خاص مصدر الإخبارية - في لحظة تاريخية شديدة الحساسية والتعقيد، يتضاعف فيها الاستنزاف الوجودي للكيانية الفلسطينية وتتآكل مقومات بقائها المؤسسي والميداني، أتى القرار الرئاسي القاضي بتجميد الاستحقاق الانتخابي وتأجيله لعام كامل، ليطلق رصاصة الرحمة — على الأقل في المدى القريب — على ما تبقى من آمال الشارع في إعادة صياغة النظام السياسي وتجديد شرعياته المتهالكة عبر صندوق الاقتراع.
لم يكن هذا القرار مجرد تفصيل إداري أو تدبير لوجستي فرضته طوارئ المرحلة، بل تشخيصاً مكشوفاً لأزمة بنيوية عميقة تعيشها القيادة والفصائل على حد سواء؛ أزمة تتأرجح بين الرعب من نتائج الديمقراطية، والعجز الفصائلي عن صياغة مشروع وطني جامع، وسط هيمنة معادلات إقليمية ودولية تُبقي الخارطة السياسية الفلسطينية مشلولة وفي حالة ارتباك ممتد.
هندسة "التأجيل الفوقي".. وتجريف الحق الدستوري
يرسم الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم ملامح هذا المشهد المأزوم بوضوح حقوقي ومؤسسي لا يداور، مشيراً إلى أن قرار التأجيل يمثل انتهاكاً صارخاً لحق أصيل مكفول في القانون الأساسي والدستور الفلسطيني، وهو حق المواطن في اختيار ممثليه وممارسة التعددية السياسية؛ هذا الحق الذي تعرض للتجميد القسري لنحو عشرين عاماً، مما أدى إلى غياب الدور الرقابي والتفقد التشريعي وشلل أدوات المساءلة بحق السلطة التنفيذية.
ويكشف إبراهيم أن الأزمة بدأت منذ لحظة الإعلان الأول؛ إذ لم يكن المرسوم الرئاسي الداعي للانتخابات نتاج توافق أو مشاورات وطنية شاملة مع الفصائل والقوى والمجتمع المدني، بل جاء كقرار فوقي منفرد صدر في ظروف استثنائية شديدة القسوة يعيشها الشعب الفلسطيني تحت وطأة حرب الإبادة والدمار الشامل.
ويؤكد إبراهيم أن نظاماً سياسياً يحكم الأراضي الفلسطينية بلا شرعية صندوق منذ نحو عقدين من الزمن لا يحق له أن يقرر نيابة عن الشعب بمرسوم منفرد، مشيراً إلى أن الإعلان الأصلي جاء اصلاً نزولاً عند اشتراطات وضغوط من أطراف دولية كفرنسا وبعض الدول العربية الداعية للإصلاح، لكن السلطة سرعان ما ارتدت إلى مبرراتها التقليدية المعهودة للهروب من الاستحقاق.
ويرى إبراهيم أن القول بوجود توافق وطني على التأجيل هو ادعاء غير دقيق ينافي الحقيقة، حيث تكمن الأسباب الحقيقية في خشية السلطة والفصائل التي أيدت القرار من جرد الحساب أمام الشارع، خاصة بعدما انكشف عجزها الميداني والسياسي والإنساني الشامل خلال الكارثة الأخيرة.
ويجزم بأن المشهد المحرك هو فوبيا الصندوق واهتزاز الثقة المطلق، مما يترك الشارع الفلسطيني — لا سيما في غزة — بلا أي أدوات ضغط أو مناصرة حقيقية للتغيير في ظل انسداد الأفق الديمقراطي.
حلقة الحوارات المفرغة.. والفيتو الإسرائيلي على الكيانية
من جانبه، ينفذ الكاتب والمحلل السياسي الدكتور ذو الفقار سويرجو إلى عمق المأزق الفصائلي، متجاوزاً الذرائع الظاهرية الداعية لمنح مهلة جديدة لترتيب البيت الداخلي.
ويؤكد سويرجو أن هذا الطرح، رغم ما يبدو فيه من منطق ظاهري، ليس سوى إعادة إنتاج لتجربة مريرة وطويلة مع ملف الحوارات الوطنية الشاملة التي ما فتئت تدور في حلقة مفرغة وتعود في كل مرة إلى المربع الأول، حيث الصراع المحموم على الشرعيات والمحاصصة الفصائلية.
