تل أبيب - كشف تحقيق نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، ضمن ملحق «سبعة أيام»، وأعدّه الصحافيان رونين بيرغمان ويوفال روبوفيتش، عن تفاصيل ما وصفه بخطة التضليل التي أعدتها حماس لإخفاء استعداداتها لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وإقناع إسرائيل بأن التحركات التي ترصدها لا تعني بالضرورة أن الحركة تستعد لمواجهة واسعة.
واستند التحقيق إلى وثائق ومحاضر اجتماعات ومعلومات من مصادر في المؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية، فضلاً عن روايات تتعلق بالتحذيرات التي سبقت الهجوم. ووفق ما أورده، فإن أحد المصادر الأساسية لفهم طريقة استعداد حماس يتمثل في محاضر اجتماعات هيئة داخلية سرية أُطلق عليها اسم «المجلس العسكري المصغر».
وذكر التحقيق أن هذا المجلس كان منتدى محدوداً تُناقش فيه خطط الحركة الحقيقية، بما فيها ما سمّته «المشروع الكبير»، وهو الاسم الرمزي الذي استخدمته حماس للإشارة إلى الهجوم على إسرائيل. وكانت الاجتماعات تُعقد بسرية شديدة، فيما لم تصل بعض محاضرها إلى الجهات الاستخباراتية الإسرائيلية إلا بعد اندلاع الحرب، ولم يُنشر منها على مر الزمن سوى مقتطفات.
وبحسب التحقيق، اجتمع المجلس في خان يونس في 8 يناير/كانون الثاني 2023، قبل نحو عشرة أشهر من الهجوم. وتكشف المحاضر، وفق الرواية المنشورة، عن مناقشات بشأن البيئة السياسية الإسرائيلية الجديدة، وكيف يمكن أن تسهم سياسات الحكومة في تعزيز الظروف التي اعتقدت قيادة حماس أنها تصب في مصلحة خطتها العسكرية.
وكان من بين المشاركين في الاجتماع، وفق التحقيق، مروان عيسى، نائب محمد الضيف في قيادة الجناح العسكري لحماس، الذي ورد في المحضر بلقب «أبو البراء».
وأشار التحقيق إلى أن أجواء التفاؤل التي سادت الاجتماع ارتبطت بتقديرات داخل حماس بأن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، برئاسة بنيامين نتنياهو، قد تؤدي سياساتها إلى زيادة التوتر حول المسجد الأقصى، وتعزيز الاستقطاب الداخلي والإقليمي، بما يخدم أهداف الحركة.
قرار بتأجيل المواجهات المحدودة حتى تنفيذ «المشروع الكبير»
أورد التحقيق مقتطفات من محضر اجتماع المجلس العسكري المصغر، تناولت اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير المسجد الأقصى في يناير/كانون الثاني 2023، وما اعتبرته حماس آنذاك انتهاكات وتصعيداً إسرائيلياً في المسجد.
وبحسب النص الذي نقله التحقيق، توقّع أعضاء المجلس استمرار التحركات الإسرائيلية في المسجد الأقصى خلال الفترة التالية، بما في ذلك خلال عيد الفصح اليهودي في أبريل/نيسان، وناقشوا كيفية التعامل مع التطورات من دون السماح لها بتعطيل استعداداتهم للهجوم.
وخلصت المناقشات، وفق التقرير، إلى تأجيل ما وصفته الحركة بالمناوشات الصغيرة إلى حين تنفيذ «المشروع الكبير». وشمل ذلك، بحسب شرح التحقيق، تجنب إطلاق الصواريخ باتجاه جنوب إسرائيل أو القيام بخطوات قد تستدعي رداً عسكرياً إسرائيلياً واسعاً قبل اكتمال الاستعدادات.
