د. سامر موسى - مصدر الإخبارية
في ظل استمرار التعقيدات التي تحول دون انتقال اللجنة الوطنية لادارة غزة ومباشرة مهامها داخل القطاع، يصبح السؤال الاكثر واقعية ليس متى ستدخل اللجنة الى غزة، وانما ماذا يمكنها ان تفعل قبل الدخول؟ وهل تستطيع ان تبدأ ممارسة بعض _ لو القليل_ وظائفها من خارج القطاع؟ يكتسب هذا السؤال اهمية خاصة في ظل ارتباط عمل اللجنة بالترتيبات الخاصة بالمرحلة الثانية وما يتصل بها من ترتيبات سياسية وامنية وادارية.
ومع استمرار الموقف الاسرائيلي المعطل للانتقال الميداني، فان انتظار الدخول قبل البدء في العمل قد يعني خسارة وقت ثمين في بيئة انسانية وخدمية لا تحتمل مزيدا من التأخير.
لكن الادارة عن بعد لا تعني ادارة غزة بالمعنى الكامل، ولا يمكن ان تكون بديلا عن الوجود الفعلي للمؤسسات داخل القطاع، فالمقصود هو البدء من الان في بناء ادوات الادارة، وتوحيد المعلومات، وتنسيق الجهود، وترتيب الاولويات، وتجهيز القرارات والمشروعات والكوادر، بحيث تكون اللجنة قادرة على الانتقال من مرحلة التشكيل الى مرحلة الفعل بمجرد توافر الظروف.
وتشير تجارب ما بعد النزاعات الى اهمية البناء التدريجي للوظائف الحكومية الاساسية، وفي مقدمتها التنسيق التنفيذي، والادارة المالية والخدمة المدنية والحكم المحلي وادارة المساعدات واستعادة الخدمات العامة، كما يمكن للتقنيات الرقمية والعمل المحلي ان يوفرا قاعدة مهمة لاستمرار بعض وظائف الادارة حتى في ظل ضعف السيطرة الميدانية، اذا ارتبطا بالاحتياجات الفعلية للسكان.
ومن هنا يمكن التفكير في عدد من المسارات العملية التي تستطيع اللجنة البدء بها من خارج غزة، دون ادعاء امتلاك سلطات لا تستطيع ممارستها فعليا.
المسار الاول: بناء مرجعية مدنية للمواطن: انشاء مكتب تنسيقي داخل غزة يعمل من خلال كوادر مهنية محلية ويرتبط باللجنة، ليكون نقطة اتصال تستقبل احتياجات المواطنين وتجمع البيانات وتحيلها الى الجهات المختصة، ويواكب ذلك منصة رقمية موحدة للطلبات والاستفسارات، تمنح المواطن عنوانا واضحا للتواصل وتوفر للجنة حضورا وظيفيا قبل حضورها الميداني.
المسار الثاني: انشاء سجل وطني للتعافي: اعداد سجل موحد للاسر والمنشآت والخدمات، يوضح حالة السكن والنزوح والاحتياجات الاجتماعية والصحية والتعليمية والاقتصادية، ويرتبط بخريطة رقمية لحالة المساكن والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطاقة والطرق والاراضي الزراعية والمنشآت الاقتصادية، وبذلك تصبح البيانات اساسا لتحديد الاولويات وتوجيه الموارد، مع ضمان حماية البيانات الشخصية.
المسار الثالث: تنظيم التنسيق بين المساعدات والاحتياجات: لا تحل اللجنة محل الامم المتحدة او المنظمات الانسانية، لكنها تستطيع تنظيم التنسيق المدني الوطني من خلال تحديد المناطق والاسر الاكثر احتياجا ومقارنة ذلك بما يصل فعليا من مساعدات ومشروعات، ويمكن بناء مصفوفة وطنية تربط الاحتياج بالجهة المنفذة ومصدر التمويل ومكان التنفيذ، بما يقلل الازدواجية ويكشف الفجوات.
المسار الرابع: غرفة عمليات وطنية متعددة القطاعات: انشاء غرفة عمليات تجمع بصورة مستمرة المعلومات من البلديات والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والمنظمات المحلية والجهات الدولية، وتتابع المياه والطاقة والصحة والتعليم والغذاء والايواء والنزوح والاسعار والاضرار والبنية التحتية، والهدف هو امتلاك صورة متجددة عن القطاع تساعد على تحديد الاولويات والتدخلات العاجلة.
