التكنولوجيا والسياسة والأمن
يرى التحليل أن إسرائيل مطالبة بمتابعة تطورات البريكس على ثلاثة مستويات مترابطة، تشمل التكنولوجيا والاقتصاد، والمواقف السياسية والأمنية، والتحولات الاستراتيجية طويلة الأجل.
على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي، لا تقتصر المسألة على حجم التجارة الثنائية بين إسرائيل والصين، بل تمتد إلى نشوء شبكات تعاون صناعي وتقني ومؤسسي تربط بكين بدول رئيسية في الشرق الأوسط، بينها مصر والإمارات العربية المتحدة وإيران.
وتكتسب مجالات الذكاء الاصطناعي، والتصنيع الذكي، والمعايير الفنية، والتعاون الفضائي، والصحة والزراعة أهمية خاصة في هذا السياق. ومن ثم، فإن تقييم البيئة الاستراتيجية والتكنولوجية المحيطة بإسرائيل يتطلب مراقبة المعايير والأنظمة وآليات التعاون التي تتطور بين الصين وشركائها الإقليميين، وليس الاكتفاء بمتابعة العلاقات الثنائية مع بكين.
وعلى المستوى السياسي والأمني، يكشف إعلان نيودلهي عن قدرة المجموعة الموسعة على التوصل إلى مواقف مشتركة بشأن قضايا الشرق الأوسط، تتضمن انتقادات واضحة للسياسات الإسرائيلية، ولا سيما فيما يتعلق بلبنان والقضية الفلسطينية.
وفي المقابل، يظهر اختلاف المواقف بين البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون أن هذه الصياغات ليست مجرد انعكاس مباشر للموقف الصيني، وإنما نتاج مفاوضات وتوازنات بين أعضاء تختلف مصالحهم وتوجهاتهم.
أما على المستوى الاستراتيجي طويل الأجل، فيتمثل التحدي الرئيسي في احتمال تكامل تطوير الآليات العملية داخل البريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون مع مساعي الصين لتعزيز تصوراتها بشأن الحوكمة العالمية والأمن الإقليمي.
فإذا انتقلت المبادرات الصينية من الخطاب السياسي إلى مؤسسات دائمة، ومشروعات مشتركة، ومعايير متفق عليها، وآليات تنسيق فعالة، فقد يتزايد تأثيرها في البيئة الدولية والإقليمية، حتى من دون امتلاك بكين سيطرة رسمية على المؤسسات المعنية.
هل تتراجع مكانة واشنطن في الشرق الأوسط؟
لا يفترض هذا المسار بالضرورة أن تحل الصين أو مجموعة البريكس أو منظمة شنغهاي للتعاون محل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكنه قد يوسع الخيارات المتاحة أمام دول المنطقة ويمنحها بدائل إضافية في مجالات التجارة والتكنولوجيا والتمويل والدبلوماسية والأمن.
ويمكن للدول الإقليمية توسيع مشاركتها في الأطر التي تقود الصين جانبًا من مبادراتها، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بعلاقات اقتصادية وأمنية وثيقة مع واشنطن. غير أن تعدد البدائل قد يمنح هذه الدول مساحة أكبر للمناورة في علاقاتها الدولية، ويقلل اعتماد بعضها على المؤسسات والأطر التي تقودها الولايات المتحدة.
وبالنسبة إلى إسرائيل، يتركز التحدي في تقييم انعكاسات هذا التوسع على الدور الأميركي في المنطقة، وعلى طبيعة الشراكات الإقليمية، وعلى هامش الحركة المتاح لها في بيئة دولية تتزايد فيها المنافسة بين القوى الكبرى.
ويخلص التحليل إلى أن المؤشر الحاسم على نجاح الاستراتيجية الصينية لن يكون في عدد البيانات والمبادرات المعلنة، بل في مدى تحولها إلى مؤسسات مستقرة، وتخصيص موارد مالية وبشرية لها، واعتماد معايير مشتركة، وتنفيذ مشروعات عابرة للحدود، وإنشاء آليات تنسيق قادرة على إحداث تأثير ملموس.
وبذلك، تمثل مجموعة البريكس بالنسبة إلى بكين منصة محتملة لتدويل أجندتها وتعزيز حضورها في صياغة قواعد التعاون الدولي، بينما يبقى حجم التأثير الفعلي مرهونًا بقدرتها على تحويل التوافق السياسي إلى نتائج عملية، وبمدى استعداد شركائها للمضي في هذا المسار رغم استمرار الخلافات والمنافسة فيما بينهم.







