جمال زقوت - مصدر الإخبارية
بعد 3 سنوات على السابع من أكتوبر، لم يعد ممكناً التعامل معه بوصفه حدثاً عسكرياً منفصلاً، أو مع حرب الإبادة التي تلته باعتبارها مجرد رد إسرائيلي على هجوم غير مسبوق. نحن أمام لحظة كسرت قواعد راسخة في الصراع، لكنها لم تنتج قواعد بديلة مستقرة. لذلك تقتضي المرحلة مراجعة استراتيجية صريحة؛ لا تمجيداً للقرار ولا جلداً للذات ولا إنكاراً للمكاسب أو تهويناً من جسامة الخسائر، بل إجابة لسؤال أساسي: ما الذي تغيّر فعلاً، وكيف يمكن تحويله إلى مسار سياسي مستدام؟
لا يمكن إجراء هذه المراجعة من دون إبقاء الكارثة الإنسانية في غزة في قلب المشهد. فالقتل والتهجير والتدمير والإبادة الجماعية وفقدان شروط الحياة ليست أرقاماً في ميزان للمكاسب والخسائر. لكن فداحة الخسائر تفرض أيضاً سؤالاً سياسياً: هل استطاع الفلسطينيون تحويل التحولات التي أحدثتها الحرب والتغيير في الرأي العام الدولي بفعل وحشية الإبادة وانكشاف الطابع العنصري للمشروع الصهيوني، إلى قدرة على الفعل، أم أن الانقسام وشلل القرار سيجعلان من هذه الخسائر وقائع دائمة في المصير الوطني؟
انهيار الردع وحسابات السابع من أكتوبر
كان السابع من أكتوبر انهياراً مدوياً لمنظومة الردع والأمن الإسرائيلية، القائمة على التفوق الاستخباري والعسكري والإنذار المبكر ومنع المفاجأة الاستراتيجية. لم تفشل إسرائيل في منع الهجوم فحسب، بل أخفقت منظومة صُممت تحديداً لمنع حدث من هذا النوع. لذلك تجاوز السؤال الإسرائيلي كيفية الرد إلى سؤال أعمق: كيف عجزت أجهزة الأمن والجيش، التي شكلت ركيزة أساسية لشرعية الدولة الصهيونية، عن رؤية الخطر ومنعه؟
لكن المراجعة لا ينبغي أن تتوقف عند عقرب الدقائق: من كان يعلم، وماذا كان يعلم، ومتى كان يعلم؟ ثمة سؤال آخر يتعلق بعقرب الساعات: ماذا كانت إسرائيل تتوقع أن تنتج عقود من الاحتلال والحصار والاستيطان والسيطرة على الفلسطينيين وتجريدهم من كرامتهم وحقوقهم السياسية؟ إن الاعتقاد بأن القوة وحدها قادرة على إدارة واقع سياسي غير قابل للاستمرار إلى ما لا نهاية كان خطأً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الإخفاق في توقع الهجوم.
ومن الصعب اختزال قرار السابع من أكتوبر في هدف واحد. فقد وقع في سياق من الانقسام الفلسطيني وحصار غزة وتوسع الاستيطان والضم وتراجع القضية الفلسطينية في الأولويات الدولية، بالتوازي مع مسار تطبيع عربي ـ إسرائيلي يعيد ترتيب المنطقة من دون حل سياسي للقضية الفلسطينية. ويمكن قراءة الهجوم باعتباره محاولة لكسر هذا الواقع وإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام، ووضع إسرائيل أمام أزمة أمنية وسياسية.
لكن إحداث الصدمة شيء، والسيطرة على نتائجها شيء آخر. فهل قُدّر حجم الرد الإسرائيلي ومدته، ومستوى الدعم الأميركي والغربي الذي ستتمكن إسرائيل من حشده، وقدرة غزة على تحمل حرب طويلة بهذا الحجم؟ وهل وُجدت خطة لتحويل انهيار الردع الإسرائيلي إلى مكسب سياسي فلسطيني منظم؟
هذه الأسئلة لا تنفي أن الهجوم كسر واقعاً بدا مستعصياً على التغيير، لكنها تضع الفارق بين تغيير المشهد والقدرة على إدارة نتائجه.
