تل أبيب - حذر فيل جوردون، مستشار الأمن القومي السابق لنائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس خلال إدارة جو بايدن، من أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية تعرضت لأضرار كبيرة قد يصعب إصلاحها، معتبرًا أن التراجع في الدعم الأمريكي لإسرائيل خلال السنوات الأخيرة قد يستمر إلى ما بعد انتهاء المسيرة السياسية لكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال جوردون، في مقابلة مع صحيفة «جيروزاليم بوست»، إن التحول في المواقف الأمريكية تجاه إسرائيل كان سريعًا وواسع النطاق، مضيفًا أن على الإسرائيليين إدراك حجم التغير في مستويات التعاطف مع الإسرائيليين مقارنة بالفلسطينيين، وكذلك في التأييد الشعبي لإسرائيل.
ولم يستبعد المسؤول الأمريكي السابق أن يكون الضرر طويل الأمد، موضحًا أن استخدامه عبارة «ربما لا يمكن إصلاحه» كان مقصودًا، لأن احتمال تعذر استعادة العلاقة إلى سابق عهدها يظل قائمًا، رغم أن المسألة لم تُحسم نهائيًا.
وأشار جوردون إلى أن تراجع التأييد لا يقتصر على تيار سياسي واحد، وإن كانت الانتقادات لإسرائيل أكثر وضوحًا داخل الحزب الديمقراطي، مؤكدًا أن التحول في المواقف يظهر في كلا الحزبين الأمريكيين.
خلاف حول رواية مفاوضات غزة داخل إدارة بايدن
جاءت تصريحات جوردون في خضم نقاش بشأن رواية بريت ماكغورك، المسؤول البارز السابق في إدارة بايدن الذي شارك في المفاوضات المتعلقة بحرب غزة والرهائن الإسرائيليين. وكان جوردون قد حذر، في منشور على منصة «إكس»، من التعامل مع رواية ماكغورك باعتبارها التفسير النهائي لما جرى خلف الكواليس.
وقال إن شهادة ماكغورك مهمة بحكم موقعه خلال المفاوضات، لكنها لا تعكس بالضرورة وجهات نظر جميع المسؤولين السابقين في الإدارة الأمريكية.
وأضاف جوردون أن غالبية زملائه السابقين كانوا يعتقدون أن بايدن كان ينبغي أن يمارس ضغوطًا أكبر على إسرائيل لتغيير أسلوب إدارة الحرب وإنهائها في وقت أقرب، مشيرًا إلى أن كثيرين منهم لم يروا أن الخطأ الأكبر للإدارة تمثل في إظهار الخلافات مع الحكومة الإسرائيلية علنًا.
وأوضح أن حساسية الملف وأهميته دفعته إلى المشاركة في النقاش العام، مع التركيز على محاولات التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الرهائن خلال صيف 2024، وهي المرحلة التي يعتقد أنها كشفت صعوبة الوصول إلى تسوية.
اتصال 4 يوليو 2024: فرصة للتقدم في اتفاق الرهائن
استعاد جوردون تفاصيل اتصال هاتفي أجراه الرئيس الأمريكي جو بايدن مع نتنياهو في 4 يوليو 2024، في وقت اعتقدت فيه واشنطن أن المفاوضات بشأن الرهائن قد وصلت إلى نقطة تحول مهمة.
وبحسب روايته، كانت حركة حماس قد أبدت استعدادًا للتخلي عن مطلبها بضرورة الاتفاق مسبقًا على وقف دائم لإطلاق النار قبل الإفراج عن الرهائن، وهو ما اعتبرته الإدارة الأمريكية خطوة مهمة نحو التوصل إلى اتفاق.
وأوضح جوردون أن الخلاف بشأن وقف إطلاق النار الدائم ظل عقبة رئيسية خلال الأشهر السابقة، إذ أصرت حماس على التزام إسرائيلي مسبق بإنهاء الحرب، بينما رفضت إسرائيل تقديم هذا الالتزام.
لكن المفاوضات شهدت تطورًا في نهاية مايو 2024، عندما جرى إعداد مقترح يقوم على مراحل، مع إبقاء وقف إطلاق النار الدائم هدفًا نهائيًا من دون اشتراط موافقة إسرائيل عليه منذ المرحلة الأولى.
