وكالات - تخوض كبرى شركات التكنولوجيا الأميركية سباقاً مكلفاً لتطوير أنظمة متقدمة للذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع توفير القدرات الحاسوبية اللازمة للشركات الناشئة العاملة في هذا القطاع سريع النمو. ومع تصاعد متطلبات الاستثمار، بدأت هذه الشركات تغيير أساليب تمويل توسعها، متجهة بصورة متزايدة إلى الاقتراض بعدما اعتمدت لسنوات طويلة على تدفقاتها النقدية الضخمة وارتفاع قيمة أسهمها.
وتبرز «ألفابت»، الشركة الأم لـ«غوغل»، و«ميتا بلاتفورمز» ضمن الشركات التي توسعت في إصدار الديون لتمويل البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. كما امتد هذا التوجه إلى شركات أخرى تسعى إلى تأمين الرقائق ومراكز البيانات والطاقة المطلوبة لتطوير النماذج وتشغيلها على نطاق واسع.
وفي أحدث المؤشرات على حجم التمويل المطلوب، أفادت «بلومبرغ» في أوائل أكتوبر بأن «سبيس إكس»، التابعة لإيلون ماسك والمرتبطة بشركة «إكس إيه آي» المطورة لروبوت الدردشة «غروك»، تجري محادثات مع بنوك ومستثمرين للحصول على تمويل بالدين يصل إلى 40 مليار دولار لشراء رقائق من «إنفيديا».
وجاء ذلك بعد أيام من تقرير آخر لـ«بلومبرغ» أفاد بأن مؤسسات مالية تعمل مع «برودكوم» على ترتيب تمويل بقيمة 60 مليار دولار لتوفير رقائق الذكاء الاصطناعي لشركة «أنثروبيك»، المطورة للمساعد «كلود»، وشركات أخرى.
إنفاق قياسي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
لم تبدأ موجة الاقتراض الأخيرة من الصفر، إذ سبقتها إصدارات كبيرة من أدوات الدين خلال العام الجاري. ففي مارس، أصدرت «أمازون» سندات في الأسواق الأوروبية للمرة الأولى، وجمعت 14.5 مليار يورو، تعادل نحو 16.2 مليار دولار. كما اقترضت الشركة أكثر من 60 مليار دولار من سوق السندات الأميركية، إلى جانب 4.25 مليار جنيه إسترليني، أو نحو 5.62 مليار دولار، من السوق البريطانية في سبتمبر.
وفي 30 أبريل، أصدرت «ميتا»، الشركة الأم لـ«فيسبوك»، سندات من الدرجة الاستثمارية بقيمة 25 مليار دولار لتمويل توسعها في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتعكس هذه الصفقات تحولاً في دور أسواق الدين لدى شركات التكنولوجيا. فالشركات التي اعتادت تمويل نموها من أرباحها التشغيلية باتت ترى في الاقتراض وسيلة إضافية لتسريع الإنفاق، خصوصاً مع احتدام المنافسة على تطوير النماذج المتقدمة وبناء القدرات الحاسوبية.
وتشير التقديرات الواردة في التقرير إلى أن أربعاً من أكبر شركات التكنولوجيا الأميركية تتوقع إنفاق نحو 745 مليار دولار مجتمعة خلال عام 2026 على مراكز البيانات ومعدات الشبكات وغيرها من البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
كيف تغيرت ممارسات التمويل لدى شركات التكنولوجيا؟
اعتمدت شركات التكنولوجيا التي نشأت خلال طفرة الإنترنت، على مدى سنوات، على إعادة استثمار أرباحها الكبيرة في أعمالها، فيما أدت السندات دوراً أقل أهمية في تمويل التوسع. لكن بدءاً من أواخر عام 2025، اتجهت شركات كبرى إلى إصدار ديون بعشرات المليارات من الدولارات لتسريع استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، جمعت شركات غير مدرجة في البورصة، مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، مليارات الدولارات من مستثمري رأس المال الجريء لتمويل نموها وتطوير منتجاتها.
وتتجه حصة كبيرة من الأموال التي تجمعها الشركات، سواء عبر الاقتراض أو إصدار الأسهم، إلى شراء المعدات والخدمات والعقارات اللازمة لتوسيع قدراتها الحاسوبية. وأعلنت «ألفابت» أن إنفاقها على البنية التحتية التقنية خلال عام 2026 سيتراوح بين 180 ملياراً و190 مليار دولار، أي نحو ضعف مستواه في العام السابق، مع توقعات بارتفاعه مجدداً في عام 2027.