كما أورد التحقيق أن المجلس ناقش كيفية التعامل مع أي هجوم إسرائيلي محتمل على قطاع غزة، ونقل عن المحضر توجيهاً يقضي باستيعاب بعض الأحداث وعدم الرد عليها، لتجنب استدراج ردود إسرائيلية قد تؤدي إلى تدهور الأوضاع الميدانية.
ويقدم التحقيق هذا التوجه بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع هدفت إلى المحافظة على الهدوء النسبي على الجبهة، حتى لا تتعرض الاستعدادات للهجوم للعرقلة قبل موعد تنفيذه.
كيف قرأت حماس البيئة السياسية الإسرائيلية؟
بحسب التحقيق، اعتقد أعضاء المجلس العسكري المصغر أن سياسات الحكومة الإسرائيلية الجديدة قد تؤدي إلى تداعيات تتجاوز الساحة الفلسطينية، من خلال زيادة التوتر حول المسجد الأقصى وتوسيع دائرة المواجهة الإقليمية.
ونقل التقرير عن محضر الاجتماع أن أعضاء المجلس رأوا أن البنية السياسية والإقليمية التي قد تنشأ في ظل الحكومة الإسرائيلية ستساعدهم على المضي قدماً في مشروعهم العسكري.
وتناول التحقيق تقديرات داخل حماس بشأن إمكانية توحيد أطراف متعددة حول المسجد الأقصى، بما يشمل إيران وحزب الله وجهات أخرى ضمن ما يُعرف بمحور المقاومة، إلى جانب فلسطينيين داخل إسرائيل وفي الضفة الغربية.
وبحسب القراءة التي عرضها التقرير، كانت حماس تعتقد أن تصاعد التوتر حول المسجد الأقصى قد يساعدها على حشد دعم أوسع، وأن تجربة المواجهة في مايو/أيار 2021، المعروفة إسرائيلياً باسم «حارس الأسوار»، عززت لديها الاعتقاد بإمكانية أن يؤدي تحرك متزامن من داخل إسرائيل وخارجها إلى إضعافها.
كما أشار التحقيق إلى أن حماس لم تكن تسعى فقط إلى إعداد الهجوم، بل إلى تهيئة ظروف سياسية وإقليمية يمكن أن تساعدها على توسيع نطاق المواجهة، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم كشف نواياها الحقيقية لإسرائيل.
ومن هنا، خلصت قيادة الحركة، وفق التقرير، إلى ضرورة إعداد خطة موازية للاستعدادات العسكرية، تتمثل في تضليل الاستخبارات الإسرائيلية بشأن الأهداف الحقيقية للتحركات التي كانت ترصدها.
خطة التضليل تعود إلى عام 2016
أعاد التحقيق بداية خطة التضليل إلى نهاية عام 2016، حين وضعت حماس، بحسب الوثائق التي استند إليها، خطة عسكرية تضمنت أهدافاً مثل مهاجمة مواقع عسكرية وتجمعات سكنية إسرائيلية واختطاف جنود ومدنيين.
وذكر أن أحد أقسام الخطة نص على ضرورة إعداد خطة تضليل شاملة، تشارك في تنفيذها مختلف المستويات والهيئات بالتنسيق مع القيادة العليا. كما تضمنت وثائق تعود إلى أكتوبر/تشرين الأول وديسمبر/كانون الأول 2017 توجيهات بشأن خلق عنصر المفاجأة من خلال التخطيط الدقيق وإرباك تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية.
ويشرح التحقيق أن التضليل العسكري يمكن أن يتخذ شكلين مختلفين. الأول هو إخفاء الاستعدادات عن العدو بحيث لا يتمكن من اكتشافها، والثاني هو السماح له برؤية التحركات، لكن دفعه إلى تفسيرها باعتبارها أمراً مختلفاً عن حقيقتها.
وبحسب التقرير، أدركت حماس أن قدرتها على إخفاء جميع استعداداتها محدودة، في ظل اختراق الاتصالات ومراقبة قطاع غزة بالكاميرات والطائرات المسيّرة، فضلاً عن وسائل جمع المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية الأخرى.
