وكالات - تستعيد نجلاء سعيد، ابنة المفكر والباحث والناشط الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد وكبرى أبنائه، سيرة والدها وإرثه الفكري والسياسي في فيلم وثائقي جديد بعنوان «إدوارد سعيد: بين عالمين»، يعيد تقديمه بوصفه مثقفاً موسوعياً ومدافعاً بارزاً عن حقوق الفلسطينيين، إلى جانب اهتمامه بالموسيقى والأدب والفكر.
ويُعد كتاب «الاستشراق»، الصادر عام 1978، من أبرز أعمال سعيد وأكثرها تأثيراً في دراسات ما بعد الاستعمار، إذ تناول الصور النمطية التي كوّنها الغرب عن الشرق وعلاقتها بالسلطة والمعرفة. وُلد سعيد في فلسطين، وتلقى تعليمه في الولايات المتحدة، ودرّس الأدب المقارن في جامعة كولومبيا بين عامي 1963 و2003، كما كان عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني، ومن أبرز المدافعين عن حقوق الفلسطينيين في الولايات المتحدة، داعياً إلى الاعتراف بالنكبة.
ومنذ وفاته عام 2003، ظل إرثه الفكري حاضراً في النقاشات المتعلقة بفلسطين والهوية والاستعمار، واكتسبت كتاباته اهتماماً متجدداً في ظل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وما رافقها من خسائر بشرية واسعة.
ويستعرض الفيلم، من إخراج مايكن بيرد، التي أخرجت «غيسلين ماكسويل: الثراء القذر» (Ghislaine Maxwell: Filthy Rich)، وإنتاج أليكس غيبني، المعروف بفيلم «ماسك» (Musk)، محطات من حياة سعيد ونضاله. ويرسم صورة إنسانية له بوصفه أكاديمياً وعازف بيانو محترفاً ألّف أربعة كتب عن الموسيقى، فضلاً عن كونه صوتاً بارزاً في الدفاع عن الحقوق المدنية للفلسطينيين، رغم ما واجهه من سخرية واحتقار وتهديدات.
وبعد عرضه في مهرجاني تورونتو ونيويورك السينمائيين، لا يزال الفيلم يبحث عن جهة تتولى توزيعه.
وشاركت نجلاء في إنتاج العمل بصفتها مستشارة، وقدّمت لفريقه مواد أرشيفية عائلية، شملت تسجيلات منزلية وصوراً فوتوغرافية، للمساعدة في تقديم صورة أكثر اكتمالاً عن والدها.
وفي حوار مع مجلة «فرايتي»، تحدثت نجلاء سعيد عن والدها وتجربته السياسية والأكاديمية، وعن تعامل الإعلام الأميركي مع القضية الفلسطينية، والتحولات التي شهدتها جامعة كولومبيا، فضلاً عن رؤيتها لمستقبل النضال من أجل الحقوق الفلسطينية.
فيلم يعيد تقديم إدوارد سعيد إلى جمهور جديد
تقول نجلاء سعيد إن التواصل مع مخرجة الفيلم مايكن بيرد جاء بعد بضعة أشهر من هجمات السابع من أكتوبر 2023، وإنهما تحمستا لفكرة تقديم فيلم وثائقي يروي قصة والدها بوصفه إنساناً متكاملاً، مع الاعتماد على كلماته وتسجيلاته في سرد حياته.
وترى أن توقيت المشروع أتاح فرصة للوصول إلى جمهور أوسع، في وقت أصبح فيه الحديث عن فلسطين حاضراً بقوة في نشرات الأخبار والبودكاست والنقاشات العامة.
وتضيف أن الفترة التي أعقبت السابع من أكتوبر كانت صعبة على العرب الأميركيين والفلسطينيين الأميركيين، مشيرة إلى أنها بدأت تسمع أشخاصاً يستشهدون بأفكار والدها وحججه من دون معرفة مصدرها.
وتؤكد أن الفلسطينيين يتحدثون عن قضيتهم ويكتبون عنها بوضوح وبلاغة منذ عقود، وأن التعرف إلى هذا التاريخ ضروري لفهم جذور القضية وسياقها.
