تل أبيب - يظهر تحليل للخطاب الانتخابي لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو تحولًا نسبيًا في الطريقة التي يقدم بها شكل الحكومة التي يسعى إلى تشكيلها بعد الانتخابات المقبلة.
فبعدما شكّل شعار «حكومة يمين كاملة» أحد العناوين الأساسية لحملة نتنياهو في انتخابات عام 2022، يتجه خطابه الحالي بصورة أكبر نحو استخدام تعبيرات من قبيل «حكومة قومية واسعة» و«حكومة واسعة»، من دون أن يعني ذلك تخليه عن هدفه الأساسي المتمثل في تشكيل ائتلاف يميني يضمن له أغلبية لا تقل عن 61 عضو كنيست.
وبحسب تحليل أوردته القناة 12 الإسرائيلية واستند إلى فحص منشورات الأحزاب والسياسيين على شبكات التواصل الاجتماعي خلال الفترة الممتدة بين أيار/مايو وآب/أغسطس 2026، ظهرت كلمة «يمين» في 63% من المنشورات التي نشرها أعضاء كنيست ووزراء ومسؤولون في حزب الليكود، بينما لم تظهر الكلمة في المنشورات التي شملها الفحص على حسابات نتنياهو.
في المقابل، استخدم نتنياهو مصطلحي «حكومة قومية» و«حكومة واسعة» في ستة منشورات على الأقل، حصدت مجتمعة 58,493 تفاعلًا، وشكلت نحو 97% من إجمالي التفاعل مع هذا التعبير ضمن العينة التي جرى تحليلها. كما ركز رئيس الحكومة الإسرائيلية على هذا الخطاب في بياناته المصورة.
محاولة لتوسيع قاعدة الائتلاف
ويربط تحليل القناة هذا التحول في الخطاب بمحاولة نتنياهو ترك مساحة سياسية لتشكيل حكومة أوسع من ائتلافه الحالي، خصوصًا في حال فشل معسكره في الوصول إلى أغلبية مستقلة بعد الانتخابات.
وتشير نتائج استطلاع للقناة 12 إلى أن نحو ربع مؤيدي نتنياهو لا يرغبون في تشكيل حكومة ضيقة جديدة، حتى لو كان ذلك سيؤدي إلى تفكيك الكتلة السياسية الحالية التي تجمع الليكود بالأحزاب الحريدية وأحزاب اليمين المتطرف.
وفي أوساط الجمهور الإسرائيلي عمومًا، قال 35% من المستطلعين إنهم يفضلون تشكيل «حكومة وحدة واسعة»، بينما ارتفعت النسبة إلى 36% بين المترددين.
ولا يعني ذلك، وفق التحليل، أن الانقسام السياسي بين المعسكرين الرئيسيين في إسرائيل قد تراجع بصورة جوهرية، إذ لا تزال استطلاعات الرأي تظهر رفضًا واسعًا لدى أنصار كل معسكر لتولي زعيم المعسكر المنافس رئاسة الحكومة. لكن النتائج تكشف في الوقت نفسه عن وجود شريحة من الناخبين، بما في ذلك داخل قاعدة نتنياهو، تبدو أكثر انفتاحًا على حكومة تتجاوز حدود الائتلاف الحالي.
«اليسار» يبقى حاضرًا في خطاب نتنياهو
وفي الوقت الذي قلل فيه نتنياهو من استخدام مصطلح «اليمين» في وصف الحكومة التي يريد تشكيلها، أبقى على مصطلح «اليسار» باعتباره أداة لمهاجمة خصومه السياسيين.
وخلال الفترة التي شملها التحليل، استخدم نتنياهو توصيف «اليسار» في ثمانية منشورات هاجم فيها منافسين له من المعسكر المناوئ.
كما عملت حملة الليكود على تقديم غادي آيزنكوت وحلفائه باعتبارهم جزءًا من معسكر سياسي واحد يضم يائير غولان والأحزاب العربية، مقابل تقليل التركيز في الخطاب الانتخابي على بعض شركاء نتنياهو من اليمين، وبينهم إيتمار بن غفير وشخصيات أكثر تطرفًا داخل الليكود.
وبذلك، يسعى الخطاب الانتخابي إلى رسم استقطاب سياسي مختلف، بحيث يصبح التنافس الأساسي بين نتنياهو ومن يصفهم بمعسكر «اليسار»، بدلًا من أن يتركز النقاش فقط على طبيعة ائتلافه اليميني الحالي.
عودة مؤقتة لشعار «حكومة اليمين»
وشهدت الفترة التي سبقت إغلاق القوائم الانتخابية عودة مؤقتة في خطاب نتنياهو إلى استخدام مصطلح «حكومة اليمين»، بالتزامن مع مساعيه لدفع القوائم الصغيرة في معسكره إلى الاندماج، تفاديًا لضياع أصوات بسبب عدم تجاوز نسبة الحسم.