لذلك، اتجهت الحركة، وفق الرواية المنشورة، إلى جعل بعض الاستعدادات مرئية، مع العمل على التأثير في الطريقة التي تُفسَّر بها تلك الاستعدادات. وكان الهدف أن ترى إسرائيل تحركات عسكرية حقيقية، لكنها تعتقد أنها تدريبات أو استعراضات قوة لا تشير إلى قرار وشيك بشن هجوم.
ويشير التحقيق إلى أن تكرار التحركات من دون أن يعقبها هجوم قد يساهم في إضعاف حساسية الجهات التي تراقبها، بحيث تصبح المؤشرات نفسها مألوفة ولا تستدعي الإنذار في كل مرة.
ونقل التقرير عن مصدر مطلع على التحقيقات الأمنية أن الهدف لم يكن مجرد معرفة ما تراه إسرائيل، بل تعويدها على مشاهدة تحركات وإشارات متكررة لا يعقبها تصعيد، بما يجعل التحذيرات أقل تأثيراً بمرور الوقت.
التدريبات الصاخبة تحولت إلى جزء من الخطة
تناول التحقيق المناورات العسكرية العلنية التي أجرتها حماس، مشيراً إلى أن المجلس العسكري المصغر ناقش أهمية تنفيذ تدريبات واضحة ومرئية بدلاً من الاقتصار على التدريبات السرية.
وبحسب المحاضر التي نقلها التقرير، كان الهدف من هذه المناورات خلق صورة لدى إسرائيل توحي بأن الحركة تستعرض قدراتها أو تدرب عناصرها، وليس أنها تستعد فعلياً لشن هجوم واسع.
وذكر التحقيق أن بعض المناورات تضمنت محاكاة لاقتحام قواعد عسكرية إسرائيلية، والسيطرة على كيبوتسات، واختطاف مسؤولين وجنود ومدنيين، إضافة إلى تدريبات على إطلاق الصواريخ وتنفيذ اختراقات هندسية.
كما أشار إلى أن تدريبات أُجريت خلال مايو/أيار ويونيو/حزيران 2023 تضمنت سيناريوهات عسكرية متقدمة، من بينها الاستيلاء على مواقع إسرائيلية واحتجاز رهائن، إلى جانب التحضير لتوسيع نطاق الهجوم.
وبحسب التقرير، فإن بعض الأوامر المتعلقة بهذه السيناريوهات ظهرت في اتصالات حماس التي كانت إسرائيل تراقبها. ومع ذلك، لم تُفسَّر تلك المؤشرات في جميع الحالات باعتبارها دليلاً على أن الحركة كانت تستعد لتنفيذ هجوم قريب.
وقال التحقيق إن حماس اعتبرت عدم ظهور مؤشرات على رفع إسرائيل مستوى التأهب بعد بعض المناورات دليلاً على نجاح جزء من خطتها، إذ أمكن تنفيذ تدريبات تتضمن سيناريوهات قريبة من الهجوم من دون أن تستنتج إسرائيل منها بالضرورة أن المواجهة باتت وشيكة.
ضابطة استخبارات حذرت من الصلة بين المناورات وخطة «جدار أريحا»
من أبرز المحاور التي تناولها التحقيق رواية ضابطة استخبارات إسرائيلية عُرفت بالحرف «ف»، وكانت تعمل في وحدة مرتبطة بجمع المعلومات عن قوات حماس وخططها العملياتية.
وبحسب التقرير، لاحظت الضابطة أن المناورات العلنية للحركة تتقاطع مع الخطة العملياتية المعروفة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية باسم «جدار أريحا»، وهي الخطة التي تناولت سيناريو هجوم واسع على إسرائيل.
وأشار التحقيق إلى أن الضابطة عملت على متابعة المعلومات المتعلقة بقوات النخبة التابعة لحماس، وحاولت لفت الانتباه إلى ما رأته من مؤشرات تتعلق باستعدادات الحركة.
