تل أبيب - انتقد اللواء الإسرائيلي في الاحتياط جيورا إيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي الإسرائيلي، ما وصفه بإخفاق إسرائيل في فهم الواقع الأمني في قطاع غزة منذ عام 2007، معتبراً أن التصورات الخاطئة بشأن طبيعة حماس وقدراتها العسكرية أسهمت في سوء تقدير التهديد الذي واجهته إسرائيل في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وجاءت تصريحات إيلاند خلال مشاركته، صباح الثلاثاء، في مؤتمر «شعب الدولة 2026»، الذي ينظمه موقعا «واي نت» و«يديعوت أحرونوت»، حيث تناول أسباب الإخفاقات الأمنية الإسرائيلية، والفوارق بين المناطق العازلة في قطاع غزة ولبنان وسوريا.
وقال إيلاند إن ما وصفه بـ«تشويه الواقع» شكّل، بحسب تقديره، أحد أبرز الأخطاء الإسرائيلية الممتدة منذ عام 2007 وحتى ما بعد هجوم 7 أكتوبر. وانتقد الرواية التي تصوّر سكان غزة على أنهم مليونا شخص فقير وجدوا أنفسهم تحت سيطرة حركة حماس، معتبراً أن هذا الوصف لا يعكس، من وجهة نظره، طبيعة البنية السياسية والإدارية التي نشأت في القطاع.
وأضاف أن غزة أصبحت منذ عام 2007، وفق توصيفه، كياناً يمتلك حدوداً واضحة وحكومة مركزية قادرة على إدارة قطاعات الصحة والتعليم والصرف الصحي وتحصيل الضرائب، إلى جانب سياسة خارجية مستقلة وقوة عسكرية خاصة. وبناء على ذلك، قال إن الطريقة التي ينبغي بها فهم هجوم السابع من أكتوبر هي باعتباره حرباً شنتها «دولة غزة» على إسرائيل.
سوء تقدير قدرات حماس
ورأى إيلاند أن الخطأ الإسرائيلي لم يقتصر على توصيف الوضع السياسي في غزة، بل امتد إلى تقدير قدرات حماس العسكرية وطبيعة التهديد الذي تمثله. وقال إن الجيش الإسرائيلي كان يعلم منذ سنوات بوجود قوة مسلحة على الجانب الآخر من الحدود، تضم ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مقاتل، يتمتعون بالتدريب والتجهيز، ويستندون إلى دوافع دينية، ويتمركزون على مسافة قصيرة من المستوطنات والقواعد العسكرية الإسرائيلية.
وانتقد إيلاند التقديرات العسكرية التي قال إنها افترضت أن أسوأ سيناريو محتمل يتمثل في شن نحو 60 مسلحاً هجوماً متزامناً، رغم وجود قوة أكبر بكثير على الجانب الآخر من الحدود.
وعزا هذه الفجوة إلى طريقة تعريف حماس بوصفها «منظمة إرهابية»، الأمر الذي أدى، بحسب رأيه، إلى التعامل معها باعتبارها مجموعة تنفذ هجمات بأسلوب حرب العصابات، بدلاً من إدراك أنها قوة منظمة قادرة على تنفيذ هجوم واسع النطاق. واعتبر أن هذا التصنيف أسهم في التقليل من حجم التهديد والاستعدادات المطلوبة لمواجهته.
انتقادات للاستعدادات على الحدود الشمالية
وقال إيلاند إن ما وصفه بالأخطاء في تقدير التهديد تكرر أيضاً على الحدود الشمالية، مشيراً إلى إنشاء حزب الله قوة الرضوان عام 2014، والتي قال إنها تضم نحو ستة آلاف مقاتل، وإلى ما أعقب ذلك من تعزيز وجودها قرب الحدود وبناء مواقع ومخابئ وأنظمة عسكرية.
وانتقد استعدادات الفرقة 91 الإسرائيلية، المكلفة بالدفاع عن منطقة الجليل، قائلاً إنها لم تكن مجهزة، وفق تقديره، لتوفير دفاع متكامل عند وقوع هجوم واسع. وأضاف أن الدفاع الفعّال يتطلب وجود عمق ميداني وخطوط دفاع متعددة وقوات احتياط، إلى جانب قدرة نارية كافية للتعامل مع محاولات الاختراق.