تهديدات وضغوط رافقت دفاعه عن الفلسطينيين
تقول نجلاء إن فهمها لطبيعة عمل والدها بوصفه مدافعاً عن القضية الفلسطينية تبلور خلال طفولتها، ولا سيما مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عندما كانت في الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من عمرها، وبدأت تراه يظهر باستمرار على شاشات التلفزيون.
وتضيف أنها شعرت بالفخر به، لكنها أدركت لاحقاً حجم الضغوط التي تعرض لها، إذ تلقى تهديدات بالقتل بصورة متكررة، واضطر إلى الاستعانة بحراس شخصيين، كما تعرض مكتبه لهجوم بقنابل حارقة.
وتوضح أن والدها كان يشعر أحياناً بأنه الشخص الوحيد الذي يُمنح فرصة الرد على خصومه في المناظرات والبرامج التلفزيونية، وكأنه مطالب بحمل القضية الفلسطينية بأكملها على عاتقه.
وتشير إلى أن مقدمي البرامج كانوا يتعاملون معه أحياناً باستعلاء ويوجهون إليه كلاماً مهيناً، معتبرة أن هذا النوع من المواجهات ترك أثراً نفسياً واضحاً عليه. وفي أواخر حياته، قرر التوقف عن بعض المقابلات التلفزيونية بعدما لم يعد يرى أن ما تسببه له من ضغوط يستحق العناء.
كما تتحدث عن معرفتها بأن والدها كان على الأرجح مدركاً لخضوعه للمراقبة من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، مستعيدة ذكريات طفولتها حين كانت تمزح مع صديقتها بشأن التنصت على مكالماتهما، قبل أن تدرك لاحقاً أن الأمر كان ينطوي على مخاطر حقيقية.
نجلاء سعيد تنتقد التغطية الإعلامية للقضية الفلسطينية
تقول نجلاء إن عدد الأصوات التي تدافع عن الفلسطينيين في وسائل الإعلام أصبح أكبر مما كان عليه في السابق، لكنها ترى أن المؤسسات الإعلامية لا تزال تمنح مساحة أكبر أحياناً لأصوات يهودية أو إسرائيلية من اليسار، بدلاً من استضافة فلسطينيين للحديث عن تجاربهم ومواقفهم.
وتصف التغطية الإعلامية للقضية الفلسطينية بأنها منحازة، مستشهدة بما شاهدته خلال الاعتصامات الطلابية في جامعة كولومبيا، حيث تقول إنها رأت طلاباً يقرؤون ويتحدثون ويتناولون الطعام، ثم شاهدت تقارير تلفزيونية قدمت، بحسب روايتها، صورة مختلفة عما عاينته بنفسها.
وترى أن الفجوة بين المشاهدات المباشرة والتغطيات الإعلامية كانت سبباً في شعورها بالغضب والحزن، مضيفة أنها تساءلت عما كان يمكن أن يفعله والدها لو كان حياً وشهد تلك الأحداث.
وتستعيد نجلاء موقف جامعة كولومبيا عندما واجه والدها مساءلة بسبب إلقائه حجراً، قائلة إن الجامعة وقفت آنذاك دفاعاً عن الحرية الأكاديمية، بينما تشعر اليوم بأن المؤسسة التي احتضنت والدها لم تعد كما عرفتها الأسرة.
وتصف الأمر بأنه مؤلم على المستوى الشخصي، لأن الحرم الجامعي كان بمثابة بيت للعائلة، ولأن أرشيف والدها لا يزال محفوظاً في مكتبة بتلر بالجامعة، التي تستقبل زواراً كثيرين.
وترى مفارقة في احتفاء الجامعة بإرث إدوارد سعيد، بالتزامن مع ما تعتبره تراجعاً عن المبادئ التي دافعت عنها في السابق، مؤكدة أن ذلك زاد شعورها بالاغتراب والعداء في أماكن كانت تعدها جزءاً من حياتها.
انتقادات لباري وايس ومخاوف بشأن الإعلام الأميركي
تعبّر نجلاء عن غضبها من صعود باري وايس إلى إدارة «سي بي إس نيوز»، مشيرة إلى أنها تتذكر محاولاتها، عندما كانت طالبة، الدفع إلى فصل أساتذة في جامعة كولومبيا بسبب مواقفهم من إسرائيل ودفاعهم عن حقوق الفلسطينيين.
