خاص مصدر الإخبارية - مع حلول الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر، كشفت أعوام المواجهة المفتوحة عن انزياح جوهري وغير مسبوق في طبيعة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ إذ لم تعد المعركة محسومة فقط بأدوات النار والتدمير الميداني على الأرض، بل انتقل ثقلها الأساسي إلى ساحات متوازية تتمثل في حرب الرواية التاريخية، وتثبيت الشرعية، والتكييف القانوني أمام المنظومة الدولية.
وفي هذا السياق، يضع المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور شفيق التلولي معالم خريطة التغير الجيوسياسي، مؤكداً أن الحراك الدولي المتعاقب وقرارات المحاكم الأممية نجحا في إسقاط منطق إدارة الأزمة والتعامل مع الاحتلال كواقع دائم، شريطة أن ينتقل الفعل الدبلوماسي العربي والفلسطيني من مربع الترحيب الرمزي إلى استراتيجية الضغط السياسي الموجب.
تجلت أولى ملامح هذا التحول في موجة الاعترافات المتلاحقة بالدولة الفلسطينية التي أعلنتها عواصم غربية ودولية بارزة على مدار الأعوام الثلاثة الماضية.
ويرى الدكتور شفيق التلولي أن هذه الخطوات تعكس تحولاً ديناميكياً يحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية، إلا أنها تظل غير كافية ما لم تُترجم إلى أداة ضغط سياسي عملي ومباشر تجبر الاحتلال على الانكفاء، وتفضي إلى تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وبناءً على ذلك، تبرز الحاجة الماسة لتوفير شبكة أمان سياسية وقانونية ودبلوماسية تحمي هذه الاعترافات، وترتب عليها استحقاقات ملزمة تحصن الحقوق المكتسبة من سياسات فرض الأمر الواقع.
وعلى صعيد المسار القضائي، شكلت القرارات والمقررات الصادرة عن محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية علامة فارقة في سياق الصراع.
يوضح التلولي أن هذه المؤسسات الأممية نجحت في إعادة القضية الفلسطينية إلى رأس جدول أعمال القانون الدولي والمساءلة، وأعادت الاعتبار لمنظومة العدالة الإنسانية، متجاوزة السردية الإسرائيلية التي حاولت الاستمرار في فرض الاحتلال كحالة ناجزة لا رجعة عنها.
ومع ذلك، يشدد المحلل السياسي على أن القضاء الدولي بمفرده لا ينهي الاحتلال؛ ما يتطلب ابتکار أدوات سياسية دولية فاعلة تتولى ترجمة القرارات القضائية إلى إجراءات عملانية ملزمة تجبر حكومة الاحتلال على الامتثال لإرادة المجتمع الدولي.
وفي نطاق الحسابات الدولية الدقيقة، ينتقد الدكتور شفيق التلولي ارتهان الحقوق الوطنية الفلسطينية بالتقلبات والانتخابات الداخلية في واشنطن، موضحاً أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة طالما صممت سياساتها وفق حساباتها الصندوقية والمصالح الحزبية الضيقة.
ويؤكد التلولي أن الواجب الأخلاقي والقانوني يفرض على الولايات المتحدة التعاطي مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية حقوق وطنية وقانون دولي صريح، عبر دعم مسار سياسي ينهي الاحتلال ويضمن استقرار الشرق الأوسط، بدلاً من التغطية المستمرة على السلوك العدواني.
ويضيف أن التحولات المتسارعة نحو نظام دولي متعدد الأقطاب تجعل من الدعم الأمريكي المفتوح لإسرائيل سبباً رئيسياً لخسارة واشنطن لمكانتها الدولية، بعد أن أضحت إسرائيل عبئاً استراتيجياً وأخلاقياً على الإدارة الأمريكية.
وفي ختام القراءة، يتحدد التحدي الوطني الفلسطيني الشامل في ضرورة إدراك أن الصراع المعاصر يتجاوز الثبات الميداني ليمتد بكامل ثقله إلى معركة الرواية والشرعية الدولية.
إن المطلوب فلسطينياً في هذه اللحظة الفارقة هو استثمار هذا التحول الدولي لصياغة مسار سياسي سيادي يقطع الطريق أمام محاولات حكومة الاحتلال لإعادة فرض رؤيتها الأمنية والعسكرية، وتكريس الوقائع الاستيطانية التي أحدثتها على الأرض والإنسان، لتحويل الزخم القانوني والدبلوماسي إلى واقع ملموس ينهي الاحتلال ويجسد الدولة المستقلة.







