تل أبيب - أعاد كتاب صدر مؤخراً في إسرائيل تسليط الضوء على قضية الغواصات والقطع البحرية، متضمناً رواية تتهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بإخفاء موافقته على تزويد مصر بأربع غواصات ألمانية عن أجهزة الأمن الإسرائيلية، في وقت كانت فيه عناصر من جهاز الموساد تعمل في ألمانيا بهدف منع إتمام الصفقة.
وبحسب ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مؤلف الكتاب، المحامي إليعاد شراغا، رئيس "الحركة من أجل جودة الحكم في إسرائيل"، فإن نتنياهو أبلغ المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بموافقته على تزويد مصر بالغواصات، لكنه لم يكشف هذه الموافقة لأجهزة الأمن الإسرائيلية، ومن بينها الموساد.
وتتعلق القضية بغواصات تنتجها شركة "تيسنكروب" الألمانية، وهي الشركة نفسها التي صنعت غواصات للبحرية الإسرائيلية، وسط حساسية أمنية إسرائيلية كبيرة تجاه امتلاك مصر قدرات بحرية متقدمة.
معلومات سرية دفعت بينيت إلى الموافقة على لجنة التحقيق
وتعود إحدى أبرز الوقائع التي يتناولها الكتاب إلى أيلول/سبتمبر 2021، عندما كانت حكومة نفتالي بينيت تدرس مسألة تشكيل لجنة تحقيق رسمية في قضية الغواصات.
وخلال اجتماع أمني عقد في مكتب رئيس الحكومة في 19 أيلول/سبتمبر من ذلك العام، خرج بينيت ورئيس الموساد السابق تمير باردو من قاعة الاجتماع وعقدا لقاءً منفرداً استمر نحو نصف ساعة.
ووفق مصدر أمني شارك في المداولات، عاد بينيت إلى الاجتماع وهو في حالة وصفها المصدر بأنها كانت سيئة، وبدا عليه التأثر والمفاجأة، قبل أن يقرر التراجع عن معارضته لتشكيل لجنة تحقيق رسمية في القضية، بسبب ما وصفه بـ"مس خطير بأمن الدولة".
وقال شراغا إن باردو أبلغ بينيت خلال ذلك اللقاء بمعلومات ذات مستوى سري للغاية تتعلق بإحدى صفقات "تيسنكروب"، موضحاً، وفق روايته، أن رئيس الموساد السابق تحدث عن كيفية إدراكه أن نتنياهو تصرف بعيداً عن أجهزة الأمن بطريقة شكلت، بحسب تقديره، خطراً على عناصر الموساد.
موافقتان سريتان على تزويد مصر بغواصات
وبحسب شراغا، كان جوهر القضية يتمثل في موافقة نتنياهو سراً على بناء غواصات لصالح مصر في حوض شركة "تيسنكروب"، حيث صنعت أيضاً الغواصات الإسرائيلية.
وقال مؤلف الكتاب إن نتنياهو أعطى موافقته على الصفقة في مناسبتين منفصلتين، وفي كل مرة على تزويد مصر بغواصتين، مشيراً إلى أن أجهزة الأمن الإسرائيلية لم تكن على علم بهذه الموافقات.
وأضاف أن عناصر من الموساد أُرسلوا إلى ألمانيا للعمل على مواجهة الصفقة ومنع تنفيذها، في وقت لم يكونوا، بحسب الرواية التي أوردها الكتاب، على علم بأن رئيس الحكومة كان قد وافق عليها بالفعل.
ووصف شراغا الوضع بالقول إن عناصر الموساد وجدوا أنفسهم في مواجهة "عدو غامض" داخل مكتب المستشارة الألمانية، بينما كانت هوية الطرف الذي أصدر الموافقة على الصفقة غير معروفة لهم.
التحقيقات تكشف خلافاً حول آلية اتخاذ القرار
وكانت قضية الغواصات قد تحولت إلى ملف قضائي وسياسي وأمني واسع داخل إسرائيل، بعدما تقدمت "الحركة من أجل جودة الحكم" بالتماس إلى المحكمة العليا طالبت فيه بتشكيل لجنة تحقيق رسمية بشأن بيع ألمانيا غواصات لمصر.
وأدى الالتماس إلى فتح تحقيق جنائي، لم يكن نتنياهو جزءاً منه، بينما وجهت لوائح اتهام إلى مسؤولين في أجهزة الأمن ووزارتي الخارجية والأمن ومكتب رئيس الحكومة.
وفي تموز/يوليو 2021، أشارت المحكمة العليا إلى وجود أسئلة معلقة تتطلب تقصي الحقائق بصورة معمقة بشأن عملية اتخاذ القرارات المتعلقة بالصفقة، لكنها أوضحت أن صلاحية تشكيل لجنة تحقيق رسمية تعود إلى الحكومة.
