تل أبيب - بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم 7 أكتوبر، لا تزال المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقر بأن الحرب في قطاع غزة لم تصل إلى حسم نهائي، رغم مرور عامين ونصف على تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي قال فيها إن إسرائيل باتت «على بُعد خطوة واحدة من النصر».
وبحسب ما نشرته صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية، أن تقييمات أمنية إسرائيلية، فإن الجيش الإسرائيلي حقق مكاسب عسكرية واسعة داخل القطاع، ويحافظ على وجود عسكري قوي في مناطق مختلفة، إلا أن النتيجة الأساسية للحرب، وفق هذه التقييمات، لم تتغير: حركة حماس لا تزال تحتفظ بالسيطرة على السكان في أجزاء واسعة من غزة، ولم تتخلَّ عن سلاحها أو قدرتها على إدارة شؤون القطاع.
وتشير المعطيات التي تستعرضها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى أن الجيش يسيطر حاليًا على نحو 64% من مساحة قطاع غزة، من خلال انتشار فرقتين عسكريتين ونحو 30 موقعًا متقدمًا، فيما تتمركز القوات على خطوط جديدة تغيرت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل هجوم 7 أكتوبر.
ويقول مصدر أمني إسرائيلي رفيع، وفق ما نقلته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن طبيعة الدفاع الإسرائيلي تغيرت بصورة جوهرية، موضحًا أن الجيش لم يعد يعتمد فقط على خطوط المواجهة، وإنما أقام منظومة انتشار داخل القطاع تسمح له بالتعامل سريعًا مع أي تحرك لحماس.
وأضاف المصدر أن القوات الإسرائيلية باتت تتمتع، وفق التقييم العسكري، بـ«سيطرة قوية ومستقرة للغاية» في المناطق التي تنتشر فيها، معتبرًا أن أي محاولة من جانب حماس لتنفيذ هجمات ستواجه القوات المنتشرة في الخطوط الأمامية.
تحصينات جديدة على الحدود
وفي إطار تثبيت مواقع الجيش، تعمل القوات الإسرائيلية على إنشاء حاجز مضاد للمركبات يتضمن خندقًا واسعًا وسدودًا ترابية، بالتوازي مع عمليات حفر وفحص متكررة للأرض للتأكد من عدم وجود أنفاق يمكن أن تصل إلى الأراضي الإسرائيلية.
وتجري هذه الأعمال على الجانب الشرقي من الخط الأصفر، الذي يقسم القطاع إلى منطقتين، ويفصل المناطق التي تسيطر عليها القوات الإسرائيلية عن المناطق التي لا تزال حماس تفرض نفوذها فيها.
ولا يقتصر النشاط العسكري الإسرائيلي على تثبيت خطوط الانتشار، إذ تواصل القوات تنفيذ عمليات استهداف واغتيال لعناصر وقيادات في حماس، في إطار سياسة تقول المؤسسة الأمنية إنها تهدف إلى منع الحركة من إعادة بناء قدراتها العسكرية.
وبحسب مصادر أمنية إسرائيلية، أحبط الجيش خلال شهر واحد نحو 70 عملية وصفتها بأنها تخريبية أو معادية، بينها عمليات مرتبطة بثلاثة قادة ألوية.
وتقول المصادر إن الجيش يتجنب في بعض الحالات تنفيذ الضربات بصورة فورية، بهدف اختيار التوقيت الذي يسمح بتحقيق الهدف العسكري مع تقليل الخسائر الجانبية، مؤكدة أن عمليات استهداف عناصر حماس ستستمر بصورة متدرجة.
لماذا لا تزال حماس تسيطر على غزة؟
ورغم الضربات العسكرية الواسعة، تظل القضية الأكثر حساسية بالنسبة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية هي قدرة حماس على الحفاظ على نفوذها داخل المجتمع الغزي، وعلى مواصلة إدارة أجزاء من الحياة اليومية، فضلًا عن احتفاظها بالأسلحة.
ويربط مسؤولون أمنيون إسرائيليون ذلك بشكل مباشر بغياب خطة سياسية واضحة بشأن مستقبل قطاع غزة، معتبرين أن الفراغ السياسي واستمرار حالة الجمود يمنحان حماس مساحة للحفاظ على نفوذها، حتى بعد الضربات التي تلقتها بنيتها العسكرية خلال السنوات الثلاث الماضية.
وتبرز المساعدات الإنسانية التي تدخل القطاع باعتبارها إحدى الأدوات التي تقول إسرائيل إن حماس تستفيد منها في الحفاظ على نفوذها. وبحسب المصدر الأمني، تمر الشاحنات التي تدخل غزة عبر معبر كرم أبو سالم، وتحمل المواد الغذائية والوقود والغاز وغيرها من الإمدادات.
وتتهم إسرائيل حماس بالسيطرة على جزء من هذه السلع بعد دخولها القطاع، ثم توزيعها عبر التجار وجمع الأموال والضرائب، بما يوفر للحركة مصادر تمويل تساعدها على استمرار نفوذها.