وترى نجلاء أن تولي وايس منصباً قيادياً في مؤسسة إعلامية كبرى يثير لديها مخاوف بشأن التعامل مع الأصوات المؤيدة للفلسطينيين وحرية التعبير داخل المؤسسات الإعلامية.
كما تتحدث عن مخاوفها من التغيرات في ملكية منصات التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن «تيك توك» أتاح مساحة واسعة للشباب للتعرف إلى الروايات الفلسطينية ومناقشة انتهاكات حقوق الإنسان.
وتقول إنها تخشى أن تؤثر التغييرات في ملكية المنصة على قدرتها على إتاحة هذه الأصوات، معتبرة أن منصات التواصل أسهمت في توسيع نطاق النقاش بشأن فلسطين، ولا سيما بين الأجيال الأصغر سناً.
التضامن مع الفلسطينيين بعد السابع من أكتوبر
تقول نجلاء إنها خسرت عدداً من أصدقائها بعد السابع من أكتوبر، ومن بينهم أشخاص عرفتهم منذ طفولتها، بعدما تغيرت مواقفهم من القضية الفلسطينية.
وفي المقابل، تشير إلى أن أصدقاءها السود وغير البيض كانوا من أكثر الأشخاص تفهماً لما تمر به، ووقفوا إلى جانبها خلال تلك الفترة.
وترى أن هذا التضامن يرتبط جزئياً بإرث حركة «حياة السود مهمة» وبمناهضة العنصرية، معتبرة أن التجارب المشتركة في مواجهة التمييز ساعدت بعض الأشخاص على فهم معاناة الفلسطينيين.
وتصف هذا الدعم بأنه أحد مصادر الأمل القليلة التي تمسكت بها، في وقت شعرت فيه بأن دوائر اجتماعية قديمة تخلت عنها.
ماكليمور وفلسطين: الفن بوصفه مساحة للموقف السياسي
تعبّر نجلاء عن إعجابها بمغني الراب ماكليمور بسبب مواقفه المؤيدة لفلسطين خلال السنوات الأخيرة، وترى أنه لم يكتف بإعلان التضامن، بل أظهر اهتماماً واضحاً بالقضية، بما في ذلك من خلال أغنيته «هندز هول» (Hind’s Hall).
وتربط بين الجدل حول مواقف الفنانين من فلسطين وعدد من القضايا الأوسع، من بينها نفوذ أصحاب الثروات الكبرى، وحرية التعبير، ودور المؤسسات الثقافية والإعلامية في تحديد الأصوات التي تصل إلى الجمهور.
وتقول إن هذه الملفات تداخلت في نقاش واحد استطاع كثيرون التفاعل معه، مضيفة أنها لم تكن تتوقع أن يأتي أحد الأصوات البارزة المدافعة عن فلسطين في عالم الهيب هوب من فنان أميركي أبيض من سياتل، لكنها سعيدة بأنه اتخذ هذا الموقف.
زهران ممداني وعلاقة عائلية قديمة
تتحدث نجلاء بإيجابية عن زهران ممداني، مشيرة إلى أن أسرتها تعرف عائلته منذ سنوات طويلة، وأنها عرفته عندما كان طفلاً، كما كان والدها يعرفه في تلك المرحلة.
وتقول إنها ترى أنه يؤدي عملاً جيداً، وإنها تتفهم أنه سياسي ديمقراطي يعمل ضمن النظام السياسي القائم، ولذلك لا تتوقع منه تبني مواقف ثورية في كل الملفات.
وتضيف أنها مستعدة لتقبل عدم كماله، وتؤمن به على المستوى الإنساني، واصفة إياه بأنه شخص طيب ويتمتع بكاريزما وقدرة على التفكير المتأني.
وتستعيد ذكريات والدها وهو يتحدث هاتفياً مع ميرا، والدة ممداني، ويسألها عن ابنها عندما كان صغيراً، مشيرة إلى أن العلاقة بين العائلتين تعود إلى سنوات طويلة.
خلافات سياسية قديمة مع بنيامين نتنياهو
تستعيد نجلاء موقفين جمعا والدها ببنيامين نتنياهو، قائلة إن الأخير تراجع عن مناظرة تلفزيونية معه، واتهمه بأنه «إرهابي» و«معادٍ للسامية».
وتضيف أن مواجهة أخرى وقعت عندما كان الاثنان على متن الطائرة نفسها، إذ جلسا في مقعدين متقابلين عبر الممر، قبل أن يطلب نتنياهو من المضيفة نقله إلى مكان آخر.