وتضمنت إحدى المراسلات التي أوردها التحقيق وصفاً لتدريب قالت الضابطة إنه اشتمل على سيناريوهات لإسقاط طائرات ومروحيات، واستهداف قوات الإنقاذ، والسيطرة على كيبوتس ومنشأة عسكرية، فضلاً عن سيناريوهات لقتل أشخاص واحتجاز رهائن.
ووفق التقرير، رأت الضابطة أن هذه التدريبات تتطابق بدرجة لافتة مع أجزاء من الخطة العملياتية التي كانت قد اطلعت عليها، وهو ما دفعها إلى التحذير من أن المناورات لا يمكن التعامل معها باعتبارها استعراضاً عسكرياً عادياً.
لكن التحقيق ذكر أن هذه التحذيرات لم تحظَ بقبول واسع داخل المؤسسة الاستخباراتية. ونقل عن مراسلة داخلية أن ضابطاً مسؤولاً اعتبر سيناريو التدريب الموصوف مبالغاً فيه أو أقرب إلى الاستعراض، ودعا إلى تحديد ما إذا كان الهدف منه إظهار القوة فقط.
ويعرض التحقيق هذه الواقعة باعتبارها مثالاً على الفجوة بين المعلومات التي كانت متاحة لبعض المحللين وبين التقدير الذي تبنته جهات أخرى، والتي لم تعتبر المناورات دليلاً كافياً على اقتراب الهجوم.
مراجعة غير مكتملة للتدريبات قبل الهجوم
ذكر التحقيق أن فرقة غزة عقدت اجتماعاً في أواخر سبتمبر/أيلول 2023 لمناقشة نموذج الإنذار المبكر للهجمات، في ظل تحذيرات تتعلق بالمناورات التي نفذتها حماس.
وبحسب التقرير، قدمت الضابطة معلومات عن عدد من التدريبات التي نفذتها الحركة، لكن لم تُدعَ إلى الاجتماع الذي ناقش التقديرات المرتبطة بها.
وأضاف أن أربعة تدريبات فقط خضعت لتحليل كامل، فيما لم تخضع نسبة كبيرة من المواد إلا للاستماع الأولي، وهو ما ربطه التحقيق، على ما يبدو، بنقص الأفراد المكلفين بمتابعة المعلومات.
وأشار التقرير إلى أن الضابطة وقائدها كتبا أن التدريبات تشير إلى أن الخطة العملياتية كانت قيد التنفيذ، وأن المعلومات المتاحة ربما لا توفر إنذاراً كافياً لمنع الهجوم إذا استمرت الجهات المسؤولة في التعامل معها باعتبارها تدريبات روتينية.
لكن وجهة نظر أخرى سادت داخل الاستخبارات، وفق التحقيق، ومفادها أن التدريبات تعكس نوايا طويلة الأمد ولا تعني أن الهجوم سيقع قريباً.
ويخلص التحقيق إلى أن المشكلة لم تكن بالضرورة في غياب المعلومات، بل في عدم جمع المؤشرات المختلفة ضمن صورة واحدة، وفي تغليب التفسير الذي اعتبر أن حماس لا تزال تفضل الحفاظ على التهدئة.
الأنفاق والجدار الحدودي: نجاح تقني لم يمنع الهجوم
خصص التحقيق جزءاً من مادته للأنفاق التي حفرتها حماس تحت الحدود، وللاعتقاد الإسرائيلي بأن الجدار الذي أقيم لمواجهة خطر التسلل سيحد من قدرة الحركة على شن هجمات مفاجئة.
وذكر التقرير أن إسرائيل استثمرت موارد كبيرة في اكتشاف الأنفاق وإغلاقها، وأن عمليات البحث تطورت مع مرور الوقت. ونقل عن وثائق عسكرية أن فرقاً متخصصة عملت على طول الحدود، وأن اكتشاف مسار النفق كان يستغرق في مراحل سابقة عدة أشهر في المتوسط.