وصاغ القاضي نوعام سولبرغ القرار الذي خلص إلى أن المسألة لم تستكمل، في إشارة إلى استمرار الأسئلة المتعلقة بالقضية وعدم حسمها عبر لجنة تحقيق رسمية في ذلك الوقت.
وجاء ذلك بالتزامن مع نهاية حكومة نتنياهو وتشكيل حكومة جديدة عُرفت باسم "حكومة التغيير"، وتناوب على رئاستها نفتالي بينيت ويائير لبيد.
لجنة التحقيق تحذر نتنياهو ومسؤولين سابقين
وفي حزيران/يونيو 2024، وجهت لجنة التحقيق الرسمية تحذيرات إلى خمسة مسؤولين إسرائيليين، بينهم نتنياهو، ووزير الأمن الأسبق موشيه يعالون، ورئيس مجلس الأمن القومي السابق والرئيس الأسبق للموساد يوسي كوهين، وقائد سلاح البحرية الأسبق رام روتبرغ، والمسؤول السابق في مجلس الأمن القومي أفنير سمحون.
وكان تمير باردو قد أدلى بشهادته أمام اللجنة ثلاث مرات خلف أبواب مغلقة، واعتُبرت شهاداته، وفق ما نقلته الصحيفة، من العوامل التي ساهمت في توجيه تحذير شديد إلى نتنياهو.
وجاء في خلاصة التحذير الموجه إلى رئيس الحكومة، بحسب التقرير، أن "السيد نتنياهو شكل خطراً على أمن الدولة وألحق ضرراً بالعلاقات الخارجية وبالمصالح الاقتصادية لدولة إسرائيل".
ومن المقرر أن تعقد اللجنة جلسات استماع للمسؤولين الذين تلقوا تحذيرات وللشهود الذين سيقدمون إفادات من جانبهم، فيما أشارت الصحيفة إلى أن نتنياهو لم يقدم قائمة شهود، وهو ما قد يعني، وفق التقرير، أنه قرر عدم المشاركة في إجراءات اللجنة بهذه الصورة.
إسرائيل عارضت لسنوات بيع الغواصات لمصر
وترتبط القضية بخلاف إسرائيلي ألماني قديم بشأن بيع غواصات ألمانية إلى مصر. ففي عام 2007، رفض رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق إيهود أولمرت طلباً ألمانياً يتعلق ببيع غواصات لمصر.
وكانت ألمانيا تسعى في المقابل إلى إتمام الصفقة لأسباب اقتصادية واستراتيجية، من بينها الحفاظ على نشاط حوض بناء السفن وتعزيز العلاقات مع مصر من خلال صفقة عسكرية كبيرة.
وبعد عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 2009، طرحت ألمانيا صيغة اتفاق مع إسرائيل، التي كانت قد حصلت على خمس غواصات ألمانية. وتضمنت الصفقة حصول إسرائيل على غواصة سادسة، مع مساهمة ألمانية في تمويلها، مقابل إزالة إسرائيل اعتراضها على بيع غواصات لمصر.
وبدأت وزارة الأمن الإسرائيلية دراسة الصفقة، فيما وضع سلاح البحرية الإسرائيلي شروطاً تتعلق بالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي، ومن بينها خفض مستوى بعض الأنظمة والتجهيزات في الغواصات المصرية.
غير أن الرواية التي يوردها الكتاب تشير إلى أن نتنياهو أبلغ ميركل بموافقته على الصفقة قبل انتهاء الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من دراسة الموضوع بشكل كامل.
اختلاف في القدرات بين الغواصات المصرية والإسرائيلية
وبحسب التقرير، فإن الغواصات التي صنعتها "تيسنكروب" لمصر لم تكن متطورة بالدرجة نفسها التي كانت عليها الغواصات المخصصة لإسرائيل، إلا أن الشركة الألمانية أعلنت أن الغواصات المصرية تتمتع بقدرات تجعل رصدها أكثر صعوبة، ويمكنها البقاء تحت سطح البحر لفترات طويلة.
وتشكل هذه النقطة جزءاً من الخلفية الأمنية التي أحاطت بالصفقة، في ظل اعتبار امتلاك مصر، التي توصف بأنها صاحبة أحد أكبر الأساطيل البحرية في المنطقة، لغواصات ألمانية متقدمة مسألة حساسة بالنسبة إلى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وتعيد المعطيات التي يتناولها الكتاب طرح أسئلة حول آلية اتخاذ القرارات المتعلقة بصفقات التسليح الاستراتيجية، وحدود صلاحيات رئيس الحكومة في التعامل مع ملفات ذات تبعات أمنية ودبلوماسية، ومدى اطلاع الأجهزة الأمنية على القرارات السياسية التي تمس التوازنات العسكرية في المنطقة.






