ماجد كيالي - مصدر الإخبارية
القصد من ذلك العنوان لفت الانتباه إلى أن الأزمة الوطنية الفلسطينية أقدم من اتفاق أوسلو (1993)، وأكبر، وربما أخطر، منه، بمعنى أن مجمل الخطابات التي تحيل الأزمة إلى ذلك الاتفاق تبدو، في معظمها، قاصرة، أو جزئية، أو سطحية، لأن اتفاق أوسلو، في الحقيقة، هو نتاج لتلك الأزمة؛ مع كل ما اعتوره من إجحافات ونواقص ومشكلات.
الاستنتاج هنا:
أولا، أن واقع الفلسطينيين اليوم، بالرغم من كل ما فيه من غياب للإجماعات الوطنية، والانقسامات السياسية، وضياع الخيارات، وتضاؤل الفاعلية السياسية، سابق على اتفاق أوسلو، الناقص، والجائر، والمهين.
ثانيا، أن أزمة الحركة الوطنية الفلسطينية بدأت بالظهور مع خسارة وجودها في الأردن (1970)، بكل ما في ذلك من معنى وتداعيات، بيد إنها تكرست في منتصف السبعينات، أي بعد أن حققت ما يمكنها تحقيقه، بإمكانياتها الخاصة، وهو ما تمثل بقيام منظمة التحرير ككيان سياسي للشعب الفلسطيني، وفرض الاعتراف بها عربيا ودوليا، كممثل لشعب فلسطين، وقضيته، إذ بعد تلك الإنجازات التاريخية، لم يعد بوسعها إضافة أي إنجاز جديد، بقواها الذاتية.
والفكرة هنا أن اتفاق أوسلو، بنتائجه، لم يأت، ولم يفرض، في ظل موازين قوى، فلسطيني، أو عربي، وإنما أتى بفضل وضع دولي، مثلته الولايات المتحدة آنذاك، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، والتوجه نحو إقامة «شرق أوسط جديد».
وفي حينه، كانت إسرائيل تتوخّى من وراء ذلك الاتفاق تجزئة قضية فلسطين، وتفكيك وحدة شعبها، وتجويف حركتها الوطنية، وتبييض صورتها كدولة استعمارية تهيمن على شعب آخر، والتحرّر من التبعات السياسية والأمنية والاقتصادية والأخلاقية للاحتلال.
مع الزمن، ومنذ السنوات الأولى، حتى الآن، تبين أن ذلك الاتفاق لم يغيّر من أوضاع الفلسطينيين في الأرض المحتلة، وإنه مجرد حول حركتهم الوطنية إلى سلطة، لا سلطة لها لا على الأرض ولا على المعابر ولا على الموارد، وحتى ولا على شعبها، مع حصر الصراع ضد إسرائيل بكونه على جزء من الأرض، لجزء من الشعب، مع جزء من الحقوق.
إسرائيليا، تضاعفت المستوطنات، وباتت الضفة الغربية، مقطعة الأوصال، وتابعة من كل النواحي، إداريا واقتصاديا وفي مجالات البنية التحتية لإسرائيل، أو باتت تحت رحمتها، وبات المستوطنون بمثابة ميليشيا عسكرية، منظمة، وتحظى على شرعية الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، أما غزة، فباتت منطقة غير صالحة للعيش، بعد أن تحولت إلى أكبر مقبرة وأكبر خرابة وأكثر منطقة مكتظة، وبائسة، في العالم.
بيد إنه، وعلى الرغم من كل تلك المعطيات، الأجدى ملاحظة أن حال الحركة الوطنية الفلسطينية من دون ذلك الاتفاق ما كان سيكون أفضل من وضعها معه، ذلك أن تلك الحركة بعد إخراجها من لبنان، وخسارتها وجودها فيه، وانتهاء الظاهرة المسلحة من الخارج (1982)، كانت تقادمت واستهلكت، بخطاباتها وبناها وأشكال عملها، ولم يعد لديها ما تضيفه، وإلى اليوم.
وفي الحقيقة فإن صراعا عميقا، وممتدا، ومعقّدا، كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي لا يتقرر، ولا يحسم، مصيره في مجرد اتفاقيات، وإنما هو يتقرر بحسب طبيعة الصراع، ويحسم بانتهاء أسبابه (جلاء بريطانيا عن الهند) أو بتغيّر طبيعته (تفكّك الاتحاد السوفياتي) أو بتحوّل أحد أطرافه (كما جنوب أفريقيا)، أي إنه وضع تقرّر بشأنه الشعوب.
هكذا، فإن صراعات بهذا الجحم، وبتلك الطبيعة، تحتاج إلى تغيرات في الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي، عند الأطراف المتصارعة، وإلى تحولات في موازين القوى، والمعطيات المحيطة الدولية والإقليمية والعربية، وتطورات مناسبة عند الطرفين المعنيين مباشرة (إسرائيل والفلسطينيين)، كما تحتاج إلى تقويض أو تفكيك المشروع الصهيوني باعتباره مشروعا استعماريا واستيطانيا وعنصريا ودينيا.
سيبقى اتفاق أوسلو محطة أخرى في تاريخ شعب فلسطين وقضيته حركته الوطنية، وكمحطة على استعصاء التسوية مع إسرائيل.







