تل أبيب - كشفت وثائق جديدة تتعلق بالاجتماعات الأمنية التي عقدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأيام التي سبقت هجوم 7 أكتوبر 2023، عن تفاصيل جديدة بشأن طريقة تعامله مع التطورات في قطاع غزة، وذلك بالتزامن مع تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أفاد بأن نتنياهو تلقى تحذيرًا من الرئيس الإماراتي محمد بن زايد بشأن احتمال تنفيذ حماس هجومًا واسعًا، لكنه لم يعرض هذا التحذير على كبار قادة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة في 25 سبتمبر 2026، فإن خمسة مسؤولين إسرائيليين سابقين كبارًا قالوا إن التحذير الإماراتي لم يصل إلى رؤساء الأجهزة الأمنية، وإن نتنياهو عقد في الأول من أكتوبر 2023 اجتماعًا مع كبار المسؤولين لمناقشة الوضع في غزة من دون الإشارة خلاله إلى التحذير الذي تلقاه، وفق محاضر الاجتماع التي اطلعت عليها الصحيفة.
وتأتي هذه المعطيات في وقت تتواصل فيه إعادة فحص القرارات والتقديرات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، وسط خلافات سياسية وأمنية داخل إسرائيل بشأن المسؤوليات عن الإخفاقات التي سبقت الهجوم.

وثائق اجتماع الأول من أكتوبر
وبالتزامن مع تقرير نيويورك تايمز، كشفت قناة «ريشت 13» ووثائق أوردتها وسائل إعلام إسرائيلية عن تفاصيل من اجتماع أمني عقده نتنياهو في الأول من أكتوبر 2023، أي قبل ستة أيام من هجوم حماس.
ووفق الوثيقة التي نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، عرض نتنياهو في بداية الاجتماع رؤيته للوضع الإقليمي، مشددًا على أهمية الحفاظ على مستوى «فعال ومتوازن» من النشاط الأمني، مع تجنب الانجرار إلى تصعيد واسع.
كما ركز نتنياهو، بحسب الوثيقة، على مسار التطبيع المحتمل مع السعودية، معتبرًا أن هناك أطرافًا ودولًا ومنظمات تسعى إلى عرقلة هذا المسار، وأن على إسرائيل العمل لمنع ذلك.
وتظهر الوثيقة أن السياسة التي جرى اعتمادها تجاه قطاع غزة تضمنت ثلاثة محاور رئيسية: توسيع استخدام الأدوات والمزايا الإنسانية للتأثير في سلوك حماس، وتعزيز مسار التسوية المدنية معها، إلى جانب رفع مستوى الجاهزية العملياتية لتنفيذ عمليات استهداف ضد قادة الحركة الذين أوصت الأجهزة الأمنية باستهدافهم.
وبذلك، لا تظهر الوثائق سياسة تقوم على خيار واحد تجاه حماس، وإنما مزيجًا من محاولة احتواء التصعيد وتعزيز الترتيبات المدنية والإنسانية، مع الإبقاء في الوقت نفسه على الاستعداد لتنفيذ عمليات عسكرية ضد قيادات الحركة.

اجتماع 27 سبتمبر والتحذير المصري
وتأتي هذه الوثائق بعد اجتماع أمني آخر جرى في أعقاب اتصالات وتحذيرات إقليمية خلال الأيام الأخيرة من سبتمبر 2023.
وكان تقرير نشرته مجلة «ذا أتلانتيك» قد أشار إلى أن رئيس جهاز المخابرات المصرية آنذاك، عباس كامل، وصل إلى إسرائيل في 26 سبتمبر 2023، ونقل تحذيرات بشأن احتمال حدوث تصعيد كبير من جانب حماس. كما تناولت تقارير أخرى التحذير الذي قيل إن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد نقله شخصيًا إلى نتنياهو.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية عن تقرير نيويورك تايمز، فإن التحذير الإماراتي جاء في اتصال جرى في أواخر سبتمبر، وأشار إلى أن حماس كانت تدرس تنفيذ هجوم كبير، لكن المعلومات المتاحة لم تحدد طبيعة الهجوم أو توقيته بصورة دقيقة.
وكان نتنياهو قد نفى في السابق تلقي تحذير شخصي من القيادة الإماراتية، في حين قالت مصادر إماراتية وإسرائيلية مختلفة روايات متباينة بشأن مضمون الاتصالات وما إذا كانت قد نُقلت إلى الأجهزة المختصة. وتؤكد نيويورك تايمز أن روايتها الأخيرة تستند إلى أشخاص قالوا إنهم كانوا على صلة بالمكالمة أو أُطلعوا على تفاصيلها، إضافة إلى خمسة مسؤولين إسرائيليين سابقين.

