د. غسان مصطفى الشامي - مصدر الإخبارية
لم يكن ركام المنازل المدمرة يومًا نهاية الحكاية في فلسطين، وغزة على وجه الخصوص؛ فالحروب والآلام لم تستطع أن تهزم غزة الباسلة، ومهما اشتدت قسوة حرب الإبادة الجماعية التي مرّت بها، فإنها لم ولن تطفئ جذوة المعرفة والبحث العلمي في عقول أبنائها؛ فقد خرج البحث العلمي بين البيوت المدمرة، والجامعات التي طالتها النيران، والخيام البالية التي احتضنت أحلام الطلبة والأكاديميين، تنبعث حكاية فلسطينية استثنائية، عنوانها الصبر والصمود والإصرار على الحياة ومواصلة العلم والتعلّم، ورسالتها أن العلم قادر على اختراق جدران الحصار والوصول إلى المنصات العالمية، حتى في أقسى الظروف الإنسانية.
إن أساتذة الجامعات الفلسطينية والأكاديميون في غزة يؤكدوا مجددًا أن الإنسان الفلسطيني لا يُختزل في مشاهد المعاناة، وان الأكاديمي الغزي، رغم تحديات النزوح والفقد وشحّ الإمكانات، يستطيع مواصلة مسيرته العلمية وترك بصمته في ميادين البحث والمعرفة، بل إنها مفارقة المشهد الغزي: مدن مثقلة بالخراب، ومؤسسات تعليمية تعاني آثار الدمار، وعقول فلسطينية تواصل الحضور في ميادين العلم، وتتمسك بحقها في التعلّم والإنتاج والإبداع.
ولم تتوقف مسيرة الأكاديميين في الجامعة الإسلامية بغزة وجامعة الأزهر وجامعة الأقصى وغيرها من مؤسسات التعليم العالي عند حدود ما أصاب المباني والمختبرات والمكتبات؛ فقد ظل التمسك بالرسالة التعليمية والبحثية حاضرًا في وجدان كثير من العاملين في الحقل الأكاديمي، خاصة أن الأستاذ الجامعي لا يحمل المعرفة إلى قاعة المحاضرات فحسب، بل يغرس في طلبته الثقة بقدرتهم على تجاوز المحن، ويقدم لهم مثالًا حيًا على أن الظروف الصعبة لا ينبغي أن تتحول إلى حكم نهائي على مستقبل الإنسان.
ويرى كاتب المقال أن إدراج أسماء أكاديميين فلسطينيين من القدس وغزة والضفة الغربية ضمن قوائم التميز العلمي العالمية ينبغي أن يكون مدخلًا لتسليط الضوء على تجاربهم وأبحاثهم، والتعريف بمعايير التصنيفات التي حققوا فيها حضورًا متميزًا، بما يعزز الثقة بإنجازاتهم ويمنحها المكانة التي تستحقها، حيث ان التقدير العلمي الحقيقي لا يقتصر على إعلان الأسماء، بل يتطلب بيئة تضمن استمرار العطاء، وتحفظ حقوق الباحثين، وتدعم المؤسسات التي أسهمت في إعداد هذه الكفاءات.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بالمسيرة العلمية الفلسطينية الشهييد الأستاذ الدكتور سفيان تايه، رئيس الجامعة الإسلامية السابق، الذي مثّل حضوره الأكاديمي نموذجًا للعالم الفلسطيني المنخرط في البحث والإنتاج المعرفي، ولا يمكن استحضار العلماء الذين فقدتهم غزة خلال الحرب من دون التوقف عند سيرة الشهييد الأستاذ الدكتور سعيد الزبدة، رئيس الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في غزة، خاصة أن استذكار هؤلاء العلماء ليس مجرد استعادة لسيرهم المشرفة بل تذكير بحجم الخسارة التي لحقت بالجامعات والمجتمع العلمي الفلسطيني، وبما كان يمكن أن يقدموه من أبحاث واكتشافات وخبرات للأجيال المقبلة.
إن غزة المدينة الباسلة رغم جراحها وآلامها لا تزال قادرة على تقديم نماذج ملهمة في الصمود والإبداع. ويبرهن أكاديميوها أن المعرفة ليست ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد الحروب، بل ضرورة لحماية المجتمع واستعادة الحياة وبناء المستقبل، وكل إنجاز علمي يحققه أستاذ فلسطيني يمثل نافذة أمل للطلبة، ورسالة تقدير لكل من تمسك بقلمه وكتبه وأبحاثه، في وقت حاولت فيه المأساة أن تنتزع من الإنسان قدرته على الحلم.
غزة لا تحتاج إلى الرثاء وحده، بل إلى إنصاف علمائها، وإعادة بناء جامعاتها، وفتح أبواب العالم أمام باحثيها، ومن بين الركام تولد الحكايات الكبرى، ومن قلب المعاناة تستطيع المعرفة أن تشق طريقها نحو آفاق أرحب، وسيظل الأستاذ الجامعي الفلسطيني شاهدًا على أن إرادة العلم أقوى من محاولات تغييبها، وأن مستقبل غزة لا يُبنى بالحجر وحده، بل بالعقول التي تصنع الأمل وتحول المعرفة إلى قوة للحياة والنهوض من جديد.