وتقدم «أوراكل» مثالاً آخر على حجم الاحتياجات التمويلية، إذ تعتمد على مزيج من ديون الشركة والقروض المخصصة لمشروعات محددة لتمويل تطوير مراكز البيانات في أنحاء الولايات المتحدة.
ولا تقتصر هذه الاستثمارات على شراء الأراضي وبناء المنشآت، بل تشمل تجهيزها برقائق مرتفعة التكلفة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، إلى جانب تأمين إمدادات الكهرباء واستقطاب الكفاءات الهندسية المتخصصة.
الكيانات الخاصة وسيلة للحد من أعباء الديون
تلجأ بعض الشركات إلى إنشاء كيانات ذات أغراض خاصة، وهي شركات مستقلة تؤسس لتنفيذ أهداف مالية محددة، مثل شراء المعدات التكنولوجية وتأجيرها إلى الشركات المستفيدة. ويمكن لهذا الهيكل أن يحد من ظهور بعض الالتزامات ضمن الميزانية العمومية للشركة المستفيدة، وفقاً لطبيعة الصفقة والمعايير المحاسبية المطبقة.
وفي أواخر عام 2025، دخلت «إكس إيه آي» في محادثات لجمع ما يصل إلى 20 مليار دولار من خلال كيانات خارج الميزانية العمومية، تتولى شراء الرقائق ثم تأجيرها للشركة. كما أبرمت ترتيبات مع «أبولو» وجهات أخرى، من بينها تمويل بقيمة 7 مليارات دولار للحصول على رقائق «إنفيديا»، وفقاً للمعلومات الواردة في التقرير.
وتتيح هذه الهياكل للشركات توزيع أعباء التمويل بين أطراف متعددة، لكنها لا تلغي المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالاستثمارات، خصوصاً عندما يعتمد سداد الديون على استمرار الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي أو على عقود إيجار طويلة الأجل.
وفي موازاة ذلك، تزداد أهمية تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات. فقد اشترت «ألفابت» في أواخر عام 2025 شركة تعمل على تطوير مشروعات الطاقة النظيفة، في وقت تواجه فيه شبكة الكهرباء الأميركية ضغوطاً متزايدة لتلبية احتياجات مراكز البيانات الجديدة. كما تنفق «ميتا» مبالغ كبيرة لاستقطاب المهندسين وأصحاب الخبرات النادرة في الذكاء الاصطناعي.
لماذا تفضل الشركات الاقتراض على استخدام السيولة أو إصدار الأسهم؟
تمتلك شركات التكنولوجيا الكبرى موارد نقدية ضخمة، مدعومة بتدفقات مستمرة من أنشطتها الأساسية، ولا سيما الإعلانات والخدمات السحابية. وتتيح هذه الموارد تمويل جانب من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، مع الاحتفاظ بإمكانية اللجوء إلى أسواق الدين لتغطية الاحتياجات الإضافية.
ويوفر الاقتراض للشركات فرصة لتوزيع تكلفة الاستثمارات على فترات زمنية أطول، بدلاً من استنزاف السيولة المتاحة دفعة واحدة. كما أن إقبال المؤسسات المالية على إقراض الشركات الكبرى يجعل الحصول على التمويل بالدين خياراً جذاباً، خصوصاً عندما تتمتع الشركات بتصنيفات ائتمانية مرتفعة.
وتظل التدفقات النقدية التشغيلية مصدراً رئيسياً للتمويل. فعلى سبيل المثال، سجلت «غوغل» إيرادات تجاوزت 119 مليار دولار في الربع الثاني من عام 2026، وفقاً للأرقام الواردة في التقرير.
أما الشركات غير المدرجة، مثل «أوبن إيه آي» و«إكس إيه آي»، فقد اعتمدت بدرجة أكبر على جمع الأموال عبر بيع حصص ملكية للمستثمرين. لكن هذا المسار له حدود، لأن إصدار أسهم جديدة يقلص نسب ملكية المساهمين الحاليين، ما يجعل التمويل بالدين خياراً مهماً عندما ترغب الشركات في جمع مبالغ إضافية من دون تخفيف الملكية.