وبحسب التحقيق، جرى اكتشاف أو إغلاق 19 نفقاً عابراً للحدود أو مقترباً منها بين عام 2016 وربيع عام 2020، كما أحصت القيادة الجنوبية في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 ما لا يقل عن سبعة أنفاق تابعة لحماس جاهزة للاقتحام، إضافة إلى نفق آخر تابع لحركة الجهاد الإسلامي، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وأشار التحقيق إلى أن بعض التقديرات الإسرائيلية اعتبرت أن حماس تخلت عن الأنفاق باعتبارها وسيلة أساسية لتنفيذ عمليات تسلل واسعة، بعدما تمكن الجيش من تطوير قدراته على اكتشافها.
لكن الحركة واصلت الحفر، وهو ما أثار تساؤلات لدى بعض المسؤولين العسكريين بشأن الغرض من استمرار الاستثمار في هذا المجال رغم وجود الجدار وأجهزة الاستشعار.
وبحسب التقرير، فإن الجيش الإسرائيلي لم يدرك إلا لاحقاً أن استمرار الحفر ربما ساهم في إبقاء التركيز العسكري منصباً على التهديد تحت الأرض، في حين كان الخطر الأكبر الذي ظهر في 7 أكتوبر يتمثل في الاختراق الواسع فوق سطح الأرض.
ومع ذلك، أشار التحقيق إلى أنه لم يُكشف عن أمر موثق من يحيى السنوار يثبت أن استمرار حفر الأنفاق كان هدفه الأساسي تضليل إسرائيل، وأن الأنفاق كانت لها أيضاً أغراض هجومية فعلية.
وهكذا، يميز التقرير بين حقيقة استمرار مشروع الأنفاق وبين الاستنتاج المتعلق بما إذا كان هذا الاستمرار جزءاً متعمداً من خطة خداع أوسع.
تقديرات إسرائيلية قللت من حجم الاقتحام البري
بحسب التحقيق، لم تتجاهل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية احتمال شن حماس هجوماً برياً عبر السياج الحدودي، لكنها قدّرت أن نطاقه سيكون محدوداً نسبياً.
وأشار التقرير إلى أن تقديرات الجيش كانت تتوقع تنفيذ عدد محدود من عمليات الاقتحام، بمشاركة نحو 70 مهاجماً في كل عملية، في حين كانت حماس، وفق ما أورده التحقيق، تستعد لهجوم أوسع تشارك فيه 24 سرية هجومية، تضم نحو 2400 مقاتل.
ويقول التحقيق إن هذا الفارق في التقدير ساهم في عدم الاستعداد لحجم الهجوم الذي وقع فعلياً، إذ لم تكن إسرائيل تتوقع أن تتمكن حماس من اختراق الحدود على نطاق واسع وإرسال أعداد كبيرة من المهاجمين إلى التجمعات السكنية والمواقع العسكرية.
وأضاف أن التأخر في إدراك طبيعة الهجوم ونطاقه منح الموجات اللاحقة من المهاجمين وقتاً للوصول إلى مواقع إسرائيلية، في وقت كانت فيه القوات الإسرائيلية تحاول فهم ما يجري والتعامل مع انهيار منظومة الدفاع الحدودية.
ويضع التحقيق هذا الإخفاق ضمن سلسلة من التقديرات التي قللت من قدرات حماس ونواياها، سواء في ما يتعلق بالمناورات أو الأنفاق أو حجم القوات التي يمكن أن تشارك في الهجوم.
التفاهمات الاقتصادية ساعدت على ترسيخ الاعتقاد بالهدوء
يتناول التحقيق جانباً آخر من استراتيجية التضليل التي ينسبها إلى حماس، ويتمثل في استخدام التفاهمات الاقتصادية والإنسانية القائمة مع إسرائيل لتدعيم الاعتقاد بأن الحركة تفضل التهدئة على المواجهة.
