طلال عوكل - مصدر الإخبارية
لو كان لدى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حداً أدنى من الكرامة الوطنية أو الشخصية، لكان فضل عدم المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحالية.
نتنياهو يدرك تماما أنه سيواجه في هذه الدورة ما كان واجهه في الدورة السابقة، حيث وقف وحيدا في قاعة شبه فارغة إلا من بعض المصفقين من أتباعه، وأعداد كبيرة من الأميركيين الذين تظاهروا خارج القاعة احتجاجاً على سياسة الإبادة والتجويع والقتل والتدمير التي تشنها إسرائيل على الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة.
في هذه المرة، يصل نتنياهو إلى نيويورك كاللص، فلا يجرؤ ان يصل نيويورك بطائرته، خشية ردود فعل من أهل المدينة و من أن يطلب عمدتها زهران ممداني منه مغادرة الطائرة المطار النيويوركي فوراً بعد نزوله منها.
يدرك نتنياهو أيضاً أنه سيصل نيويورك ويغادرها بدون أن يحظى بلقاء الرئيس الأميركي، الذي اعتاد الرؤساء الأميركيين من قبله الاحتفاء به.
سيتذرع بأنه هو من قرر اختصار رحلته لواشنطن بدواعي الأوضاع المتفجرة في المنطقة، ولكنه سيفشل في إقناع الناخب الإسرائيلي، والرأي العام العالمي، بأنه غير معزول ومنبوذ جراء ما ارتكبته دولته من جرائم حرب يندى لها جبين العالم.
إذا كان الأمر يتعلق بـ«رسالة لشعوب العالم» بأن إسرائيل ما تزال موجودة وعضو فاعل في الأمم المتحدة، وبأنه ما يزال يدافع عن الحضارة الغربية، فإن المظاهرات العارمة التي ملأت شوارع نيويورك وكلمات الزعماء الغربيين وغيرهم، ستؤكد أن عدم تعليق عضوية إسرائيل أو طردها من الأمم المتحدة، له سبب واحد وهو الدعم الأميركي والحماية الأميركية.
إذا كان نصف الوفود التي جاءت إلى الأمم المتحدة، قد غادرت القاعة، قبل وخلال صعود نتنياهو المنصة، فإن من حضروا الخطاب أظهروا غير مره، استياءهم واحتجاجهم على ما جاء فيه من أكاذيب وتبريرات تفضحها الوقائع. ادعى نتنياهو في خطابه «أنه لو لم تدمر إسرائيل المنشآت النووية الإيرانية لكان الجميع في عداد الموتى». وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يتوقف عن التهديد بتدمير القدرات النووية الإيرانية، وهل كانت إيران او غيرها ممن يمتلكون أسلحة نووية، ستهدد بقاء العالم؟
وبينما يدعي أن إسرائيل واجهت على مدار ثلاث سنوات، حرباً على سبع جبهات لإبادة إسرائيل، فإنه يبرر ما قامت به دولته من حروب إبادة وتجويع وقتل ودمار. رسالة أخرى خرافية هذه المرة يطلقها نتنياهو للرئيس السوري أحمد الشرع، حين يدعي أن اليهود موجودون في هضبة الجولان السورية منذ عهد موسى، والرسالة تقول إن إسرائيل هي صاحبة الأرض والتاريخ، ولن تنسحب من الجولان إلى الأبد.
نتنياهو يصف إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة على أنه دفاع ذاتي عن النفس، وأن الأمر لا يتعدى عددا محدودا منهم يمارسون العنف. والسؤال هل يمكّن لهذه المزاعم والادعاءات و الأكاذيب المفضوحة أن تحسن مكانته في المجتمع الإسرائيلي الذي يقصده بالخطاب أم أن ذلك، ألحق أضرارا كبيرة بصورته صورة إسرائيل التي قال المعارضون في إسرائيل، وبعض الكتاب أنها تضررت كثيراً بعد الخطاب؟
ثمة مشكلة كبيرة تتعلق بالأمم المتحدة وتحتاج إلى إصلاحات جذرية، إذ لا يمكن لهذه المؤسسة الدولية الجامعة أن تظل عاجزة عن تحقيق المهام التي أنشئت من أجلها. تجتمع الجمعية العامة كل عام، ولا تستطيع تنفيذ أي قرار لا ترضى عنه الولايات المتحدة، و حتى أنها تصوت بأغلبية 152 صوتاً لصالح منح الرئيس الفلسطيني ووفده تأشيرات لحضور لاجتماع، ولكنها لم تنجح في ذلك.
يحضر المتهم بارتكاب جرائم حرب، ومطلوب للعدالة الدولية، ويمنع من ينادي ليل نهار بالسلام والأمن، والالتزام بالقوانين الدولية. هل يفلح مجلس الأمن في تخطي قرار الرئيس ترمب الذي يفتقر للأسباب المقنعة؟ الجواب واضح أن الأمم المتحدة، لا تقاد وفق قوانينها وقواعدها وآليات عملها، وإنما هي خاضعة للقرار الأميركي، والقرار الأميركي خاضع لمزاج ترمب، كما أعلن ذات مرة.
الأمم لم تعد متحدة، وهي تحتاج إلى إصلاحات جذرية خصوصاً في هيئتها التنفيذية ونقصد مجلس الأمن، الذي لا يستطيع التحرك في أي قضية، أو تنفيذ أي قرار، إذا لم توافق عليه الولايات المتحدة، التي تخضع أيضاً لاعتبارات تتجاوز مصالحها واستراتيجياتها لجهة حماية ورعاية المصالح والاستراتيجيات التوسعية والعدوانية الإسرائيلية.
مع التغيير الذي بدأ للنظام الدولي نحو تعدد الاقطاب، ستأتي الفرصة لإصلاح الأمم المتحدة.
إن لم تكن هذه الدورة هي الأخيرة للجمعية العامة وفق النظام السائد فإنها لن تستمر لسنوات طويلة، فلقد انطلق قطار التغيير يصدر صفيره في غير مكان من العالم وفي المقدمة الولايات المتحدة.
موقع قناة الغد