وبحسب روايتها، عندما سأل والدها عن سبب الانتقال، أبلغته المضيفة بأن نتنياهو قال إنه يريد قتله.
وتستحضر هذه الوقائع لتوضيح طبيعة المواجهات التي كان والدها يخوضها خلال دفاعه عن الحقوق الفلسطينية في المجال العام الأميركي.
لماذا تواجه الأفلام المؤيدة لفلسطين صعوبة في التوزيع؟
تقول نجلاء إن فيلم «إدوارد سعيد: بين عالمين» لا يزال يبحث عن موزع، رغم عرضه في مهرجاني تورونتو ونيويورك السينمائيين، وتشير إلى أن أفلاماً أخرى مؤيدة لفلسطين، من بينها «لا أرض أخرى» (No Other Land)، واجهت بدورها تحديات في الوصول إلى قنوات التوزيع التقليدية.
وترى أن هناك اهتماماً شعبياً واسعاً بالقضية الفلسطينية، لكن هذا الاهتمام لا ينعكس بالضرورة على استعداد شركات التوزيع لدعم الأفلام التي تتناولها.
وبحكم عملها ممثلة وكاتبة مسرحية، تقول إنها تدرك أهمية السينما في إيصال القصص إلى جمهور واسع، وتأمل أن يجد الفيلم جهة تتولى توزيعه.
وتعتقد أن اعتماد العمل على مواد أرشيفية قد يمنحه فرصة للوصول إلى الجمهور، لأنه يقدم سيرة شخصية وتاريخية، بدلاً من الاقتصار على تناول الأحداث الراهنة.
لكنها تشير إلى أن جمع التمويل وإقناع الجهات المختلفة بالمشاركة في إنتاجه لم يكن أمراً سهلاً.
حل الدولة الواحدة: الحقوق المتساوية أساس التسوية
تؤكد نجلاء أن والدها كان يؤمن بأن حل الدولة الواحدة التي يتمتع فيها الفلسطينيون والإسرائيليون بحقوق متساوية هو الخيار القابل للاستمرار، وترى أنه كان سيظل متمسكاً بهذا المبدأ رغم ما شهدته السنوات الأخيرة من عنف ودمار.
وتقول إن عزل الفلسطينيين عن الإسرائيليين لن يؤدي إلى حل الأزمة، وإن الطريق إلى تسوية قابلة للتحقق يبدأ بضمان الحقوق المتساوية للجميع.
وتضيف أنها لا تعتقد أن والدها كان سيتخلى عن هذا الموقف، وإن كان سيدرك أن الوصول إليه أصبح أكثر صعوبة في ظل التطورات الراهنة.
الاعتراف بالنكبة وفهم التاريخ الفلسطيني
في ختام الحوار، تقول نجلاء إنها تأمل أن يساعد الفيلم الجمهور، ولا سيما الشباب، على فهم التاريخ الفلسطيني والتعمق في تفاصيله، بدءاً من الأحداث التي سبقت عام 1948 وصولاً إلى النكبة وما تلاها.
وتؤكد أهمية الاعتراف بما حدث للفلسطينيين، مشيرة إلى أن المواد الأرشيفية التي يتضمنها الفيلم، بما فيها تسجيلات عائلية مصورة بكاميرا «سوبر 8»، تتيح للجمهور رؤية ملامح مجتمع فلسطيني فُقد، والتعرف إلى الحياة التي سبقت النكبة.
وترى أن فهم هذه التفاصيل ضروري لمواصلة النضال من أجل الحقوق الفلسطينية والمضي قدماً، معربة عن أملها في أن يتعرف المشاهدون أيضاً إلى الجانب الإنساني من شخصية والدها، الذي تصفه بأنه كان مرحاً وظريفاً وجذاب الحضور، إلى جانب مكانته الفكرية والسياسية.
وبالنسبة إلى نجلاء، لا يقتصر الفيلم على استعادة سيرة مفكر بارز، بل يمثل محاولة لإعادة تقديم إنسان عاش بين عالمين، وجمع بين البحث الأكاديمي والعمل السياسي والفن، وكرّس جانباً كبيراً من حياته للدفاع عن حقوق الفلسطينيين.