ويرى تحليل القناة أن هذا الاستخدام ارتبط أساسًا بمرحلة إغلاق القوائم الانتخابية، ولم يكن بالضرورة مؤشرًا على تراجع التوجه نحو تسويق فكرة الحكومة الأوسع.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع استطلاعات أظهرت تقاربًا بين الكتل السياسية، وهو ما يزيد أهمية قدرة نتنياهو على الحفاظ على أصوات معسكره ومنع خسارة المقاعد بسبب تشتت الأصوات بين القوائم الصغيرة.
نتنياهو: لن نستبعد بن غفير وشركاء الائتلاف
وفي اجتماع عقده نتنياهو مع أعضاء قائمة الليكود لمناقشة رسائل الحملة الانتخابية، الخميس، أوضح أن طرحه لفكرة «الحكومة الواسعة» لا يعني التخلي عن شركائه الحاليين.
وقال نتنياهو: «سأقيم حكومة واسعة على أساس أحزاب الائتلاف. إذا انضم آخرون على أساس مبادئنا العريضة فهذا ممتاز، لكننا لن نُخرج أحدًا من الائتلاف الحالي. هو الأساس».
وتكشف هذه التصريحات أن استراتيجية نتنياهو تقوم على مسارين متوازيين: الحفاظ على قاعدة اليمين وتعبئتها انتخابيًا، مع محاولة إبقاء إمكانية توسيع الائتلاف مفتوحة أمام أحزاب وقوى أخرى يمكن أن تتفق مع الخطوط السياسية الأساسية لحكومته.
الحريديون والمترددون في صلب المعركة
وفي ما يتعلق بالأحزاب الحريدية، هاجم نتنياهو خصومه قائلًا إن «اليسار سيعطيهم كل شيء على ورقة بيضاء»، في إشارة إلى سعيه للحفاظ على دعم قاعدته اليمينية وتحذيرها من إمكانية وصول خصومه إلى الحكم.
وشدد خلال الاجتماع مع أعضاء الليكود على ضرورة الالتزام برسائل الحملة والتركيز على الناخبين المترددين، إلى جانب رفع نسبة التصويت بين مؤيدي الحزب.
وقال إن الليكود بحاجة إلى الوصول إلى جمهور يعادل نحو ثلاثة مقاعد من المترددين ودفعهم إلى التصويت، إضافة إلى إخراج قاعدة الحزب إلى صناديق الاقتراع، مضيفًا: «كل أعدائنا يريدون أن نخسر».
نتنياهو يتمسك بهدف الأغلبية اليمينية
ورغم تبنيه خطاب «الحكومة القومية الواسعة»، أكد نتنياهو أمام أعضاء الليكود أن هدفه لا يزال تحقيق أغلبية يمينية تسمح له بتشكيل الحكومة.
وادعى أن هناك «أغلبية في الجمهور لليمين»، متوقعًا أن يحصل الليكود على أكثر من 30 مقعدًا، كما زعم أن الائتلاف الحالي يمتلك 63 مقعدًا حتى من دون قائمة «عمخا يسرائيل» بقيادة عوفر فينتر.
وبذلك، لا تبدو «الحكومة القومية الواسعة» بديلًا عن مشروع نتنياهو لتشكيل حكومة يمينية، بقدر ما تمثل صيغة انتخابية وسياسية تتيح له توسيع خياراته بعد الانتخابات.
فالخطة التي يطرحها نتنياهو تقوم على الحفاظ على الائتلاف الحالي بوصفه قاعدة أساسية، والسعي في الوقت نفسه إلى استقطاب قوى إضافية يمكن أن تنضم إلى الحكومة إذا تطلبت نتائج الانتخابات ذلك، مع استمرار تعبئة الناخبين اليمينيين حول الليكود.
حسابات انتخابية تتجاوز شعار «اليمين»
ويشير مسار الخطاب الانتخابي إلى أن نتنياهو يحاول التعامل مع معادلة سياسية أكثر تعقيدًا من تلك التي واجهها في انتخابات 2022. فمن جهة، يحتاج إلى الحفاظ على ولاء الناخب اليميني وشركائه التقليديين لضمان إمكانية تشكيل حكومة من 61 عضو كنيست على الأقل، ومن جهة أخرى، يبدو أنه يدرك وجود جمهور إسرائيلي أوسع قد يكون أكثر تقبلًا لفكرة حكومة وحدة أو ائتلاف واسع.
ومن هنا يأتي استخدام مصطلح «حكومة قومية واسعة» باعتباره خطابًا يسمح لنتنياهو بالتوجه إلى شرائح تتجاوز قاعدته اليمينية المباشرة، من دون أن يقدم في الوقت ذاته تنازلًا واضحًا عن شركائه الحاليين أو عن هدفه في الاحتفاظ بالسلطة.
وبحسب المعطيات التي أوردها التحليل، فإن نتنياهو لا يغلق أيًا من الخيارين: حكومة يمينية تستند إلى ائتلافه الحالي إذا حصل على الأغلبية، أو حكومة أوسع إذا فرضت نتائج الانتخابات البحث عن شركاء إضافيين. وفي الحالتين، يبقى الليكود والكتلة اليمينية الحالية الأساس الذي يقول نتنياهو إنه لن يتخلى عنه.







