ترجمات - يتجدد في إسرائيل النقاش حول المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول، بالتزامن مع اقتراب الذكرى الثالثة للهجوم والاستعداد للانتخابات المقبلة، وسط صراع متزايد على الرواية السياسية والأمنية للأحداث.
وتتركز المواجهة بصورة خاصة حول تفسير القرارات التي اتخذها كبار المسؤولين الأمنيين في الساعات التي سبقت الهجوم، ومدى مسؤولية المستوى السياسي عن الإخفاقات التي سمحت لحماس بتنفيذ هجوم واسع داخل إسرائيل.
وتشير قراءة تحليلية نشرها الكاتب عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس» إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يسعى، في خطابه السياسي، إلى التركيز على مسؤولية قادة الجيش والشاباك عن الإخفاق، مقابل إبراز ما يصفه بالإنجازات العسكرية التي تحققت منذ 8 أكتوبر.
رواية نتنياهو عن ليلة 7 أكتوبر
بحسب التحليل، تقوم إحدى الروايات التي يجري الترويج لها في المعسكر المؤيد لنتنياهو على أن كبار المسؤولين في الجيش والشاباك عانوا من «انهزامية ذهنية» تجاه حماس، وأن ذلك ارتبط بما تصفه الرواية بأنه تآمر سياسي خلال الاحتجاجات على الإصلاحات القضائية.
وتتضمن هذه الرواية الادعاء بأن رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي ورئيس الشاباك السابق رونين بار لم يوقظا نتنياهو خلال ليلة 6-7 أكتوبر خشية أن يؤدي ذلك إلى اتخاذ قرار بشن عملية عسكرية واسعة تفضي إلى حرب إقليمية.
لكن التحليل يشير إلى اختلاف هذه الرواية عن التفسير الذي قدمه بار بشأن سبب عدم اتخاذ إجراءات دفاعية واسعة في تلك الساعات.
فوفقًا لما أورده هرئيل، كان تقدير بار أن تحرك إسرائيل بصورة علنية وواسعة، في ضوء مؤشرات التحذير التي كانت متوافرة آنذاك، ربما يدفع حماس إلى الاعتقاد بأن إسرائيل تستعد لهجوم، فتقرر المبادرة بإطلاق النار أولًا، بما قد يؤدي إلى سلسلة من سوء الفهم المتبادل.
وتشمل مؤشرات التحذير التي كانت معروفة للأجهزة الأمنية، وفق المادة، معلومات عن تفعيل شرائح اتصال إسرائيلية في هواتف مرتبطة بعناصر حماس، إلى جانب معطيات استخباراتية أخرى.
ويشير التحليل إلى أن معرفة هليفي وبار مسبقًا بأن هجومًا واسعًا بمشاركة آلاف المسلحين على وشك البدء كانت ستقود، على الأرجح، إلى إجراءات دفاعية واسعة وربما إلى تحرك عسكري استباقي.
نتنياهو يركز على ما بعد الهجوم
في المقابل، يرى هرئيل أن خطاب نتنياهو السياسي يركز بصورة أكبر على الفترة التي أعقبت 7 أكتوبر، بينما تحظى الأيام التي سبقت الهجوم بمساحة أقل في روايته.
ويعرض نتنياهو، وفق التحليل، نفسه باعتباره القائد الذي استعاد زمام المبادرة سريعًا وقاد إسرائيل إلى ما يصفه بانتصارات عسكرية في غزة ولبنان وسوريا وإيران، بعد الهجوم.
كما يشير المقال إلى أن نتنياهو تحدث عن استبدال عدد كبير من كبار المسؤولين الأمنيين الذين كانوا في مناصبهم وقت الهجوم، مع طرح وعود بإجراء تحقيق في الإخفاقات في وقت لاحق.
وفي المقابل، تستمر المطالب بإجراء تحقيق رسمي في أحداث 7 أكتوبر، في وقت ترفض فيه أحزاب في الائتلاف الحكومي، بحسب المادة، المسار الذي يطالب به معارضو الحكومة.
استطلاع يكشف فجوة بين الحكومة والجيش
وتظهر نتائج استطلاع حديث لمعهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، كما أوردتها «هآرتس»، فجوة واضحة في مستوى الرضا عن أداء المؤسسة العسكرية والحكومة. ووفق نتائج الاستطلاع، بلغت نسبة الرضا عن أداء الجيش في الحرب 61%، مقابل 34% عن أداء الحكومة.
كما أظهر الاستطلاع أن 75% من المشاركين يؤيدون تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر، بينهم 52% من ناخبي أحزاب الائتلاف الحكومي، وهو ما يعكس استمرار التأييد للتحقيق حتى داخل جزء من القاعدة الانتخابية للحكومة.
وتنسجم هذه النتائج مع اتجاه ظهر في استطلاعات سابقة لمعهد دراسات الأمن القومي، أظهرت تأييدًا واسعًا لإنشاء لجنة تحقيق رسمية في أحداث 7 أكتوبر، بما في ذلك بين ناخبي الائتلاف. ففي استطلاع أكتوبر 2025، بلغت نسبة التأييد 74%، مقابل 17% عارضوا تشكيل اللجنة.
تشكيك في رواية «الانتصار»
ولا يقتصر التباين على مسألة التحقيق، بل يمتد إلى تقييم نتائج الحرب نفسها.
وبحسب الأرقام التي أوردتها «هآرتس» عن استطلاع سبتمبر، يرى 27% فقط من المستطلعين، من اليهود والعرب، أن إسرائيل انتصرت على حماس، فيما يرى 38% أن إسرائيل حققت انتصارًا على حزب الله، بينما لا تتجاوز نسبة من يرون أن إيران هُزمت 23%.