وقال جوردون إن الصياغة التي أُعدت آنذاك أتاحت للرئيس بايدن الإعلان عن مقترح في 31 مايو، يقوم على إجراء مفاوضات بحسن نية بشأن الترتيبات النهائية، بما يسمح بالتوصل إلى تهدئة مستدامة.
وأضاف أن حماس وافقت، من حيث المبدأ، على الإطار المقترح في مطلع يوليو، بما في ذلك التخلي عن مطلب الاتفاق المسبق على وقف دائم لإطلاق النار. وعلى إثر ذلك، اتصل بايدن بنتنياهو لحثه على المضي قدمًا.
غير أن جوردون قال إن الجانب الأمريكي شعر بخيبة أمل عندما رد نتنياهو بعرض مجموعة من الشروط الإضافية التي رأى أنها ضرورية لنجاح الاتفاق.
وأضاف أن الرد لم يُظهر استعدادًا واضحًا لقبول المقترح أو العمل على أساسه، بل بدا أقرب إلى الرفض، معتبرًا أن ما وصفته إسرائيل لاحقًا بأنه توضيحات لموقفها أضاف فعليًا شروطًا جديدة إلى المفاوضات.
محور فيلادلفيا وشروط إسرائيلية تعرقل التوصل إلى اتفاق
ذكر جوردون أن من أبرز نقاط الخلاف إصرار نتنياهو على الاحتفاظ بوجود عسكري إسرائيلي على امتداد محور فيلادلفيا، وهو الشريط الحدودي الفاصل بين قطاع غزة ومصر.
وقال إن هذا الشرط لم يكن جزءًا من التصور الأصلي للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إسرائيل لم تكن قد سيطرت بالكامل على المحور عندما وُضعت المقترحات الأولى، ولذلك اعتبر أن الإصرار على الاحتفاظ به شكّل شرطًا جديدًا.
وأضاف أن نتنياهو واصل التمسك بهذا الموقف خلال خريف 2024، رغم اعتراضات مسؤولين إسرائيليين بارزين، من بينهم وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت، الذي قال جوردون إنه رأى أن استمرار السيطرة على المحور بكامله ليس ضروريًا من الناحية العسكرية ويعرقل التوصل إلى اتفاق.
وتطرق جوردون كذلك إلى خلاف بشأن آلية تفتيش الفلسطينيين العائدين إلى شمال قطاع غزة، وهي آلية كانت ستتطلب بقاء القوات الإسرائيلية في وسط القطاع.
وفي منشوره السابق، اعتبر جوردون أن هذه الشروط أسهمت في تعطيل الاتفاق لنحو ستة أشهر إضافية، أشار خلالها إلى مقتل نحو 9 آلاف فلسطيني آخرين، إلى جانب وفاة مزيد من الرهائن الإسرائيليين، بينهم ستة رهائن قُتلوا على يد حماس في أغسطس 2024.
ولفت إلى أن الشرطين المتعلقين بمحور فيلادلفيا وآلية التفتيش أُسقطا في نهاية المطاف من الاتفاق الذي أُبرم في يناير 2025.
وعندما سُئل عما إذا كان نتنياهو قد تعمد تأخير الاتفاق للحفاظ على ائتلافه الحكومي، رفض جوردون التكهن بدوافع رئيس الوزراء الإسرائيلي، لكنه أقر بوجود نقاش واسع بشأن مخاوفه من فقدان الائتلاف إذا قدم تنازلات في بعض الملفات.
وقال إن نتنياهو كرر أن تحقيق «النصر الكامل» هو الخيار الوحيد، مضيفًا أن الشروط التي تمسك بها رئيس الوزراء بدت متوافقة مع مصالحه السياسية، من دون أن يجزم بأن الحفاظ على الائتلاف كان الدافع الحاسم وراء قراراته.
وشدد جوردون على أنه لا يمكن الجزم بأن مرونة إسرائيلية أكبر كانت ستضمن التوصل إلى اتفاق في صيف 2024، لكنه رأى أن التمسك بتلك الشروط جعل التوصل إلى اتفاق في ذلك الوقت أكثر صعوبة، بل حال دون إتمامه وفق تقديره.