وبحسب التقرير، كانت حماس تدرك أن إسرائيل تفسر بعض التحركات قرب السياج الحدودي باعتبارها وسيلة ضغط للحصول على مزيد من التسهيلات، مثل زيادة عدد العمال المسموح لهم بالدخول إلى إسرائيل، واستمرار المساعدات والأموال التي تصل إلى قطاع غزة.
وخلال أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2023، استؤنفت احتجاجات قرب السياج الحدودي، شملت، وفق التحقيق، استخدام عبوات ناسفة وبالونات حارقة وتحريك جرارات، إلى جانب الاقتراب من المناطق الحدودية.
ويشير التقرير إلى أن هذه التحركات فُسرت في إسرائيل باعتبارها محاولة لتحسين الشروط الاقتصادية والحصول على تنازلات، بينما أتاحت لحماس، بحسب الرواية المنشورة، الاقتراب من السياج ومراقبة رد فعل الجيش ودراسة الثغرات المحتملة.
وفي 29 سبتمبر/أيلول، توصلت الأطراف، بوساطة مصرية وقطرية، إلى تفاهمات تضمنت توسيع نطاق مرور العمال وإعادة بعض التسهيلات ووقف الاحتجاجات.
وبحسب التحقيق، اعتبرت إسرائيل أن حماس حققت مطالبها من خلال هذه التفاهمات، وأنها لم تعد تملك دافعاً مباشراً لتصعيد المواجهة. وعزز ذلك الاعتقاد بأن الهدوء النسبي يمكن أن يستمر.
ويقول التحقيق إن هذا التصور وفر تفسيراً اقتصادياً وسياسياً مقنعاً لعدم توقع الحرب، لكنه لم يعكس، وفق ما خلص إليه معدّاه، الاستعدادات العسكرية التي كانت حماس تواصل تنفيذها.
نتنياهو والتوجه نحو التسوية المدنية مع حماس
ذكر التحقيق أن نتنياهو عقد مشاورات في أواخر سبتمبر/أيلول 2023، وأنه وجّه، وفق ما ورد في التقرير، إلى احتواء التصعيد والحد منه، مع استخدام التدابير المتعلقة بالمساعدات الإنسانية والعمال.
كما تناول التقرير مشاورات محدودة أجراها نتنياهو في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، أشار خلالها، بحسب الرواية المنشورة، إلى أن الهدف النهائي يتمثل في تحقيق السلام مع السعودية.
وفي المقابل، نقل التحقيق أن رئيس الشاباك رونين بار حذر من خطورة نوايا السنوار تجاه كبار قادة حماس، وأن رئيس الأركان هرتسي هاليفي طالب بإعداد حملة عسكرية واسعة.
لكن التقدير الذي اتُّبع عملياً، وفق التقرير، ظل يقوم على أن مستوى الخطر في قطاع غزة ليس مرتفعاً بما يكفي لتغيير النهج القائم، وأنه لا يزال بالإمكان احتواء التصعيد والاستمرار في التفاهمات المدنية مع حماس.
ويرى التحقيق أن هذا التوجه عكس ترتيباً للأولويات لدى القيادة الإسرائيلية، حيث حظيت القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها مساعي التطبيع مع السعودية واحتمالات المواجهة مع إيران، بأهمية كبيرة، بينما جرى التعامل مع غزة باعتبارها جبهة يمكن إبقاؤها تحت السيطرة.
ويعرض التقرير هذا التقدير بوصفه أحد العوامل التي ساعدت على استمرار الفجوة بين الاستعدادات العسكرية لحماس وبين مستوى الإنذار والاستعداد لدى إسرائيل.
الساعات الأخيرة قبل الهجوم
تناول التحقيق أيضاً مؤشرات ظهرت في الأيام الأخيرة قبل 7 أكتوبر، قال إنها عززت الاعتقاد الإسرائيلي بأن الوضع في قطاع غزة لا يتجه نحو حرب واسعة.