المسار الخامس: بناء بنك للخبرات والمشروعات الجاهزة:
تجميع قاعدة بيانات للخبراء والكوادر الفلسطينية داخل القطاع وخارجه، وربطهم بفرق متخصصة لاعداد ملفات التعافي. وبالتوازي، انشاء بنك للمشروعات الجاهزة للتمويل، يتضمن الوصف الفني والتكلفة ومكان التنفيذ والجهة المنفذة ومؤشرات النتائج ومصادر التمويل المحتملة، بما يسمح بالانتقال السريع من التخطيط الى التنفيذ.
المسار السادس: الاستعداد المبكر لاعادة بناء الجهاز المدني: اعداد تصور واضح للوظائف الاساسية واحتياجات القطاعات والاجراءات التي تحتاج الى استعادة، مع مراجعة النظم الادارية والمالية والقانونية وتحديد الاولويات في الخدمات البلدية والمالية والتعليم والصحة والاقتصاد والطاقة والنقل والعدل وغيرها، بما يساعد على استمرارية المؤسسات وعدم البدء من الصفر بعد الدخول.
المسار السابع: دعم الاستقرار المجتمعي: لا تستطيع اللجنة من خارج غزة ممارسة وظيفة امنية مباشرة، لكنها تستطيع دعم الاستقرار المدني من خلال قنوات تسوية النزاعات، والتنسيق مع الوجهاء والقيادات المجتمعية والمؤسسات الدينية والقانونية، ورصد المشكلات الاجتماعية، فالاستقرار يرتبط ايضا بوصول المواطن الى العدالة والخدمة والمساعدة، وشعوره بان الموارد توزع وفق قواعد واضحة.
المسار الثامن: الاستعداد الفعلي لليوم التالي: اهم ما يمكن ان تفعله اللجنة قبل دخول غزة هو ان تجعل يوم الدخول يوما للتنفيذ لا يوما لاكتشاف الواقع، لذلك يجب ان تكون خرائط الاضرار، وسجلات الاسر، وقواعد بيانات الخدمات، واولويات البنية التحتية، وقوائم المشروعات، وخطط التمويل، والكوادر ونظم المتابعة والرقابة معدة مسبقا قدر الامكان.
المسألة في جوهرها ليست هل تستطيع اللجنة ان تحكم غزة من الخارج، فهذا تصور غير واقعي، وانما هل تستطيع ان تبدأ من الخارج في بناء مقومات الادارة التي ستحتاجها داخل القطاع؟ والاجابة نعم، اذا فهمت الادارة عن بعد باعتبارها ادارة للمعلومات والتنسيق والاستعداد والربط بين المؤسسات، وليس بديلا عن الوجود الميداني
كما ان نجاح هذا النموذج يتطلب وضوحا في العلاقة بين اللجنة والمؤسسات المحلية والجهات الانسانية والدولية، حتى لا يتحول تعدد مراكز القرار الى مشكلة جديدة، فالمطلوب ليس انشاء جهاز فوق الاجهزة، وانما بناء مركز تنسيق يربط المواطن بالمؤسسات المنفذة والجهات الدولية والمانحة، وفق قواعد واضحة وقابلة للقياس.
لقد اثبتت تجارب التعافي بعد النزاعات ان سرعة استعادة الخدمات لا تعتمد فقط على حجم التمويل، بل على امتلاك البيانات والقدرة على التنسيق والتخطيط والتنفيذ، وفي حالة غزة، حيث حجم الدمار وتعدد الجهات وتداخل الاحتياجات الانسانية مع متطلبات التعافي واعادة الاعمار، تصبح هذه الوظائف اكثر اهمية.
لذلك، فان استمرار التعطيل الميداني لا ينبغي ان يعني توقف العمل المؤسسي، وكلما بدأت اللجنة في بناء هذه المنظومة مبكرا، كان انتقالها الى غزة اسرع واكثر تنظيما، وتحولت لحظة الدخول من بداية العمل الى بداية التنفيذ.
الادارة عن بعد هنا ليست بديلا عن حكم وقعي لقطاع غزة، بل وسيلة لتقليل المسافة بين تشكيل المؤسسة وممارسة وظيفتها، وبناء ادارة تعرف احتياجات الناس وتملك البيانات والاولويات والادوات اللازمة للعمل منذ اليوم الاول.







