ماجد كيالي - مصدر الإخبارية
لم يكن التقرير الذي أصدرته مؤسسة «عقل إسرائيل» (Mind Israel)، مؤخرًا، والذي حاول أن يناقش وضعية إسرائيل فيما إذا باتت "قوة إقليمية عظمى أم إنها إزاء بداية دومينو الانهيار" فريدًا من نوعه، على أهميته في الظرف الراهن لإسرائيل، داخليًا وخارجيًا.
ويترأس المؤسسة المذكورة اللواء احتياط عاموس يدلين، وهي مؤسسة مستقلة، لا تتبع أيًّا من الأحزاب الإسرائيلية، وتنبع أهمية التقرير من أنه يأتي قبيل الانتخابات القادمة، ليثير النقاط الأكثر أهمية للإسرائيليين، والتي يفترض أن يجاوب عليها قادة الأحزاب، وأنه نتيجة بحث معمق شارك فيه 100 خبير، في مختلف الحقول، أي في السياسة والاقتصاد والمجتمع والتكنولوجيا والأمن.
في الواقع، فإن هذا التساؤل المذكور في التقرير بات يُطرح في النقاش الإسرائيلي، منذ عقود، ولعل أبرز من بادر إليه هم تيار "المؤرخون الجدد"، وتيار "ما بعد الصهيونية"، من الأكاديميين، منذ أوائل التسعينيات، وأبرزهم إيلان بابيه، وبني موريس (قبل ارتداده)، وآفي شلايم، وإيللا شوحط، وإسرائيل شاحاك، وشلومو ساند، ونورمان فينكلشتاين، وباروخ كيمرلنج، وسيمحا فلابان، وأوري رام، وأوري أفنيري، وجرشون شافير.
ومعلوم أن ذلك النقاش امتد ليشمل جنرالات سابقين، وسياسيين بارزين، مثلًا، ماتيتياهو بيليد، وعامي أيالون، وتامير باردو، وإبراهام بورغ، وحاييم رامون، وشولاميت ألوني، ويوسي ساريد.
وكان إيلان بابيه، الأكاديمي والمفكر الإسرائيلي البارز، المعروف بمناهضة الصهيونية، ألقى قنبلة صوتية (مطلع العام 2024) عبّر فيها عن أن إسرائيل في بداية انهيار، وذلك بعد عملية "طوفان الأقصى" (أواخر 2023)، وذلك في ندوة نظمت في حيفا، وفقًا لعدة معطيات، أهمها، التفكك الداخلي في إسرائيل، فيما اعتبره بمثابة "حرب أهلية"، "بين المعسكر العلماني والمعسكر المتدين في المجتمع اليهودي في إسرائيل". مع تأكيده أن ما يجمع "المعسكرين المذكورين إنما هو التهديد الأمني" الخارجي. وعنده، ففي تلك الحرب الأهلية، باتت "دولة إسرائيل الثانية تحتل دولة إسرائيل الأولى"؛ وعنده أن دولة إسرائيل الثانية، دولة المتدينين والمستوطنين في الضفة والقدس الشرقية (وأغلبهم من اليهود الشرقيين)، مقابل الدولة الأولى التي أسسها العلمانيون الأشكناز.
ضمن تلك المعطيات يأتي انفتاح مسار نزع الشرعية عن إسرائيل، بعد أن انكشفت صورتها كدولة متجبرة، وليس كدولة ضحية، كما حاولت طرح نفسها، بخاصة بعد كشفها عن ذاتها كدولة استيطانية وعنصرية ودولة إبادة جماعية. وبرأي بابيه، فإن هذا الأمر انعكس بـ"الدعم غير المسبوق للقضية الفلسطينية في العالم، مع استعداد معظم المنخرطين في حركة التضامن لتبني النموذج المناهض للفصل العنصري الذي ساعد في إسقاط هذا النظام في جنوب إفريقيا".
أيضًا، يأتي ضمن ذلك تصدع صورة إسرائيل كدولة رادعة، وهو ما تبين بـ"عدم قدرة الجيش على حماية المجتمع اليهودي في الجنوب والشمال... إذ إن هجوم السابع من أكتوبر شكل هزة أرضية كشفت عمق الأزمة البنيوية والهشاشة الأمنية والسياسية لإسرائيل."
إلى تلك العوامل يضيف بابيه العامل الاقتصادي، تبعًا لاتساع "الفجوة بين من يملك ومن لا يملك"، وكذلك "موقف الجيل الجديد من اليهود، بما في ذلك في الولايات المتحدة، الذي بات ينتقد إسرائيل، ويتبرأ من سياساتها.
وللتوضيح، فمنذ مجيء حكومة المتطرفين في إسرائيل، نتنياهو، سموتريتش، بن غفير (أواخر العام 2022)، مع محاولتها الاستحواذ على كل السلطات، بالاستيلاء على السلطة القضائية، أو تقويضها، مع العمل لتغليب طابع إسرائيل، كدولة يهودية ودينية، على حساب كونها دولة ديمقراطية وعلمانية (بالنسبة لمواطنيها اليهود)، بات الحديث في إسرائيل يتزايد عن نشوء نظام فاشي في إسرائيل، وعن حرب أهلية، مع الربط، ربما لأول مرة، بين التطرف ضد الفلسطينيين، بالتطرف ضد اليهود الآخرين، أي إن التناقض بين المتدينين والعلمانيين في إسرائيل، بات يرتبط بالتناقض بين طابع إسرائيل كدولة يهودية أي عنصرية، وطابعها كدولة ليبرالية.