اشتراطات الدعم العسكري تدخل التيار الرئيسي للحزب الديمقراطي
اعتبر جوردون أن أحد أبرز تداعيات الحرب في غزة يتمثل في التحول الذي طرأ على مواقف الرأي العام الأمريكي والسياسيين تجاه إسرائيل، موضحًا أن الدعوات إلى ربط المساعدات العسكرية الأمريكية بشروط محددة لم تعد رأيًا هامشيًا داخل الحزب الديمقراطي.
وقال إن اشتراطات الدعم العسكري أصبحت موقفًا سائدًا بين الديمقراطيين، مستشهدًا بتزايد عدد أعضاء مجلس الشيوخ الذين يؤيدون إجراءات لربط المساعدات الأمريكية بإجراءات إسرائيلية محددة، بما في ذلك مواقف تتعلق بخطط التطوير الإسرائيلي في منطقة «إي 1» شرق القدس في الضفة الغربية.
وأضاف أن الانتقادات لإسرائيل لم تعد محصورة في الديمقراطيين، رغم أنها أكثر حدة داخل الحزب، مشيرًا إلى وجود مواقف منتقدة في كلا الحزبين.
ورأى جوردون أن تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة وتغيير السياسات قد يتيحان فرصة لتحسين العلاقات مع واشنطن، لكنه حذر من أن استعادة الثقة ستتطلب جهدًا مستمرًا من الطرفين.
وقال إن العلاقة قد تتحسن مع حكومة إسرائيلية جديدة وسياسات مختلفة، إلا أنه شدد على ضرورة عدم التقليل من صعوبة إصلاح الأضرار التي لحقت بها.
جوردون ينتقد إدارة بايدن لعدم استخدام كل أدوات الضغط
رغم انتقاداته الحادة لنتنياهو، لم يُعفِ جوردون الإدارة التي عمل فيها من المسؤولية، معتبرًا أن واشنطن كان بإمكانها استخدام أدوات ضغط إضافية لدفع إسرائيل إلى تغيير مسار الحرب والتوصل إلى اتفاق.
ورفض اختزال الخيارات الأمريكية في مواصلة تقديم المساعدات العسكرية بلا شروط أو فرض حظر شامل على الأسلحة، مشيرًا إلى أن الإدارة كانت تأخذ في الاعتبار احتياجات إسرائيل الدفاعية في مواجهة حزب الله وإيران.
ولفت إلى أن الهجوم الإيراني بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على إسرائيل في أبريل 2024 عزز المخاوف الأمنية التي أسهمت في معارضة الإدارة الأمريكية وقف جميع إمدادات الأسلحة.
لكنه أكد أن هناك خيارات عديدة بين عدم اتخاذ أي إجراء ووقف كل المساعدات العسكرية، تشمل ممارسة الضغوط الدبلوماسية، وانتقاد السياسات الإسرائيلية علنًا، والتحرك في الأمم المتحدة، ثم فرض شروط على بعض أنواع الأسلحة.
واستشهد بقرار إدارة بايدن حجب بعض القنابل التي تزن ألفي رطل، معتبرًا أن الخطوة أظهرت إمكانية استخدام المساعدات العسكرية للتعبير عن خلاف جدي مع طريقة إدارة الحرب والتعامل مع الأزمة الإنسانية.
كما أشار إلى تعامل بايدن مع الضربة الإسرائيلية التي قتلت عاملين في منظمة «المطبخ المركزي العالمي»، قائلًا إن الرئيس الأمريكي أبلغ نتنياهو بضرورة اتخاذ إجراءات إنسانية فورية، محذرًا من تغيير السياسة الأمريكية إذا لم تُنفذ تلك الإجراءات.
وبحسب جوردون، استجابت إسرائيل وفتحت معابر إضافية، وهو ما اعتبره مثالًا على إمكانية أن تؤدي الضغوط الأمريكية إلى تغيير السياسات الإسرائيلية.
وتطرق كذلك إلى المفاوضات التي سبقت اتفاق يناير 2025، مشيرًا إلى أن ماكغورك وستيف ويتكوف مارسا ضغوطًا على الجانب الإسرائيلي خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت فوز ترامب بالانتخابات، وأن هذه الضغوط ساعدت، في تقديره، على التوصل إلى الاتفاق النهائي.