ويجزم سويرجو بأن جولة الحوارات المرتقبة لن تحصد نتائج مختلفة عن سابقاتها؛ لكونها تُدار بنفس الأدوات والوجوه والفصائل والوساطات ذاتها دون تغيير في المقاربات.
وفيما يتعلق بالبدائل الشاملة كإعادة بناء منظمة التحرير أو عقد مجلس وطني جامع، يعرّي سويرجو معضلة الإرادة الفصائلية، موضّحاً أن القضية لا تكمن في غياب النصوص أو انعدام المبادرات، إذ إن منظمة التحرير هي الجسم السياسي الجاهز والموجود أصلاً، وتوحيدها على برنامج نضالي موحد كفيل بحل كل التعقيدات الأخرى، لكن الأزمة الحقيقية تتجلى في مدى توفر قيادات سياسية قادرة وجاهزة للتوافق الوطني والتضحية بمصالحها الضيقة لصالح الشارع، بينما يؤكد الواقع الحالي أن المنظومة تقف أمام قيادات عاجزة تماماً عن تلبية تطلعات جماهيرها.
وينبّه سويرجو إلى العامل المباشر والأشد خطورة، والمتمثل في أن قرار توحيد المنظومة السياسية الفلسطينية على الأرض هو قرار إسرائيلي بالدرجة الأولى وليس قراراً فلسطينياً، لكون الاحتلال لن يسمح بأي حال بإنشاء أي شكل من أشكال الوحدة التي تعيد اللحمة التشغيلية والسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وسيعمل بكل أدواته القسرية على إجهاض أي جسم فلسطيني موحد يمثل الكل الوطني.
"فوبيا الانقسام الفتحاوي".. ورعونة مصادرة الإرادة
وفي زاوية المواجهة الحزبية المباشرة، يوجه المتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، عماد محسن، انتقادات حادة ومباشرة لقرار التأجيل، واصفاً إياه بأنه استمرار لمحاولات مصادرة الإرادة الشعبية وتأبيد أزمة الشرعية التي تضرب أركان المؤسسة الفلسطينية منذ سنوات.
ويكشف محسن عن الدوافع الحقيقية المحركة لقرار التأجيل داخل أروقة السلطة القيادية، ملخصاً إياها في هاجسين محوريين: أولهما الرعب من التشتت التنظيمي الداخلي لحركة فتح والتي كانت ستخوض الاستحقاق الانتخابي مقسمة على خمس أو ست قوائم منافسة؛ وثانيهما الخشية من تصويت عقابي جارف يعبر عن غضب الشارع ورفضه للسياسات والقرارات التي اتخذتها قيادة السلطة على مدار السنوات الماضية، وهي سياسات كانت كفيلة — حال الاحتكام للديمقراطية — بالإطاحة بتلك القيادة وتجريدها من أي غطاء دستوري.
وعن خيارات المواجهة والتغيير، يوضح محسن أن قيادة التيار تعكف على تواصل سياسي مكثف مع مختلف القوى الوطنية والشخصيات المستقلة لبناء تحالف وطني وشعبي عريض، يكون قادراً على التصدي لهذا الاستيلاء على الإرادة الشعبية.
وتستند رؤية التيار للانتخابات إلى عدم التوقف عند حدود اليافطة الحزبية، بل السعي لبناء قائمة يكون في قلبها المستقلون والكفاءات الميدانية والعلمية القادرة على ممارسة دورها الحقيقي في التشريع والرقابة والمساءلة.
ويشدد محسن على أن الرهان الحقيقي اليوم يتجسد في التفات شعبوي ضاغط، مترافق مع حراك عربي ودولي يلزم قيادة السلطة بالتراجع عن هذا التأجيل المفتوح، وإصدار مرسوم ملزم بانتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة تخرج النظام السياسي من نفق التآكل والارتهان.
ارتهان الذات وانسداد آفاق التعافي
إن تأجيل الانتخابات لعام آخر لا يمثل مجرد إرجاء لعملية اقتراع، بل يعكس عملية "هروب كلي إلى الأمام" تمارسها نخبة سياسية باتت تعتاش على إدارة الأزمة وتكريس الانقسام، بانتظار متغيرات إقليمية قد لا تأتي، بينما يبقى الشارع الفلسطيني ومؤسساته الوطنية يرزحون تحت وطأة الفراغ الدستوري وفقدان الشرعية؛ مما يجعل من استعادة القرار الوطني المستقل والاحتكام للشعب ضرورة وجودية لا تحتمل التأجيل أو المساومة.







