تل أبيب - حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من احتمال اللجوء إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، على خلفية دخول السلطات الإسرائيلية، بما فيها قوات الأمن، إلى مجمع تابع لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» في منطقة كفر عقب بالقدس الشرقية، في خطوة اعتبرتها الأمم المتحدة انتهاكاً لحصانة منشآتها.
وجاء تحذير غوتيريش في رسالة بعث بها إلى نتنياهو، عبّر فيها عن «قلق بالغ» إزاء ما وصفه بأنه «انتهاك صارخ آخر» لحصانة مجمع الأونروا في القدس الشرقية، مشيراً إلى أن المنظمة الدولية قد تلجأ إلى المسار القضائي الدولي إذا لم تتخذ إسرائيل إجراءات للوفاء بالتزاماتها القانونية تجاه الأمم المتحدة.
غوتيريش يلوّح بمحكمة العدل الدولية
استند الأمين العام للأمم المتحدة في رسالته إلى المادة 30 من الفصل الثامن من الاتفاقية العامة، التي تنص على إحالة النزاعات المتعلقة بتفسير الاتفاقية أو تطبيقها إلى محكمة العدل الدولية.
وقال غوتيريش إن عدم اتخاذ إسرائيل إجراءات للوفاء بالتزاماتها يمكن أن يؤدي إلى نشوء خلاف بين الأمم المتحدة والدولة الإسرائيلية بشأن تفسير الاتفاقية أو تطبيقها، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام إحالة القضية إلى المحكمة الدولية.
ولم يعلن غوتيريش في هذه المرحلة بدء إجراءات رسمية أمام محكمة العدل الدولية، إلا أن رسالته تضمنت تحذيراً قانونياً واضحاً من إمكانية اللجوء إلى المحكمة إذا لم تستجب إسرائيل لمطالب الأمم المتحدة.
كما أُبلغ رئيسا مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة بمضمون الرسالة، في مؤشر على أن القضية لا تقتصر على خلاف ثنائي بين المنظمة الدولية والحكومة الإسرائيلية، وإنما قد تتحول إلى ملف سياسي وقانوني على مستوى مؤسسات الأمم المتحدة.
اقتحام مجمع الأونروا في قلنديا
تعود القضية إلى العملية التي نفذتها السلطات الإسرائيلية في 25 أغسطس/آب داخل مجمع الأونروا للتدريب في قلنديا، في إطار تطبيق التشريعات الإسرائيلية التي تستهدف نشاط الوكالة داخل إسرائيل.
وبحسب غوتيريش، دخلت السلطات الإسرائيلية، بما فيها قوات الأمن، إلى مركز قلنديا للتدريب من دون الحصول على موافقة الأمم المتحدة، في وقت كان فيه موظفو الأونروا والمستفيدون من خدماتها موجودين في الموقع استعداداً للعام الدراسي المقبل.
وقال الأمين العام إن موظفي الوكالة خضعوا للتفتيش، وإن السلطات الإسرائيلية بقيت في الموقع منذ ذلك الحين وبدأت بتنفيذ أعمال ترميم من دون الحصول على إذن من الأمم المتحدة.
واعتبر غوتيريش هذه الإجراءات «غير مقبولة»، مشيراً إلى أن دخول السلطات الإسرائيلية إلى المركز من دون موافقة مسبقة لم يكن حادثة منفردة، بل يمثل، وفق قوله، المرة الخامسة التي يتم فيها الدخول إلى المنشأة من دون إذن منذ مايو/أيار.
الأمم المتحدة: المنشأة تتمتع بالحصانة
وشدد غوتيريش على أن مركز قلنديا للتدريب «كان ولا يزال منشأة تابعة للأمم المتحدة»، مؤكداً أن المنظمة الدولية لم تتنازل عن حصانة الموقع بأي شكل من الأشكال.
وأوضح أن المجمع يتمتع بالحماية من أي شكل من أشكال الإجراءات القانونية أو التدخل، كما يتمتع موظفو الأونروا بالحصانة فيما يتعلق بالأعمال التي يؤدونها في إطار وظائفهم الرسمية.
وبناء على ذلك، اعتبر غوتيريش أن دخول السلطات الإسرائيلية إلى المركز والبقاء فيه من دون إذن، إلى جانب تفتيش موظفي الأونروا وتنفيذ أعمال داخل المنشأة ووقف برامج التدريب المهني، يشكل «انتهاكات واضحة» لالتزامات إسرائيل.