وذكر أن حساب «أبو علي إكسبريس» على تطبيق تيليغرام، الذي وصفه التقرير بأنه قريب من نتنياهو، نشر في 6 أكتوبر، قبل نحو 13 ساعة من بدء الهجوم وفق التوقيت الوارد في المادة، منشوراً قال فيه إن قوات الاحتواء التابعة لحماس منعت التحركات قرب السياج الحدودي.
واستخدم التحقيق هذا المنشور مثالاً على كيفية ترسيخ التقديرات التي اعتبرت أن الحركة تعمل على ضبط الوضع الميداني ومنع التصعيد، بدلاً من الاستعداد لهجوم شامل.
وبحسب الرواية التي عرضها التقرير، كان الاعتقاد السائد أن التفاهمات الاقتصادية قد أسهمت في الحفاظ على الهدوء، وأن المناورات العسكرية لا تعدو كونها استعراضاً للقوة، وأن الجدار الحدودي يشكل عائقاً أمام تنفيذ هجوم واسع.
لكن صباح 7 أكتوبر/تشرين الأول، بدأت حماس هجومها، واتضح أن التقديرات الإسرائيلية لم تعكس حجم العملية ونطاقها.
ونقل التحقيق عن شهادات أن نتنياهو، عندما أُبلغ بالهجوم، سأل عن سبب إطلاق النار، في إشارة إلى حجم المفاجأة التي واجهتها القيادة الإسرائيلية. ويقدم التقرير هذه الرواية في سياق ما اعتبره إخفاقاً في ربط التحذيرات المتاحة بالتقدير النهائي للموقف.
التضليل بوصفه «فيروساً» داخل منظومة الاستخبارات
نقل التحقيق عن مصدر استخباراتي أن تأثير خطة التضليل لم يقتصر على تفسير معلومة منفردة، بل امتد إلى طريقة عمل المنظومة التي تجمع المعلومات وتحللها.
وشبّه المصدر هذا التأثير بفيروس ينتشر داخل النظام، فيؤثر على تفسير المؤشرات وعلى سلوك العاملين، ويجعلهم يعتقدون أن تقديراتهم سليمة حتى عندما تكون مبنية على قراءة خاطئة.
وبحسب هذا التفسير، فإن تكرار التدريبات والتحركات من دون أن يعقبها هجوم ساعد على ترسيخ افتراض أن المؤشرات نفسها لا تستدعي الإنذار، فيما أدى الاعتقاد بأن التفاهمات الاقتصادية تخدم الاستقرار إلى تعزيز القراءة التي تفضل احتواء التصعيد.
ويعرض التحقيق هذه الآلية بوصفها مزيجاً من الخداع المتعمد وسوء التقدير المؤسسي، إذ لم يكن الأمر مقتصراً على محاولة حماس إخفاء نواياها، بل شمل أيضاً الطريقة التي تعاملت بها الجهات الإسرائيلية مع المعلومات والتحذيرات المتاحة.
ومع ذلك، فإن الاستنتاجات المتعلقة بالمسؤوليات الفردية والمؤسسية تبقى جزءاً من الرواية التي يقدمها التحقيق، وليست بديلاً عن نتائج التحقيقات الرسمية أو عن الردود التي قدمتها الجهات الإسرائيلية المعنية.
مكتب نتنياهو: اتهامات سبق دحضها
رفض مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ما ورد في التحقيق، ووصفه بأنه «مجموعة من الأكاذيب المعاد تدويرها» سبق دحضها، معتبراً أن نشرها قبل الانتخابات يهدف إلى إخفاء الحقيقة عن الرأي العام.
وقال المكتب إن قادة المؤسسة الأمنية أيدوا وشجعوا تحويل الأموال إلى قطاع غزة، وإنهم حذروا من أن هذه الأموال قد تؤدي إلى التصعيد من دون تحقيق منافع، بينما أكدوا أن زيادة التسهيلات يمكن أن تعزز فرص الاستقرار.
