خاص شبكة مصدر الاخبارية_ أكد مسؤولون ومحللون سياسيون أن الرؤية التي طرحها القيادي الفلسطيني ورئيس تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، محمد دحلان، لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وإنقاذ المشروع الوطني، تكتسب أهمية سياسية استثنائية كونها تأتي في لحظة فارقة عقب الحرب والكارثة الإنسانية في غزة، وما يحتاجه البيت الفلسطيني من إعادة هيكلة شاملة.
وأجمع هؤلاء، على أن الرؤية تكتسب أيضاً أهمية بالغة من حيث التوقيت لتحويل ما تعانيه الحالة الفلسطينية من صدمة وشلل شامل إلى فرصة جديدة للمراجعة والاعتراف في الأخطاء السابقة.
ودعا دحلان في رؤيته، إلى تقييم شجاع وصادق للتجربة السياسية الفلسطينية لاستخلاص الدروس من الانقسام وتراجع المشروع الوطني، وضرورة الانتقال إلى مرحلة جديدة قائمة على الشراكة السياسية الحقيقية، والمواطنة، وسيادة القانون، بعيداً عن سياسة التفرد.
وحث دحلان على أهمية إعادة بناء وتفعيل مؤسسات السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية واضحة، والتركيز على إسناد الجهود الرامية لإنهاء المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، ودعم مسارات التهدئة في الشاملة وتهيئة الظروف لمرحلة إعادة الإعمار والاستقرار.
تؤسس لمرحلة جديدة
ويقول الوزير الفلسطيني السابق والقيادي في تيار الإصلاح الديمقراطي، سفيان أبو زايدة، "إن الوضع على الصعيد الوطني يمر بمرحلة كارثية تستوجب إجراء تقييم شامل وإعادة النظر في منظومة العمل السياسي الفلسطيني برمتها".
ويضيف أبو زايدة لشبكة مصدر الاخبارية أن "الرؤية الوطنية المطروحة من قبل دحلان لا تستهدف تصفية الحسابات أو تحميل أي طرف مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، بل تهدف إلى وضع حد للتفرد والانقسام، والتأسيس لمرحلة جديدة ترتكز على الشراكة الحقيقية، وإحياء المؤسسات الوطنية وعلى رأسها منظمة التحرير، وتثبيت مبدأ سيادة القانون والديمقراطية عبر الاحتكام للانتخابات كطريق وحيد لتداول السلطة."
ويشير إلى أن "المحطة الحالية من تاريخ الشعب الفلسطيني من أخطر واصعب المحطات، وتستوجب إجراء تقييم شامل وإعادة النظر في كل منظومة العمل السياسي والفصائلي".
ويبين أن الرؤية تتضمن الكثير من النقاط التي يتضمنها القانون الأساسي الفلسطيني وقوانين منظمة التحرير وبرامج الفصائل، والتي تحتاج لإعادة تسليط الضوء وتطبيقها على أرض الواقع.
وينوه إلى أنها "ترتكز على ضرورة إجراء الانتخابات بشكل منتظم والتي تعتبر مدخلاً لحل المشاكل الفلسطينية، وتتحدث عن مبدأ الفصل بين السلطات، والذي كان أحد أهداف برنامج الرئيس محمود عباس الانتخابي لكن ما حدث كان عكسه".
ويدعو أبو زايدة إلى ضرورة الحفاظ على مشروع السلطة وفصله عن عن العمل التنظيمي وتغليب مصلحة الوطن فوق كل شيء.
الكل الوطني مع البدء بمرحلة جديدة
بدوره، يقول رئيس هيئة العمل الوطني في قطاع غزة محمود الزق، إنه لا يمكن لأي عاقل الاعتراض على الرؤية فمن حيث المبدأ، فهي تدعو لما نادى له وينتظره الشعب الفلسطيني منذ سنوات طويلة.
ويضيف الزق لشبكة مصدر الاخبارية أنه "الرؤية تتحدث عن حق كل القوى الفلسطينية المشاركة في أي انتخابات، رغم الأخطاء، وبعيداً عن الإقصاء في توجه يقود نحو الديمقراطية التي تعتبر أساساً لحل كل المشاكل الداخلية ومظهرا حضارياً يجب تطبيقه".
ويشير إلى أن "الكل الوطني مع البدء بمرحلة جديدة قائمة على الشراكة السياسية على أن يكون القرار فلسطينياً خالصاً بعيداً عن أي مصالح تنظيمية أو إقليمية أخرى". لافتاً إلى أن " الثورة الفلسطينية قدمت آلاف الشهداء من أجل الحفاظ على القرار الفلسطيني بعيداً عن التدخلات الخارجية".