حرب الابادة: استعادة الردع أم إعادة تشكيل الواقع؟
تجاوزت الحرب الإسرائيلية أهدافها المعلنة، المتمثلة في استعادة الأسرى وتفكيك القدرات العسكرية ومنظومة الحكم لحماس ومنع تكرار الهجوم. فقد سعت أيضاً إلى استعادة الردع والثقة الداخلية بالجيش والدولة، وإعادة صياغة البيئة السياسية والجغرافية التي نشأ فيها الهجوم.
ولم يبدأ هذا المسار في السابع من أكتوبر. فقد سبقته سنوات من إجهاض المسار السياسي، وتوسيع الاستيطان، وإدارة الانقسام الفلسطيني، رغم أن اتفاق أوسلو نفسه قام إلى حد كبير على شروط ملائمة لإسرائيل. لكن الهجوم أتاح للقوى التي تتبنى رؤية إسرائيل الكبرى توسيع أهداف الحرب، من استعادة الردع إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني.
ومن هنا يمكن فهم اتساع نطاق التدمير والانتقال إلى السيطرة على مساحات واسعة من القطاع، في ظل تراجع التمييز بين مواجهة القدرات العسكرية وإخضاع المجتمع الفلسطيني كله لكلفة الحرب. وقد أثار ذلك اتهامات دولية خطيرة بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
وقد مكّن الدعم الأميركي والغربي إسرائيل من مواصلة الحرب، من دون أن يتحول النفوذ الخارجي إلى ضغط كافٍ لتغيير مسارها أو فرض أثمان سياسية وقانونية فعالة.
عسكرياً، استُنزفت قدرات حماس وفُرضت وقائع جديدة، وأثبتت إسرائيل اتساع الفارق في القوة التقليدية. لكن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة انتصاراً استراتيجياً. فقد تضررت صورة إسرائيل وثقة جمهورها بمؤسساتها، واتسعت مساءلتها الدولية، فيما لم تستطع تحويل قوتها العسكرية إلى حل سياسي ينهي الصراع أو يضمن أمناً مستداماً.
وفي المقابل، استعادت فلسطين موقعاً مركزياً في الأجندة الدولية، وتوسعت المساحة القانونية والدبلوماسية التي تتحرك فيها قضيتها، وعاد حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية إلى صلب النقاش الدولي. لكن الاعتراف الدولي ليس استقلالاً، والتطور القانوني ليس إنهاءً للاحتلال، والتعاطف العالمي لا يصبح قوة سياسية ما لم يتحول إلى التزامات وضغوط تغير الوقائع.
وهنا تكمن المفارقة: فقدت إسرائيل احتكارها لصورة القوة التي لا تُهزم، لكنها لم تفقد قدرتها على فرض الوقائع بالقوة؛ واستعادت فلسطين مركزية قضيتها، لكنها لم تستعد بعد القدرة السياسية على تحويل هذه المركزية إلى استقلال.
من الصدمة إلى القدرة على الحصاد
لا يكفي السؤال عمن انتصر ومن انهزم. فالتحول الاستراتيجي لا يتحقق بمجرد إحداث صدمة تاريخية، بل حين تتغير قواعد الصراع بصورة مستدامة. والمعيار هنا هو ما إذا كان ميزان القوة قد تغير فعلاً، وما إذا كانت الوقائع على الأرض تقترب من إنهاء الاحتلال أم ترسيخه، وما إذا تحولت المكاسب الدولية والقانونية إلى التزامات قابلة للإنفاذ، وما إذا امتلك الفلسطينيون قراراً وطنياً موحداً ومؤسسات تمثل شعبهم.