وأضاف المكتب أن المؤسسة الأمنية لم توصِ باتخاذ إجراء استباقي ضد حماس في غزة أو عرقلة أي من كبار مسؤوليها، وفقاً لما جاء في رده.
كما شدد على أن المنحة القطرية لم تمثل سوى نحو واحد في المئة من إجمالي الأموال التي دخلت قطاع غزة، قائلاً إن تقديم هذه المنحة باعتبارها أساساً لتمويل الجناح العسكري لحماس لا يستند إلى أساس، بحسب تعبيره.
ويشكل هذا الرد موقفاً مضاداً لما يطرحه التحقيق بشأن دور التفاهمات الاقتصادية في تعزيز الاعتقاد الإسرائيلي بأن حماس تفضل التهدئة. وبينما يربط التحقيق بين هذه السياسة وبين الإخفاق في تقدير نوايا الحركة، يؤكد مكتب نتنياهو أن قرارات تحويل الأموال والتسهيلات حظيت بدعم القيادات الأمنية.
الجيش الإسرائيلي: تحقيقات معمقة واستخلاص للدروس
من جهته، قال مكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي إن الجيش أجرى خلال السنوات الثلاث السابقة تحقيقات معمقة ودقيقة تناولت عدداً كبيراً من القضايا المرتبطة بإخفاقات ما قبل الهجوم.
وأوضح الرد أن التحقيقات شملت المعلومات الاستخباراتية، والمعلومات التي جُمعت خلال الليلة السابقة للهجوم، والمعارك التي دارت صباح 7 أكتوبر، إلى جانب عمليات وملفات أخرى مرتبطة بالأحداث السابقة.
وأضاف الجيش أن التحقيقات تُدرس وتُعرض بهدف استخلاص الدروس وتطبيقها في مختلف وحداته.
وبذلك، يضع الرد العسكري تأكيداً على وجود مسار رسمي للتحقيق في الإخفاقات وتحديد الدروس المستفادة، في مقابل الرواية التي يقدمها التحقيق الصحفي بشأن كيفية قراءة المؤشرات الاستخباراتية والتعامل معها قبل الهجوم.
خلاصة التحقيق: معلومات موجودة وتقديرات أخفقت في جمعها
يرسم التحقيق صورة لإخفاق متعدد الجوانب سبق هجوم 7 أكتوبر، ويجمع بين خطة تضليل تنسبها الوثائق إلى حماس، ومناورات عسكرية تضمنت سيناريوهات اقتحام واحتجاز رهائن، وتحذيرات استخباراتية لم تحظَ بالتقدير الذي اعتبرته صاحبتها ضرورياً، وتقديرات قللت من حجم الهجوم البري المحتمل.
كما يربط التحقيق بين استمرار التفاهمات الاقتصادية مع قطاع غزة وبين الاعتقاد بأن حماس تفضل الحفاظ على التهدئة، في وقت كانت فيه الحركة، وفق الرواية المنشورة، تواصل الاستعداد لعملية واسعة.
لكن مكتب نتنياهو رفض الاتهامات والاستنتاجات الواردة، مؤكداً أن السياسة المتعلقة بالأموال والتسهيلات حظيت بدعم المؤسسة الأمنية، فيما قال الجيش الإسرائيلي إنه أجرى تحقيقات معمقة في المعلومات الاستخباراتية والعمليات العسكرية التي سبقت الهجوم.
وتبقى أهمية التحقيق في عرضه تفاصيل جديدة، بحسب معدّيه، عن كيفية إعداد حماس لخطة التضليل وعن الفجوة بين بعض التحذيرات الاستخباراتية والتقديرات التي سادت داخل المؤسسة الإسرائيلية، مع ضرورة التمييز بين ما تنقله الوثائق والشهادات، وما تقرره الجهات الرسمية في ردودها.