تحذيرات من تصعيد جديد بين الولايات المتحدة وإيران
وفي سياق آخر، حذر جوردون من أن المواجهة بين واشنطن وطهران تمر بمرحلة شديدة التقلب، رافضًا تقديم توقع قاطع بشأن احتمال استئناف العمليات العسكرية الكبرى قبل الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية.
وقال إن التطورات خلال العامين الماضيين أظهرت صعوبة استبعاد أي سيناريو، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة وإيران قد تعتقدان، كل من جانبه، أن عامل الوقت يعمل لمصلحته.
وأوضح أن واشنطن قد ترى أن الحصار والضغوط الاقتصادية يضعفان إيران، في حين قد تعتقد طهران أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي وما يصاحبها من ضغوط اقتصادية على الولايات المتحدة يمنحانها قدرة أكبر على الصمود.
واعتبر جوردون أن هذا التباين في التقديرات يفسر جانبًا من حالة الجمود الحالية، لكنه حذر من أن استمرارها قد يقود إلى تصعيد خطير.
وأعرب عن مخاوفه من أن تلجأ إيران إلى شن هجوم قبل أن تنهار تحت وطأة الضغوط أو تقبل المطالب الأمريكية، مستشهدًا بهجمات حوثية على السعودية بوصفها أمثلة على مخاطر اتساع نطاق المواجهة الإقليمية، مع التمييز بين الهجمات التي نفذها الحوثيون وتلك التي تنفذها إيران مباشرة.
كما أشار إلى أن ترامب تراجع، وفق تقديره، عن تنفيذ تهديدات عسكرية في مناسبات عدة خلال الشهرين السابقين، بعدما أخذ في الحسبان التداعيات المحتملة. لكنه حذر من أن هذا التراجع قد لا يستمر.
وقال جوردون إن الحرب أظهرت بالفعل عواقب غير مقصودة وخطيرة، معربًا عن خشيته من أن يؤدي استئناف تصعيد واسع لأسباب مرتبطة بالانتخابات في إسرائيل أو الولايات المتحدة إلى نتائج مأساوية إضافية.
جوردون: ضاعت فرص إنهاء حرب غزة خلال إدارة ترامب
وفي ختام المقابلة، انتقد جوردون تعامل إدارة ترامب مع قطاع غزة خلال عامها الأول، معتبرًا أن اتفاق وقف إطلاق النار والرهائن الذي تم التوصل إليه في يناير 2025 كان يمكن أن يشكل بداية لمسار مختلف، يشمل الإفراج عن جميع الرهائن، والحفاظ على وقف إطلاق النار، وتشكيل إدارة جديدة للقطاع، وبدء إعادة الإعمار.
وقال إن تلك الفرصة لم تُستثمر كما ينبغي، مضيفًا أن إسرائيل انتهكت وقف إطلاق النار في مارس، بينما لم يمارس ترامب، بحسب روايته، ضغطًا كافيًا لمنع ذلك.
وأشار إلى أن هذه المرحلة شهدت أيضًا حصارًا كاملًا على دخول الغذاء والماء والدواء استمر شهرين، ما فاقم الأزمة الإنسانية في القطاع، معتبرًا أن الضغوط الأمريكية الجدية لاستئناف وقف إطلاق النار لم تتصاعد إلا بعد الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في وقت لاحق من العام.
وأقر جوردون بأن التوصل إلى وقف إطلاق النار وخطة النقاط العشرين يمثل تطورًا إيجابيًا، لكنه شدد على ضرورة عدم تجاهل ما وصفه بتأخر التحرك الأمريكي، واستمرار الحصار وتدهور الأوضاع الإنسانية قبل ذلك.
ويرى جوردون أن إخفاقات التعامل مع حرب غزة لا ترتبط بطرف واحد، بل تشمل فرصًا ضائعة خلال إدارتي بايدن وترامب، إلى جانب قرارات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية خلال المفاوضات.
ويخلص تحذيره إلى أن تداعيات الحرب تجاوزت آثارها الميدانية والإنسانية، لتطال مكانة إسرائيل في الرأي العام الأمريكي ومستقبل علاقاتها بواشنطن، في وقت يرى فيه أن إعادة بناء الثقة ستتطلب تغييرات سياسية وجهودًا مستمرة من الجانبين.