بيد أنه يفيد التحذير هنا من أخذ كلام بابيه بالشكل الحرفي، والتسرع بالقول بنهاية إسرائيل، أو أنها باتت أوهن من خيوط العنكبوت، ذلك أن بابيه يؤكد، أيضًا، "إننا في بداية نهاية المشروع الصهيوني، وهي مرحلة طويلة وخطيرة، ولا نتحدث عن المستقبل القريب، بل عن المستقبل البعيد".
أما بالنسبة للتقرير الذي أصدرته مؤسسة "عقل إسرائيل"، فهو يتحدث عن تعرض إسرائيل إلى خطر وجودي من الداخل إضافة إلى تهديدات أمنية من الخارج، ما يستنتج منه أن "إسرائيل كفيلة بأن تصبح قوة عظمى إقليمية، لكن أساساتها صدئة". وبحسب د. أفنير غولوب، نائب رئيس المؤسسة: "إذا لم نعالج هذه الأساسات، فلن نكون قوة عظمى، بل سينهار المبنى كله".
على ذلك، فقد توصل 100 خبير إلى تحديد 6 مسائل تفترض حسمًا فوريًا، وهي: "مكانة إسرائيل الإقليمية، وجودة الرأسمال البشري، والعلاقات المتبادلة بين الاقتصاد والأمن، والحوكمة والمناعة القومية، والتغييرات الديمغرافية في البلاد، والعلاقات بيننا وبين الولايات المتحدة ويهود الشتات.
ويشرح د. غولوب: "راجعنا الأدبيات، ورأينا أن الحضارات لا تصفى من الخارج، بل تنتحر. لم تحتل أي حضارة من الخارج حين تكون قوية – سياقات داخلية تحصل لها، تفككها، وغير مرة ما يأتي من الخارج هو بمثابة المسمار الأخير في نعشها. وصفة دمار الحضارة تتضمن تآكلًا في وحدة الصف الاجتماعية، ومسًّا بالثقة بمؤسسات الدولة، وتفضيلًا للربح السياسي قصير المدى على الربح القومي بعيد المدى، وجمودًا فكريًا يصعب على التكيف. هذه وصفة يجب أن تقلق كل إسرائيلي. نحن ننشغل بالخارجية والأمن، لكن نتيجة الحديث الداخلي الذي يجري أمام ناظرينا ستتضرر، وهذا ما نريد ونحاول منعه".
وعن سؤال: هل نحن قبيل الانهيار؟ يجيب: في البحث التقينا بمجموعتين: واحدة تقول: “إسرائيل نجحت في الاختبار الأصعب، لذا المستقبل أكثر وردية، فقد – صمدنا في وباء عالمي، في صدمة اجتماعية، في 7 أكتوبر وفي كل ما حصل بعدها، ومع ذلك صمد الاقتصاد، وبقيت تكنولوجيتنا رائدة، والنظام الاقتصادي يزدهر. كمجتمع، نحن نتكاتف، وأمنيًا في ذروة قوتنا، تمامًا ليس قبيل التفكك”. بمعنى أن إسرائيل في الطريق لتكون قوة عظمى. المجموعة الثانية تقول عكس ذلك: “مسيرة الانهيار بدأت. نحن على شفا هوة بسبب أزمة هوية. ثمة فقدان حوكمة، وثمة حالة طوارئ سياسية”. هم يدعون أننا في بداية مسيرة دومينو نهايتها الانهيار...“الطرفان محقان برأينا. وعليه، هناك فرص تاريخية، وهذا بالضبط السبب الذي يجعلنا ملزمين بأن نعالج أساساتنا الصدئة”. (شير – لي غولان، معاريف 20/9/2026)
ثمة ملاحظتان هنا، الأولى، أن إسرائيل، بالرغم من جبروتها، من كل النواحي، تحاول أن تبحث عن نقاط ضعفها، لتصحيحها، وإنها تطلب النقد، ولا تتبرم منه، على عكس أحوالنا، فلسطينيًا، وعربيًا، إذ لا توجد مراجعة، ولا قابلية للمراجعة، للخيارات والسياسات، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
والثانية، أن ما يميز إسرائيل أنها لا تتفوق في المنطقة بقوتها العسكرية، أو بدعم الولايات المتحدة لها، فقط، وإنما هي تتفوق في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والعلوم، أيضًا، والأهم في طريقتها لإدارة مواردها البشرية، ونظامها السياسي، الذي يخضع لإرادة مواطنيها من اليهود الإسرائيليين، وهذا ما يفترض إدراكه بدل التركيز على مصارعة إسرائيل في المجال العسكري، الأمر الذي لا يمكن الركون إليه، فضلًا عن أنه المربع الذي تتفوق فيه إسرائيل، والذي توحّد عبره المجتمع الإسرائيلي بكل تناقضاته، فضلًا عن أنه يكسبها تعاطف العالم.