وطالب الحكومة الإسرائيلية بالتراجع عن هذه الإجراءات «من دون تأخير»، واتخاذ خطوات تحول دون تكرار إجراءات مماثلة مستقبلاً.
إسرائيل أخلت الموقع وسلمته لبلدية القدس
وكانت السلطات الإسرائيلية قد أخلت مجمع كفر عقب، الذي تديره الأونروا، وسلمته إلى بلدية القدس، مستندة إلى موقفها القائل إن المنشأة أقيمت على أرض مملوكة للصندوق القومي اليهودي «كيرن كييمت ليسرائيل»، وإن الوكالة لا تملك حقوقاً قانونية على الموقع.
وبدأت بلدية القدس، وفق المعطيات الواردة، تحويل الموقع إلى مجمع تعليمي ومجتمعي لخدمة سكان المنطقة، باستثمار أولي يتجاوز 40 مليون شيكل.
في المقابل، ترفض الأونروا الموقف الإسرائيلي، وتؤكد أن المنشأة تابعة للأمم المتحدة وتتمتع بالحصانة، وأن إسرائيل لا تملك صلاحية الاستيلاء عليها أو تعطيل عملها فيها.
وكانت الوكالة تدير في الموقع مركزاً للتدريب المهني منذ أكثر من 70 عاماً، قبل أن تتخذ السلطات الإسرائيلية إجراءاتها الأخيرة بحقه.
غوتيريش يذكّر بإجراءات إسرائيلية سابقة
ولم يحصر الأمين العام للأمم المتحدة اعتراضاته في قضية مركز قلنديا، إذ أشار أيضاً إلى هدم مجمع تابع للأونروا في حي الشيخ جراح في يناير/كانون الثاني، إلى جانب قطع الخدمات عن منشآت أخرى تابعة للوكالة.
وقال إن الإجراءات الإسرائيلية ضد الأونروا «غير مقبولة»، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأمم المتحدة تحتفظ بحقوقها بشأن أي مطالبات محتملة بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بمجمعاتها وممتلكاتها.
ويفتح هذا الموقف الباب أمام احتمال انتقال الخلاف من مستوى الاعتراض السياسي والدبلوماسي إلى المطالبة القانونية بالتعويضات، في حال قررت الأمم المتحدة المضي في هذا المسار.
دانون: لن نتأثر بالتهديدات
في المقابل، رفض السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون تحذيرات غوتيريش، مؤكداً أن إسرائيل لن تتراجع عن موقفها.
وقال دانون إن إسرائيل «هي صاحبة السيادة في القدس»، وإنها ستواصل التصرف وفقاً للقانون والقرارات التي اتخذتها.
واتهم السفير الإسرائيلي الأونروا بفقدان حقها في التمسك بالحصانة، مدعياً أن موظفين تابعين لها تورطوا في الإرهاب وفي هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وأضاف أن «تهديدات الأمين العام للأمم المتحدة لن تغيّر الواقع»، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل التمسك بما تعتبره سيادتها، والدفاع عن أمنها، وتطبيق قوانينها في القدس.
مسار قانوني قد يرفع مستوى الضغط على إسرائيل
ولا يعني لجوء الأمم المتحدة إلى محكمة العدل الدولية، في حال حدوثه، فرض عقوبات مباشرة على إسرائيل، إذ لا تملك المحكمة صلاحية فرض عقوبات من تلقاء نفسها.
لكن أي حكم يصدر عن المحكمة قد يكتسب أهمية قانونية وسياسية كبيرة، ويمكن أن تستخدمه أطراف دولية للضغط على إسرائيل، سواء عبر مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو من خلال إجراءات مستقلة تتخذها دول وهيئات دولية.
كما قد يؤدي مسار قضائي من هذا النوع إلى تعزيز المطالبات بالتعويض عن الأضرار التي لحقت بمنشآت الأمم المتحدة، فضلاً عن تشكيل سابقة قانونية يمكن الاستناد إليها في قضايا تتعلق بإخلاء أو إغلاق منشآت أخرى تابعة للأونروا.
وبذلك، يتجاوز الخلاف حول مجمع قلنديا حدود النزاع على منشأة بعينها، ليضع مسألة حصانة منشآت الأمم المتحدة وحقوقها في الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أمام اختبار قانوني ودبلوماسي قد يتسع نطاقه إذا قررت المنظمة الدولية الانتقال من التحذير إلى اتخاذ خطوات رسمية في لاهاي.