«احتواء التصعيد» بدلًا من توسيع المواجهة
وتشير محاضر الاجتماعات التي سبقت 7 أكتوبر إلى أن نتنياهو كان يدفع في تلك الفترة نحو سياسة تهدف إلى احتواء التصعيد في غزة، مع استخدام أدوات اقتصادية وإنسانية وأمنية للضغط على حماس.
وفي أحد الاجتماعات، شدد نتنياهو على ضرورة الاستعداد لاحتمال التصعيد، لكنه أكد في الوقت نفسه أن إسرائيل لا تريد الوصول إلى مواجهة واسعة.
وبحسب الوثائق التي أُفرج عنها لاحقًا، تضمنت التوجيهات المتعلقة بغزة مواصلة الاستعدادات على الحدود، والتعامل مع إطلاق البالونات الحارقة، وتوسيع استخدام المساعدات الإنسانية وتصاريح العمال وغيرها من الأدوات باعتبارها وسائل يمكن استخدامها للتأثير في سلوك حماس.
التناقض بين التسوية والاستعداد للعمليات
وتبرز أهمية الوثائق الجديدة من كونها تظهر أن السياسة التي جرى وضعها قبل الهجوم لم تكن قائمة فقط على التهدئة أو التسوية، كما أنها لم تكن خطة لتوسيع العمل العسكري ضد حماس.
ففي الوقت الذي تضمنت فيه القرارات بندًا يتعلق بـ«تعزيز التسوية المدنية مع حماس»، تضمنت أيضًا بندًا آخر بشأن «تعزيز الجاهزية العملياتية» لتنفيذ عمليات استهداف ضد قادة الحركة الذين أوصت الأجهزة الأمنية باستهدافهم، مع الإشارة إلى أن هذه العمليات يمكن تنفيذها في حالات الطوارئ.
وهذا التفصيل يتقاطع مع تقرير نيويورك تايمز الذي ذكر أن بعض المسؤولين الأمنيين طرحوا خلال اجتماع الأول من أكتوبر إمكانية تنفيذ ضربات ضد كبار قادة حماس، بينما أبدى نتنياهو تحفظًا على توسيع العمل العسكري في غزة، مشيرًا إلى المخاطر التي قد يسببها ذلك لمسار التطبيع مع السعودية.

تحذير لم يُطرح على طاولة الاجتماع
ووفق الرواية التي أوردتها نيويورك تايمز، فإن القضية الأكثر إثارة للجدل تتمثل في أن التحذير الذي نُسب إلى الرئيس الإماراتي لم يظهر في محضر الاجتماع الأمني الذي عقده نتنياهو بعد أيام.
وتقول الصحيفة إن خمسة مسؤولين إسرائيليين سابقين كبارًا أكدوا أن التحذير لم يصل إلى رؤساء المؤسسة الأمنية، بينما أظهر محضر الاجتماع أن النقاش تركز على الحفاظ على الهدوء في غزة، وعلى المخاطر التي يمكن أن تترتب على توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى القطاع في ظل المساعي الإسرائيلية لتحقيق تطبيع مع السعودية.
آيزنكوت يهاجم نتنياهو
وفي أعقاب الكشف عن الوثائق، هاجم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق غادي آيزنكوت، بحسب التصريحات الواردة في التقرير، طريقة تعامل نتنياهو مع التقديرات الأمنية السابقة للهجوم، وربط الوثائق بمطالب تشكيل لجنة تحقيق رسمية لفحص أحداث 7 أكتوبر.
وقال آيزنكوت إن الوثائق، من وجهة نظره، تضيف إلى الأسئلة المتعلقة بالقرارات التي اتخذت قبل الهجوم، واتهم نتنياهو برفض الكشف الكامل عن محاضر الاجتماعات.
وتبقى هذه التصريحات جزءًا من السجال السياسي الإسرائيلي الدائر حول مسؤولية المستوى السياسي والعسكري عن إخفاقات ما قبل 7 أكتوبر، في حين يواصل نتنياهو ومؤيدوه تحميل الأجهزة الأمنية جانبًا أساسيًا من مسؤولية الإخفاق في تقدير التهديد. وقد كان نتنياهو قد نفى سابقًا تقارير بشأن تلقيه تحذيرًا إماراتيًا مباشرًا، فيما تؤكد الرواية الأخيرة لنيويورك تايمز أنها توصلت إلى تأييد من مصادر متعددة لرواية حصول الاتصال والتحذير.
وتفتح الوثائق الجديدة بذلك بابًا إضافيًا لفحص القرارات التي اتخذتها القيادة الإسرائيلية في الأيام الأخيرة التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، ولا سيما التوازن الذي حاولت حكومة نتنياهو تحقيقه بين منع التصعيد في غزة، والحفاظ على مسار التطبيع مع السعودية، واستخدام الأدوات الإنسانية والمدنية للضغط على حماس، مع الإبقاء على خطط عملياتية لاستهداف قياداتها.