وفي هذا السياق، وسعت «أنثروبيك» خلال العام الجاري تسهيلاً ائتمانياً متجدداً قائماً ليصل إلى 15 مليار دولار، بينما رفعت «أوبن إيه آي» قيمة تسهيل مماثل إلى أكثر من 5 مليارات دولار، وفقاً لما أوردته «بلومبرغ».
موجة اقتراض استثنائية تعيد رسم أسواق الائتمان
أثارت موجة الاقتراض المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قلق بعض المستثمرين في أواخر عام 2025، عندما جمعت شركات التكنولوجيا الكبرى ما يقرب من 100 مليار دولار خلال أسابيع قليلة لتوسيع قدراتها في الحوسبة السحابية ومراكز البيانات.
وكان من أبرز الصفقات آنذاك ترتيب تمويل بنحو 30 مليار دولار مرتبط ببناء مركز بيانات تابع لـ«ميتا» في ولاية لويزيانا. وأظهرت الصفقة تنامي استخدام الهياكل التمويلية التي تجمع الأموال من خلال كيان مستقل، على أن تسدد التزاماته عبر عقد إيجار طويل الأجل مع الشركة المستفيدة.
ويسمح هذا النموذج لمشغلي مراكز البيانات بجمع مبالغ ضخمة من المقرضين إلى جانب إصدار السندات التقليدية، مع الحد من حجم الديون التي تظهر مباشرة في ميزانياتهم العمومية، بحسب تفاصيل الهيكل المالي لكل صفقة.
ومنذ ذلك الحين، توسعت إصدارات الدين المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتشير بيانات جمعتها «بلومبرغ» إلى أن مبيعات أدوات الدين المرتبطة بهذا القطاع عالمياً بلغت نحو 450 مليار دولار منذ بداية عام 2026، بما يشمل تمويل مراكز البيانات ورقائق الحاسوب وإصدارات السندات التي طرحتها كبرى شركات التكنولوجيا.
ومع تزايد المعروض من الديون وتوقع استمرار الاحتياجات التمويلية المرتفعة خلال العام المقبل، أصبح بعض المستثمرين أكثر حذراً تجاه الصفقات الجديدة، خشية أن تتجاوز احتياجات القطاع قدرة الأسواق على استيعابها من دون ارتفاع تكاليف التمويل.
وفي مؤشر على تنوع أدوات الاقتراض، أصدرت «ألفابت» سندات نادرة لأجل 100 عام في أوائل عام 2026، مستفيدة من طلب المستثمرين طويلي الأجل، مثل شركات التأمين وصناديق التقاعد. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها تمثل عودة إلى أدوات تمويل طويلة الأجل لم تستخدمها شركات التكنولوجيا على نطاق مماثل منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وفقاً للتقرير.
هل يشبه الاقتراض الحالي فقاعات استثمارية سابقة؟
تتميز موجة الاقتراض الحالية بسرعة نموها وضخامة أحجامها، فضلاً عن هوية الشركات التي تقودها. ففي طفرات سابقة، ارتبطت الزيادة الكبيرة في ديون الشركات بموجات مضاربة، مثل صفقات الاستحواذ الممولة بالاقتراض خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين استُخدمت السندات مرتفعة المخاطر لتمويل عمليات استحواذ واسعة.
لكن الوضع الراهن يختلف من جوانب مهمة، إذ إن بعض أكبر الجهات المصدرة للديون اليوم تتمتع بأرباح مرتفعة وأنشطة متنوعة واحتياطيات نقدية كبيرة، ما يمنحها قدرة أكبر على تحمل الالتزامات مقارنة بشركات كثيرة شاركت في طفرات استثمارية سابقة.
كذلك، أثار التوسع في بناء مراكز البيانات مقارنات مع الاستثمار المفرط في شبكات الألياف الضوئية خلال فقاعة الإنترنت في أواخر التسعينيات. ففي تلك الفترة، اقترضت شركات اتصالات بكثافة لإنشاء قدرات تجاوزت الطلب الفعلي، ما تسبب في ضغوط مالية عندما لم تتحقق التوقعات.