وتشير تقديرات المؤسسة الأمنية إلى أن نحو 600 شاحنة تدخل القطاع يوميًا، فيما تقول المصادر الإسرائيلية إنه لا يوجد حاليًا حل كامل يمنع حماس من الاستفادة الاقتصادية من جزء من هذه المساعدات.
تراجع القدرات العسكرية لحماس
في المقابل، تؤكد التقديرات الأمنية الإسرائيلية أن استفادة حماس من المساعدات لا تعني أنها استعادت قوتها العسكرية التي كانت تمتلكها قبل الحرب.
وبحسب مصدر أمني رفيع، فإن الحركة تعاني نقصًا كبيرًا في الذخيرة والمعدات، كما أن قدرتها على تجنيد وتدريب مقاتلين جدد تراجعت بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه قبل 7 أكتوبر.
ويقدر المصدر أن حماس لا تزال تضم عشرات الآلاف من المقاتلين، إلا أن جزءًا منهم من العناصر الجديدة والشبان الذين حلوا محل مقاتلين سابقين قُتلوا أو أصيبوا خلال الحرب.
كما يشير إلى أن الحركة لا تستطيع تجنيد العدد الذي تريده من العناصر، بسبب محدودية الأسلحة المتاحة لديها، فضلًا عن تراجع قدرتها على تنفيذ برامج تدريب عسكري واسعة.
وتقول المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إن جزءًا كبيرًا من تدريب العناصر الجديدة يقتصر على الجانب النظري، بينما تواجه الحركة صعوبة في إجراء تدريبات عسكرية فعلية بسبب المراقبة والاستهداف الإسرائيليين.
ويخلص التقييم الإسرائيلي إلى أن حماس تعمل حاليًا في إطار دفاعي بدرجة أكبر مما كانت عليه قبل الحرب، وأن قدرتها على إعادة بناء قوتها العسكرية لا تزال محدودة.
نزع السلاح يبقى العقدة الأساسية
وتؤكد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن دور الجيش يقتصر على تنفيذ القرارات السياسية، وأن تحديد مستقبل قطاع غزة ليس من صلاحيات القيادة العسكرية.
لكن استمرار حماس في السيطرة على أجزاء من القطاع يعكس، بحسب مسؤولين أمنيين، غياب تصور سياسي واضح للمرحلة المقبلة، وهو ملف لم يجد حلًا نهائيًا منذ اندلاع الحرب.
وفي حال الانتقال إلى تسوية سياسية تتضمن نزع سلاح قطاع غزة، كما تقترح بعض الخطط المطروحة، تبدي المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية تشككًا كبيرًا في استعداد حماس للتخلي عن أسلحتها.
ويقول مصدر دفاعي إن الحركة قد تقدم تعهدات أو مواقف سياسية بشأن نزع السلاح، لكنه يشكك في إمكانية تنفيذ ذلك فعليًا، معتبرًا أن حماس تنظر إلى سلاحها باعتباره عنصرًا أساسيًا لبقائها.
وبحسب التقييم الإسرائيلي، فإن نزع سلاح الحركة يمثل العامل الحاسم في أي ترتيبات مستقبلية للقطاع، بينما ترى حماس، وفق المصدر نفسه، أن التخلي عن السلاح قد يعني نهاية وجودها كتنظيم مسلح.
عبء الاحتياط يضغط على إسرائيل
ولا تقتصر التحديات التي تواجه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية على الوضع داخل غزة، إذ يضاف إليها العبء الكبير الواقع على قوات الاحتياط، التي شاركت على مدى السنوات الثلاث الماضية في مهام عسكرية على جبهات متعددة، تشمل غزة ولبنان وسوريا والضفة الغربية.
ويقول مسؤول أمني إن الجيش لم يكن قادرًا على الحفاظ على انتشاره الحالي على هذه الجبهات من دون قوات الاحتياط، مشيرًا إلى أن العديد من جنود الاحتياط أمضوا أكثر من 500 يوم في الخدمة منذ 7 أكتوبر.
وبحسب المصدر، فإن هذا يعني أن بعض جنود الاحتياط أمضوا نحو نصف الفترة منذ اندلاع الحرب في الخدمة العسكرية، وهو ما بات يفرض تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة، بالنظر إلى ارتباط هؤلاء الجنود بأسر وأعمال وحياة مدنية.
وتتوقع المؤسسة الأمنية أن تضطر إسرائيل خلال العام المقبل إلى تقليص حجم قوات الاحتياط وخفض أعداد القوات المنتشرة حيثما تسمح الظروف العملياتية بذلك، في محاولة لتخفيف العبء المستمر على مئات الآلاف من المدنيين الذين يخدمون في الجيش.
وهكذا، وبعد ثلاث سنوات من الحرب، تبدو الصورة التي ترسمها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أكثر تعقيدًا من إعلان «النصر» الذي تكرر خلال السنوات الماضية: الجيش يسيطر على مساحات واسعة من غزة ويحتفظ بتفوق عسكري واضح، لكنه لم ينجح في إنهاء حكم حماس أو انتزاع سلاحها، بينما لا تزال إسرائيل تفتقر إلى صيغة سياسية نهائية تحدد من سيدير القطاع وكيف ستُمنع الحركة من العودة إلى الحكم.