ومن هنا تنتقل المراجعة إلى المسؤولية الفلسطينية. فتضحيات الشعب الفلسطيني في غزة لا يمكن اختزالها في كلفة تقابلها مكاسب سياسية؛ فحياة الناس وبيوتهم وذاكرتهم وشروط بقائهم ليست بنوداً في حساب قابل للمقايضة. لكن الوفاء لهذه التضحيات يقتضي تحويل ما خلّفته المأساة من تحولات إلى نتائج تحمي الشعب وحقوقه، وتفتح طريقه نحو الحرية والاستقلال والسيادة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل موقف السلطة الفلسطينية. فقد نأت بنفسها عما جرى، وكأن الابتعاد عن أحداث السابع من أكتوبر سيعفيها من نتائج الحرب السياسية أو يحمي المشروع الوطني من التداعيات التي سعت إسرائيل إلى فرضها. لكن هذا الموقف لم يمنع تلك التداعيات، فيما ترك فراغاً سياسياً أتاح لإسرائيل الدفع بترتيبات قد تكرّس فصل غزة عن الضفة وتمنع بلورة موقف فلسطيني موحد، إن لم يجري التصدي لها ولمخاطرها الاستراتيجية.
حكومة الوفاق
لم تكن حكومة الوفاق غير الفصائلية فكرة غائبة. فقد أعلنت حماس القبول بها في نهاية عام 2023، ثم تُوّجت بالإجماع الفصائلي والشعبي عليها في إعلان بكين في يوليو/تموز 2024. وكان من المحتمل جدًا لو لم ترفضها القيادة الفلسطينية، لساهمت في وقف الحرب وأن تأخذ دورها في ترتيبات ما يسمى باليوم التالي. إلا أن عدم الالتزام بالاتفاق وخاصة تشكيل مثل هذه الحكومة حرم الفلسطينيين من فرصة كان يمكن أن تغيّر شروط التحرك السياسي في لحظة شديدة الحساسية.
لذلك لا تكفي إدارة آثار الحرب أو إعادة إعمار غزة بمعزل عن مستقبل القضية الفلسطينية. المطلوب استعادة القدرة الوطنية على الفعل من خلال توحيد القرار والتمثيل، وتشكيل حكومة توافقية بولاية سياسية واضحة توحد غزة والضفة وتدير الإعمار باعتباره جزءاً من إعمار المشروع الوطني، بالتوازي مع إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على قاعدة تمثيل أوسع وأكثر ديمقراطية، وإن لم يلتقط الحوار الفلسطيني وضع آلية تنفيذية لاتفاق بكين، فإن ذلك سيعني إضاعة الوقت والذي للأسف أنه بات من دم و دمار ومخاطر التهجير.
إذا بقي القرار منقسماً والتمثيل مجزأً وغزة منفصلة سياسياً عن الضفة، ستظل إسرائيل قادرة على تحويل تفوقها العسكري إلى وقائع دائمة، فيما تتبدد المكاسب التي أتاحتها هذه اللحظة. أما استعادة القدرة على الفعل فتفتح الطريق من إدارة الاحتلال إلى إنهائه، ومن إدارة الانقسام إلى إعادة بناء الوحدة الوطنية، ومن إعادة إعمار غزة إلى استعادة القدرة الفلسطينية على تقرير المصير.
لم يكن السابع من أكتوبر انتصاراً أو هزيمة يمكن اختزالهما في حكم واحد. لقد كسر معادلة أمنية إسرائيلية راسخة، وكشف حدود القوة في إنتاج الأمن، وأعاد القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد. وفي المقابل، استخدمت إسرائيل تفوقها العسكري لإلحاق دمار هائل بغزة وفرض وقائع جديدة، لكنها لم من تصفية القضية الفلسطينية ولم تنتج حلاً مستقراً للصراع.
المعركة الحقيقية الآن هي على القدرة على تحويل الصدمة إلى تغيير مستدام. وهنا تقع المسؤولية الفلسطينية الأكبر: ألا تُضَيَّع القدرة على الحصاد. فالتضحيات لا تتحول إلى مكاسب بمجرد الاعتراف بها، بل حين تصبح قدرة على الفعل، وتغييراً في موازين السياسة، وقراراً وطنياً موحداً. وعندها فقط يمكن لهذه اللحظة، رغم فداحة ما لا يمكن تعويضه، أن تسهم في إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره واستقلاله الوطني.