ويؤكد ضرورة عودة الفصائل إلى مظلة منظمة التحرير ونبذ الفرقة بين الفصائل، والابتعاد عن سياسة الإقصاء والتشويه لترميم البيت الفلسطيني.
ويشدد الزق على أن، "ما جاء برؤية دحلان لمراجعة الماضي بمسؤولية عبر مرحلة جديدة قائمة على الاعتراف بما حدث، يدلل على قناعة وطنية للتصالح للقفز عن أخطاء الماضي، وضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية، التي يسعى عدو الشعب الفلسطيني الاول والأخير (اسرائيل) للنيل منها، ومن حقوق هذا الشعب، ومنعه من إقامة دولته".
وينوه أن "التركيز في الرؤية على الشراكة يدلل على فهم ووعي كبير حول المظهر الذي يجب أن يكون به الفلسطينيون أمام العالم، بأن يكونوا موحدين قادرين على قيادة مشروعهم الوطني، وتقرير المصير".
خطة لاستعادة الحياة السياسية
من جانبه، يرى المحلل مخيمر أبو سعدة أن رؤية دحلان عبارة عن خطة متكاملة لاستعادة الحياة السياسية الفلسطينية على أسس ديمقراطية وقبول الرأي والرأي الاخر، بما لا يؤدي لإقصاء أي طرف فلسطيني.
ويقول أبو سعدة لشبكة مصدر الاخبارية أنها رؤية تستحق النظر والعمل بها خلال المرحلة القادمة كون الهدف منها ليس محاسبة من اخطأ على ما حصل، أو تحميل مسؤولية الكوارث التي حلت بالشعب الفلسطيني مؤخراً، خاصة في غزة، بل محاولة لاستخلاص الدروس والعبر وعدم تكرارها مستقبلاً.
ويضيف أنه " لو تم العمل بالرؤية مستقبلاً يمكن أن نجد الشعب الفلسطيني على الطريق الصحيح من جديد". مستدركاً: "صحيح أن هناك احتلال لا يريد الخير للشعب الفلسطيني ولا أن يتوحد والإبقاء على حالة الترهل والانقسام السياسي، لكن مطلوب الان العمل الفلسطيني المشترك للخروج من الأزمة والمازق الحالي واستنهاض الحالة الفلسطينية لمواجهة التحديات الكبيرة، خاصة في ظل محاولة إسرائيل لحسم الصراع مع الفلسطينيين في ظل الظروف الإقليمية المواتية وفقاً للرؤية الإسرائيلية".
ويشدد على أن الرؤية تحمل فرصة حقيقة لإنهاء الانقسام الفلسطيني والخروج من مربع الكارثة التي يمر بها الشعب الفلسطيني.
خارطة طريق للمرحلة المقبلة
إلى ذلك، يقول استاذ العلوم السياسية د. عماد عمر إن رسالة القيادي دحلان ليست مجرد مراجعة للتجربة الفلسطينية، بل رؤية وطنية متكاملة يمكن أن تشكل خارطة طريق للمرحلة المقبلة؛ تنقل من صراع الفصائل إلى شراكة الوطن، ومن هيمنة التنظيمات إلى دولة المؤسسات والقانون، ومن الانقسام إلى نظام سياسي يحتكم لإرادة الشعب وصندوق الاقتراع.
ويضيف عمر في تصريح لشبكة مصدر الاخبارية ان "هذه الرسالة تكتسب أهميتها من أنها تضع المسؤولية الوطنية فوق الحسابات التنظيمية، وتتعامل مع الماضي بهدف استخلاص الدروس لا إعادة إنتاج الخصومات، كما أنها تقدم إجابات واضحة على أسئلة المرحلة: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ومن أين يستمد شرعيته؟ وكيف تتم محاسبته؟ وهي أسئلة لا يمكن تأجيلها بعد كل ما دفعه شعبنا من أثمان باهظة".
ويؤكد عمر أن "الأهم أن هذه الرؤية لا تبحث عن غالب أو مغلوب، ولا تدعو لإقصاء أحد، بل تضع قواعد واضحة تحمي الجميع، وتمنع احتكار السلطة أو استخدام السلاح في الصراع الداخلي، وتعيد الاعتبار للمواطن باعتباره مصدر الشرعية وصاحب الحق في اختيار من يمثله ومحاسبته".
ويشدد على أن المطلوب اليوم ألا تبقى هذه الرؤية في إطار الرسالة، بل أن تتحول إلى مشروع وطني تتبناه القوى والفصائل والمجتمع، وتُترجم إلى خطوات سياسية ودستورية ومؤسساتية؛ لأن إعادة بناء فلسطين لا تبدأ فقط بإعادة إعمار ما دمرته الحرب، بل بإعادة بناء النظام السياسي نفسه على أسس الشراكة والديمقراطية والمواطنة والقانون.







