وكالات - أعاد تجدد القتال في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا ملف العلاقة بين الجيش السوداني ومقاتلين تيغرانيين إلى دائرة الاهتمام الإقليمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن تتداخل الحرب في السودان مع الصراع الإثيوبي وتتحول الحدود بين البلدين إلى ساحة لتحرك المقاتلين والأسلحة وخطوط الإمداد.
وحذر تحليل نشره تشاتام هاوس في الأول من أكتوبر من أن الحرب التي عادت إلى تيغراي قد لا تبقى محصورة داخل الأراضي الإثيوبية، مشيرًا إلى أن السودان وإريتريا من بين أكثر الدول عرضة لتداعيات التصعيد.
وقال الباحثان أحمد سليمان وأبيل أباتي ديميسي إن الصراعين في إثيوبيا والسودان أصبحا أكثر ترابطًا، في ظل اتهامات من الحكومة الإثيوبية للقوات المسلحة السودانية بدعم جبهة تحرير شعب تيغراي، ومخاوف في أديس أبابا من وجود مقاتلين تيغرانيين إلى جانب الجيش السوداني في شرق السودان.
وتأتي هذه التطورات في وقت استعاد فيه الجيش الإثيوبي والقوات الموالية للحكومة السيطرة على ميكيلي، عاصمة تيغراي، بعد هجوم شنته قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي في 23 سبتمبر.
انهيار اتفاق بريتوريا
يربط تشاتام هاوس عودة القتال بانهيار الترتيبات التي أقرها اتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب الإثيوبية السابقة عام 2022. ويشير المعهد إلى أن ضعف تنفيذ الاتفاق وغياب آليات فعالة لتسوية الخلافات ساعدا في إعادة إنتاج التوتر بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير تيغراي.
وفي مايو، أعادت الجبهة تشكيل مجلسها التشريعي السابق للحرب واختارت رئيسها ديبريتسيون غبرميكائيل رئيسًا للإقليم، في خطوة أنهت عمليًا الإدارة الانتقالية التي أنشأها اتفاق بريتوريا.
كما تواجه الجبهة، وفق التحليل، انقسامات داخلية وتراجعًا في شعبيتها، إلى جانب تقارير عن تجنيد قسري للشبان وتضييق على حرية التعبير. وفي المقابل، تشكلت قبل اندلاع القتال تحالفات بين الجبهة ومجموعات مسلحة إثيوبية أخرى، في مسعى معلن لإطاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
مقاتلون تيغرانيون في السودان
تعود صلات مقاتلي تيغراي بالسودان إلى الحرب الإثيوبية السابقة، إذ تشير دراسات سابقة إلى وجود أعداد كبيرة من المقاتلين التيغرانيين في شرق السودان، بينهم عناصر كانت ضمن قوات إثيوبية خدمت في بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في أبيي وحصلت على اللجوء في السودان. كما وثقت دراسات تشاتام هاوس علاقات تاريخية بين المؤسسة العسكرية السودانية وجبهة تحرير شعب تيغراي.
ومع اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، ظهرت تقارير عن مشاركة مقاتلين تيغرانيين إلى جانب القوات المسلحة السودانية في القتال ضد قوات الدعم السريع. كما أشار تشاتام هاوس في تحليل سابق إلى أن مقاتلين تيغرانيين كانوا يؤدون دورًا في دعم الجيش السوداني، في وقت كانت فيه إريتريا أيضًا تقدم دعمًا للقوات المسلحة السودانية.
ويعيد تجدد القتال في تيغراي أهمية هذا الملف، إذ تخشى الحكومة الإثيوبية، وفق تشاتام هاوس، من إمكانية تعزيز جبهة تحرير تيغراي عبر الحدود السودانية، ولا سيما إذا تعاونت القوات المسلحة السودانية مع أطراف أخرى على نقل المقاتلين أو الإمدادات إلى داخل إثيوبيا.
ولا تتوافر حتى الآن أرقام موثوقة ومحدثة بشأن عدد المقاتلين التيغرانيين الموجودين في السودان أو طبيعة هيكلهم القيادي ومواقع انتشارهم، فيما تنفي الخرطوم اتهامات أديس أبابا بدعم جبهة تحرير تيغراي.
حدود تتحول إلى مصدر للتوتر
تمنح الحدود السودانية الإثيوبية الممتدة، وتداخل المصالح الأمنية في مناطق مثل الفشقة وبني شنقول-قمز والنيل الأزرق، الصراع بُعدًا يتجاوز المواجهة المحلية.
ويرى تحليل تشاتام هاوس أن الصراعين في السودان وإثيوبيا أصبحا مترابطين على نحو متزايد؛ فإثيوبيا تتهم الجيش السوداني بدعم جبهة تحرير تيغراي، بينما تتهم الخرطوم أديس أبابا بدعم خصومها في الحرب السودانية، بما في ذلك قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال. ويقول المعهد إن الجانبين ينفيان الاتهامات الموجهة إليهما.
وفي ظل هذه الاتهامات المتبادلة، يصبح وجود جماعات مسلحة عبر الحدود عاملًا إضافيًا يزيد صعوبة الفصل بين النزاعين، خصوصًا مع امتلاك كل طرف حلفاء محليين وإقليميين يمكن أن يستخدموا الحدود لتوفير الدعم أو إعادة الانتشار.
خطر توسع الصراع إقليميًا
تزامن تجدد الحرب في تيغراي مع تصعيد دبلوماسي بين إثيوبيا وإريتريا، بعدما أعلنت أسمرة في الأول من أكتوبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا على خلفية اتهامات متبادلة بدعم أطراف مسلحة. كما اتهمت الحكومة الإثيوبية السودان ومصر وإريتريا بدعم التحالف المعارض الذي تقوده جبهة تحرير تيغراي، وهي اتهامات تنفيها الدول المعنية.
وحذرت الولايات المتحدة والاتحاد الإفريقي من أن استمرار التصعيد قد يهدد استقرار منطقة القرن الإفريقي، ودعت الأطراف إلى ضبط النفس والعودة إلى الحوار.
ويشير تشاتام هاوس إلى أن استمرار الحرب في تيغراي يحمل مخاطر تتجاوز إثيوبيا، خصوصًا مع وجود علاقات وتحالفات متشابكة بين أطراف الصراعات في إثيوبيا والسودان وإريتريا. ويرى المعهد أن استمرار القتال من دون تحرك دبلوماسي قد يدفع النزاع إلى الانتقال تدريجيًا إلى دول الجوار.
وبذلك، لا يعود ملف المقاتلين التيغرانيين في السودان مرتبطًا بالحرب السودانية وحدها، بل يصبح جزءًا من شبكة أوسع من التوترات الإقليمية. ويبقى حجم هذا الوجود وطبيعة علاقته بالجيش السوداني ومسارات الإمداد المرتبطة به من الملفات التي تحتاج إلى توثيق مستقل، خصوصًا مع تضارب الاتهامات بين حكومتي الخرطوم وأديس أبابا.