وتظهر هذه الأرقام فجوة بين الخطاب السياسي الذي يركز على الإنجازات العسكرية وبين تقييم قطاعات من الجمهور للنتائج الاستراتيجية والسياسية للحرب.
كما يشير الاستطلاع إلى استمرار المخاوف بشأن احتمال تجدد الحرب مع إيران، في حين يختلف تقييم الإسرائيليين للوضع الأمني العام بين من يرون أنه تحسن ومن يعتبرونه تراجعًا أو لم يتغير بصورة جوهرية.
الثقة بالجيش والقيادة العسكرية
ويبرز في المقابل مستوى الثقة بالمؤسسة العسكرية، ولا سيما مقارنة بالحكومة.
وكان استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في مايو 2026 قد أظهر ثقة مرتفعة نسبيًا بالجيش، بلغت 74%، مقابل 26% فقط أبدوا ثقة مرتفعة بالحكومة، كما بلغت الثقة برئيس الأركان إيال زامير 60% في ذلك الاستطلاع.
وتشير المادة إلى أن الفجوة السياسية تظهر أيضًا في المواقف من القيادة العسكرية، مع مستويات ثقة أعلى لدى قطاعات من الوسط واليسار مقارنة ببعض أنصار الائتلاف.
كما يبرز خلاف آخر يتعلق بالهجمات التي ينفذها مستوطنون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية، إذ تشير نتائج الاستطلاع إلى أن أغلبية من الجمهور الإسرائيلي تصف هذه الهجمات بأنها «إرهاب يهودي»، بينما تستخدم المؤسسة العسكرية في الغالب توصيف «جرائم قومية».
مخاوف من استمرار حالة الطوارئ
وترى الدكتورة عيديت شفران-غيتلمان، التي شاركت في تحليل نتائج الاستطلاع، أن المجتمع الإسرائيلي يواجه صعوبة في التعامل مع التحول من حالة الحرب المستمرة إلى وضع أمني مختلف.
وبحسب ما نقلته «هآرتس» عنها، فإن المؤسسة العسكرية تبدو وكأنها تتحدث بصوتين؛ فمن جهة، تستأنف بعض مظاهر الحياة الطبيعية وتبحث عن تقليص انتشار القوات، ومن جهة أخرى، تستمر القيادة العسكرية في الحديث عن تعدد الجبهات المفتوحة والحاجة إلى زيادة كبيرة في ميزانية الدفاع.
وترى شفران-غيتلمان أن استمرار هذا الوضع يفرض تكاليف كبيرة على إسرائيل، سواء من حيث الموارد وأيام خدمة الاحتياط أو الآثار النفسية، معتبرة أن الانتقال إلى وضع أمني مختلف سيكون ضروريًا على المدى الطويل.
بيانات الشاباك والانتخابات المقبلة
وفي هذا السياق، يلفت التحليل إلى توقيت سلسلة بيانات نشرها جهاز الشاباك خلال الأيام الأخيرة بشأن إحباط مخططات لتنفيذ هجمات داخل إسرائيل، تورط فيها، بحسب الجهاز، مواطنون إسرائيليون من خلفيات مختلفة.
وتحدثت البيانات عن قضايا تتعلق باتصالات مع جهات خارجية، بينها عناصر مرتبطة بإيران وحماس، إلى جانب اتصالات أخرى مع عناصر تنظيم داعش في الخارج، وفق ما أورده التقرير.
ويشير هرئيل إلى أن الشاباك والشرطة والأجهزة الأمنية الإسرائيلية أعلنوا خلال السنوات الأخيرة عن إحباط محاولات لتجنيد مواطنين إسرائيليين لتنفيذ هجمات أو عمليات تخريب، مع اختلاف الدوافع والجهات التي تقف خلف كل قضية.
ويطرح توقيت نشر هذه البيانات، وفق التحليل، تساؤلات سياسية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات وتصاعد الحملات التي تستهدف الأحزاب العربية داخل إسرائيل.
تصاعد التوتر السياسي في الداخل
ويتطرق التحليل كذلك إلى تحركات لليمين الإسرائيلي ضد الأحزاب العربية، وإلى التوترات في الجليل والضفة الغربية، معتبرًا أن بعض هذه التطورات قد تتحول إلى عناصر تستخدم في الحملات الانتخابية.
كما ينقل عن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش قوله الأسبوع الماضي: «في الولاية المقبلة سنُيهّد الجليل، كما فعلنا في الثورة التي أحدثناها في يهودا والسامرة»، في إشارة إلى برنامجه السياسي المتعلق بالاستيطان والتوسع السكاني اليهودي.
ويرى التقرير أن التوترات الأمنية، بما في ذلك احتمال تصعيد الأحداث حول المسجد الأقصى، قد تصبح جزءًا من المشهد الانتخابي، خصوصًا في ظل اقتراب موعد الانتخابات.
وفي المحصلة، يبدو أن معركة الرواية حول 7 أكتوبر لم تعد تقتصر على تحديد المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية التي سبقت الهجوم، بل أصبحت جزءًا من الصراع السياسي الأوسع في إسرائيل، مع اقتراب الانتخابات والذكرى الثالثة للهجوم، وفي ظل استمرار الجدل حول تشكيل لجنة تحقيق رسمية ودور الحكومة والمؤسسة الأمنية في تفسير ما حدث.