وأشار إلى أن الوضع الميداني، وفق وصفه، كان يفتقر إلى هذه العناصر، إذ اقتصر على خط من المواقع الأمامية من دون عمق دفاعي أو خط ثانٍ أو احتياط مناسب، فضلاً عن عدم توافر قوة نارية كافية للتعامل مع مواقع الاختراق.
الاعتقاد المسبق بدلاً من مراجعة الواقع
وفي تفسيره للأسباب التي أدت إلى هذه الإخفاقات، قال إيلاند إن المشكلة لا تتعلق فقط بمفهوم أمني محدد، بل بطريقة التفكير التي تدفع صناع القرار إلى تبني اعتقاد مسبق بشأن ما يمكن أن يحدث وما يستحيل وقوعه، ثم تفسير المعلومات والوقائع بما يتوافق مع ذلك الاعتقاد.
وأوضح أن هذا النمط يجعل أصحاب القرار أكثر ميلاً إلى تكييف الواقع مع تصوراتهم بدلاً من مراجعة تلك التصورات في ضوء المعطيات الجديدة. ووصف هذه الحالة بأنها أخطر من مجرد تبني مفهوم أمني خاطئ، لأنها تقوم، بحسب تعبيره، على قناعات عاطفية وافتراضات متراكمة لا تخضع للفحص المستمر.
تحسن في أداء الجيش ومناطق عازلة على الحدود
ورغم انتقاداته، قال إيلاند إن أداء الجيش الإسرائيلي شهد تحسناً خلال السنوات الثلاث الماضية في جانبين رئيسيين. الأول يتعلق بالانضباط الأساسي، الذي وصف مستواه خلال هجوم السابع من أكتوبر بأنه كان سيئاً للغاية، لكنه أشار إلى أن الجيش تعلم من التجربة وأن التحسن الذي طرأ على هذا الجانب حقيقي، وفق تقديره.
أما الجانب الثاني، فيتمثل في تنامي إدراك ضرورة إقامة مناطق عازلة على الحدود. وقال إيلاند إن إسرائيل تواجه صعوبة في ضمان أمن مستوطناتها الحدودية إذا بقيت هذه التجمعات السكانية على مقربة شديدة من قوة معادية تتبنى أهدافاً هجومية، مشيراً إلى أن هذه المعضلة تنطبق على الحدود مع لبنان وقطاع غزة.
وأضاف أن وجود عدو على مسافة تقارب 200 متر من المستوطنات يجعل الدفاع عنها أكثر تعقيداً، حتى مع وجود قوات عسكرية على الحدود، ما يعزز، في رأيه، الحاجة إلى ترتيبات ميدانية تمنع القوات المعادية من الاقتراب وتنفيذ هجمات مفاجئة.
الحدود السورية وخيار الانسحاب المشروط
وفي ما يتعلق بالجبهة السورية، قال إيلاند إن التعامل معها يختلف من الناحيتين العملياتية والتكتيكية عن الوضع في لبنان، وإن الحاجة إلى السيطرة على الأراضي السورية أقل، وفق تقديره، من الحاجة إلى السيطرة على مناطق في لبنان.
وأوضح أنه لا يدعو إلى انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل داخل سوريا، لكنه اعتبر أن العودة إلى خط الحدود قد تكون خياراً ممكناً إذا توافرت خطة أمريكية تضمن منع وصول أسلحة متطورة مصنّعة في تركيا أو روسيا إلى سوريا.
وأضاف أن التخلي عن منطقة محددة داخل الأراضي السورية يمكن أن يمثل مخاطرة مبررة، شريطة أن يقابله مكسب استراتيجي أكبر، وأن تتوافر ضمانات تحقق الهدف الأمني الذي تسعى إليه إسرائيل.
وتعكس تصريحات إيلاند انتقادات واسعة لطريقة تقدير المؤسسة العسكرية الإسرائيلية للتهديدات على جبهات غزة ولبنان وسوريا، مع تركيزه على أن الاستعداد العسكري لا يتوقف عند جمع المعلومات، بل يتطلب مراجعة الافتراضات، وبناء منظومات دفاعية متعددة المستويات، وتحديد طبيعة التهديد وفق قدراته الفعلية لا وفق التصنيفات المسبقة.