ورغم أوجه التشابه، لا يعني ذلك بالضرورة أن قطاع الذكاء الاصطناعي يسير في المسار نفسه. إلا أن حجم الإنفاق وسرعة توسع البنية التحتية يجعلان العائد على الاستثمارات عاملاً حاسماً في تحديد قدرة الشركات على مواصلة الاقتراض والإنفاق بالمستويات الحالية.
وتشير تقديرات المحللين الواردة في التقرير إلى أن التمويل بالاقتراض سيظل يمثل حصة محدودة نسبياً من إجمالي الإنفاق الرأسمالي المخطط له لدى معظم شركات التكنولوجيا الكبرى، إذ يُتوقع تمويل نحو 80% إلى 90% من هذه النفقات عبر التدفقات النقدية التشغيلية. كما يُتوقع أن تحافظ كبرى شركات تشغيل مراكز البيانات على مستويات منخفضة نسبياً من الديون مقارنة بأرباحها السنوية.
ارتفاع الديون يضغط على التصنيفات الائتمانية وتكاليف التمويل
على الرغم من قدرة الشركات الكبرى على تمويل جزء كبير من استثماراتها من مواردها الذاتية، فإن تراكم الديون قد يغير أوضاعها المالية بمرور الوقت، ويؤثر على تصنيفاتها الائتمانية وتكلفة حصولها على تمويل جديد.
وفي هذا الإطار، خفضت وكالة «إس آند بي غلوبال ريتنغز» التصنيف الائتماني لشركة «أوراكل» درجة واحدة في يوليو، مشيرة إلى زيادة الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لما أورده التقرير.
ولا تقتصر تداعيات الاقتراض على شركات التكنولوجيا نفسها، إذ يمكن للإصدارات الضخمة أن تستحوذ على جزء كبير من أموال المستثمرين المتاحة لأسواق الائتمان، بما قد يرفع تكلفة الاقتراض على شركات أخرى في قطاعات مختلفة.
كما يؤدي توسع البنوك والمستثمرين في تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى زيادة انكشافهم على قطاع لا تزال عوائده طويلة الأجل غير محسومة بالكامل. وفي حال تباطؤ نمو الطلب أو تراجع إيرادات الخدمات الجديدة، قد تواجه بعض المشروعات صعوبة في تحقيق العائد المتوقع لتغطية تكاليف التمويل والتشغيل.
ماذا لو جاءت عوائد الذكاء الاصطناعي أقل من التوقعات؟
يمثل احتمال عدم تحقق التوقعات المتفائلة بشأن الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المخاطر التي تواجه الشركات والمستثمرين. فإذا لم ينمُ الطلب بالسرعة المتوقعة، فقد تجد الشركات التي أنفقت مبالغ ضخمة على مراكز البيانات والرقائق والطاقة نفسها أمام قدرات حاسوبية فائضة، أو معدات تفقد قيمتها التقنية بسرعة.
وقد يؤدي ذلك إلى تكرار بعض نتائج التوسع المفرط الذي شهدته قطاعات البنية التحتية خلال فترات سابقة، عندما أُنشئت قدرات تشغيلية تجاوزت احتياجات العملاء الفعلية.
وفي حال جاءت الأرباح دون التوقعات، قد تتعرض التدفقات النقدية لضغوط تدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها أو زيادة الاقتراض لتغطية التزاماتها. ومن شأن استمرار هذا المسار أن يضعف أوضاعها المالية، خصوصاً إذا تزامن مع ارتفاع تكاليف التمويل أو تراجع ثقة المستثمرين.
وتمتد المخاطر إلى أسواق الأسهم والائتمان أيضاً، إذ ضخ المستثمرون أموالاً كبيرة في أسهم شركات التكنولوجيا وديونها اعتماداً على توقعات النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي. وإذا تراجعت هذه التوقعات، فقد تنخفض أسعار الأسهم وتتراجع قيمة بعض أدوات الدين، بما يعرّض المقرضين والمستثمرين لخسائر.
وبينما تواصل شركات التكنولوجيا سباقها لتطوير قدرات الذكاء الاصطناعي، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق إيرادات وعوائد تبرر حجم الإنفاق المتزايد. فالقوة المالية التي تتمتع بها الشركات الكبرى تمنحها هامشاً واسعاً للتحرك، لكنها لا تلغي المخاطر المرتبطة بتراكم الالتزامات أو احتمال أن تتجاوز الاستثمارات مستويات الطلب الفعلي.







