تل أبيب - تتصاعد المخاوف داخل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية من احتمال اندلاع مواجهة واسعة في الضفة الغربية المحتلة، في ظل استمرار اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين وتصاعد التوتر الميداني، بالتزامن مع اقتراب انتخابات الكنيست المقررة بعد نحو شهرين.
ونقلت تحليلات عسكرية إسرائيلية أن الانطباع داخل الجيش يشير إلى وجود أطراف في الحكومة الإسرائيلية تدفع باتجاه تصعيد واسع، سواء بهدف إضعاف السلطة الفلسطينية وتفكيكها أو لتحقيق أهداف مرتبطة بالمعركة السياسية والانتخابية.
وقال المحلل العسكري في صحيفة "يسرائيل هيوم"، يوآف ليمور، إن أعمال الشغب التي نفذها مستوطنون في قرية قصرة، السبت، تمثل امتداداً لسلسلة من الأحداث التي تهدد، بحسب تقديره، بإشعال الأوضاع في الضفة.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي حذّر خلال الأسبوعين الماضيين من تداعيات تصاعد اعتداءات المستوطنين على عملياته في الضفة وعلى قدرته على التعامل مع ملفات أمنية أخرى، مشيراً إلى أن المستوى السياسي لم يتخذ، حتى الآن، خطوات كافية لوقف التصعيد رغم الانتقادات الدولية المتزايدة.
وبحسب ليمور، يتنامى داخل الجيش الإسرائيلي الاعتقاد بأن هناك مسؤولين في الحكومة يرغبون في تصعيد واسع، إما بهدف تقويض السلطة الفلسطينية أو لأسباب سياسية.
نتنياهو يطلب خطة لسيناريو مواجهة مع السلطة
وفي السياق ذاته، أشار المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، إلى أن الضفة الغربية تحولت إلى إحدى أبرز ساحات التوتر بين الحكومة والجيش الإسرائيلي، خصوصاً مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست.
وقال هرئيل إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عقد، الإثنين الماضي، اجتماعاً في مقر القيادة الوسطى للجيش الإسرائيلي، بمشاركة رئيس الأركان إيال زامير ووزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، جرى خلاله بحث احتمال فقدان السيطرة على الأوضاع في الضفة نتيجة تصاعد العنف الذي ينفذه المستوطنون ضد الفلسطينيين.
ووفق ما أورده هرئيل، طلب نتنياهو من الجيش إعداد خطة للتعامل مع سيناريو محتمل يتمثل في توجيه أفراد أجهزة الأمن الفلسطينية أسلحتهم نحو القوات الإسرائيلية، فيما أبلغ زامير بأن خطة من هذا النوع ستُقدم في وقت لاحق.
ويرتبط هذا السيناريو، وفق التحليل الإسرائيلي، بمخاوف من أن يؤدي تصاعد هجمات المستوطنين على القرى الفلسطينية إلى دفع السلطة الفلسطينية لاتخاذ خطوات أمنية، بما فيها تسليح مجموعات محلية، الأمر الذي قد يؤدي إلى اشتباكات مسلحة مع القوات الإسرائيلية.
وفي المقابل، أشار هرئيل إلى أن قيادة السلطة الفلسطينية ما زالت تسعى إلى منع اندلاع مواجهة واسعة في الضفة، لما يمكن أن تتركه من تداعيات على الوضع الداخلي الفلسطيني وعلى المشهد السياسي الإسرائيلي.
مخاوف من استغلال التوتر انتخابياً
ويرى هرئيل أن نتنياهو استفاد سياسياً من تسريب تفاصيل السيناريو المحتمل، إذ أعاد موضوع احتمال انهيار السلطة الفلسطينية إلى النقاش العام، وظهر في الوقت نفسه باعتباره المسؤول الذي يطالب المؤسسة العسكرية بالاستعداد لأسوأ الاحتمالات.
كما اعتبر أن هناك من يشتبه داخل الجيش بأن الحكومة تمهد لتدهور متعمد في الضفة بهدف تحويل الاهتمام العام بعيداً عن الإخفاقات الأمنية والسياسية التي سبقت هجوم 7 أكتوبر.
وتأتي هذه المخاوف في وقت تظهر فيه استطلاعات الرأي، وفق هرئيل، تراجعاً في قوة أحزاب الائتلاف الحكومي، الأمر الذي يعزز حساسية التطورات الأمنية في الضفة خلال الفترة التي تسبق الانتخابات.
الجيش يستعد لاحتمال التصعيد
وفي ظل المخاوف من اتساع نطاق المواجهة، أعلن رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير أن الجيش في حالة جهوزية مرتفعة تحسباً لاحتمال اندلاع تصعيد متعدد الجبهات.
وبحسب ما أورده هرئيل، تشمل الاستعدادات إبقاء الفرقة 98 في حالة تأهب لإمكانية تولي المسؤولية عن جزء من الضفة، بالتوازي مع استمرار فرقة "يهودا والسامرة" في مسؤولياتها بالجزء الآخر، إضافة إلى إلغاء إجازات جنود الاحتياط خلال الأعياد اليهودية الشهر المقبل.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات من أن الفترة المقبلة قد تشهد زيادة في الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، خصوصاً مع حلول الأعياد اليهودية وما قد يرافقها من ارتفاع في التوتر حول المسجد الأقصى ومناطق أخرى في الضفة.
اليمين الإسرائيلي يدفع نحو مواجهة أوسع
وأشار هرئيل إلى أن أصواتاً في اليمين الإسرائيلي، من بينها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش وقيادات في أوساط المستوطنين، لا تخفي رغبتها في اندلاع مواجهة واسعة في الضفة.
وبحسب التحليل، فإن تصعيداً كبيراً قد يمنح الحكومة مبرراً لشن عملية عسكرية واسعة ضد السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى انهيارها والسيطرة على مناطق إضافية وفرض إجراءات تهجير واسعة بحق الفلسطينيين.
وفي المقابل، يحذر مسؤولون عسكريون، وفق هذه التحليلات، من جر الجيش إلى مواجهة جديدة قد تكون مدفوعة باعتبارات سياسية، في وقت تواجه فيه الحكومة الإسرائيلية ضغوطاً داخلية وانتخابية متزايدة.
وبذلك تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة حساسة، تتقاطع فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والانتخابية، فيما يثير استمرار اعتداءات المستوطنين مخاوف من تحول التوتر المتصاعد إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.






