تل أبيب - أثار دخول العميد السابق في الجيش الإسرائيلي عوفر فينتر إلى الساحة السياسية موجة واسعة من النقاش داخل معسكر اليمين، بعدما أطلق حزباً جديداً يستهدف بصورة أساسية جمهور الصهيونية الدينية، في خطوة يمكن أن تعيد رسم خريطة المنافسة داخل الائتلاف الإسرائيلي.
وبعد نحو عامين من التحضير لدخوله الحياة السياسية، يحاول فينتر تقديم نفسه بوصفه ممثلاً لشريحة من الجمهور الديني القومي الذي يشعر، وفق تقديرات سياسية وإعلامية إسرائيلية، بأن خياراته السياسية باتت محدودة، خصوصاً في ظل الخلافات المتعلقة بتجنيد الحريديم وتراجع الثقة بجزء من أداء حزب «الصهيونية الدينية» بزعامة بتسلئيل سموتريتش.
ولا يقتصر التحدي الذي يمثله فينتر على سموتريتش، إذ إن دخوله المعترك السياسي يضع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمام معادلة أكثر تعقيداً: شخصية يمينية قد تستقطب أصواتاً من ناخبيه، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح شريكاً محتملاً له في تشكيل الحكومة المقبلة.
قاعدة سياسية بُنيت من داخل المجتمع الديني
بدأ فينتر التحضير لمشروعه السياسي من خلال جولات مكثفة في المعاهد التحضيرية للخدمة العسكرية ويشيفوت «هسدير»، وهي مؤسسات تحظى بحضور بارز داخل أوساط الصهيونية الدينية.
ومن خلال هذه الجولات، سعى إلى بناء شبكة من المؤيدين بين المتدينين الذين يؤدون الخدمة العسكرية، وهي شريحة يرى مراقبون أنها تشعر بشكل متزايد بأن الأحزاب القائمة لا تعبر بصورة كاملة عن مواقفها.
ويقول آفي بنياهو، المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي والمستشار الاستراتيجي، إن هناك شعوراً لدى قطاعات من الصهيونية الدينية بأنها أصبحت «بلا بيت سياسي»، في ظل عدم اعتبار سموتريتش ممثلاً كافياً لها، إلى جانب تحفظ بعض أفرادها على سياسات نتنياهو لأسباب أخلاقية وقيمية.
هذه الفجوة السياسية هي التي يحاول فينتر استثمارها، مستفيداً من خلفيته العسكرية ومن صورته داخل الأوساط الدينية والقومية.
مسيرة عسكرية صنعت صورته السياسية
يتمتع فينتر بسيرة عسكرية طويلة، إذ بدأ خدمته في وحدة «سايرت متكال»، إلى جانب نفتالي بينيت، قبل أن يتولى عدداً من المناصب القيادية، ويبرز بشكل خاص خلال خدمته في لواء غيفعاتي.
ويصف ضباط خدموا معه بأنه كان قائداً ميدانياً جريئاً ومبادراً، يتمتع بمعرفة واسعة بتفاصيل الميدان، وكان يميل إلى التقدم في الصفوف الأمامية خلال العمليات.
ومن الوقائع التي يستشهد بها مقربون منه حادثة وقعت عام 2004 في قطاع غزة، عندما تعرضت ناقلة جنود تابعة لقواته للإصابة، حيث بقي في الموقع حتى الانتهاء من جمع أشلاء الجنود الذين قتلوا في الحادثة.
كما وصفه اللواء في الاحتياط غادي شمني، الذي كان قائداً لفرقة غزة خلال فترة تولي فينتر قيادة وحدة استطلاع غيفعاتي، بأنه قائد شجاع وجيد، لكنه أشار إلى أنه كان يدفع بقوة باتجاه تنفيذ أفكاره، الأمر الذي كان يفرض أحياناً على قادته التدخل لكبح اندفاعه.
خطاب ديني أثار جدلاً داخل الجيش
لم تكن مسيرة فينتر العسكرية خالية من الجدل. فقد برز اسمه بصورة خاصة بسبب رسالة ذات مضمون ديني وجهها إلى جنوده خلال إحدى جولات القتال في غزة.
وتضمنت الرسالة إشارات دينية إلى مواجهة عدو وصفه بأنه «يهين ويجدف على إله إسرائيل»، إلى جانب دعاء من أجل نجاح الجنود في المعركة.
وأثارت الرسالة نقاشاً واسعاً بشأن حضور الخطاب الديني داخل الجيش الإسرائيلي، حيث رأى منتقدون أنها تعكس توجهاً دينياً متزايداً في المؤسسة العسكرية.
في المقابل، رفض ضباط خدموا إلى جانب فينتر تفسير الرسالة باعتبارها دليلاً على التطرف، وقالوا إن استخدام الخطاب الديني كان، من وجهة نظره، وسيلة لرفع معنويات الجنود وتوحيدهم خلال القتال.
كما أثار فينتر جدلاً آخر عندما نقل معلومات تتعلق بأنفاق تابعة لحماس في غزة إلى نفتالي بينيت، الذي كان يشغل منصباً وزارياً في ذلك الوقت، من دون المرور الكامل عبر التسلسل القيادي العسكري، الأمر الذي اعتُبر تجاوزاً للتراتبية العسكرية.
لماذا لم يصل إلى رتبة لواء؟
رغم مسيرته العسكرية، لم تتم ترقية فينتر إلى رتبة لواء في عهد ثلاثة رؤساء أركان متعاقبين هم غادي آيزنكوت وأفيف كوخافي وهرتسي هليفي.
وأصبحت هذه المسألة جزءاً من صورته السياسية، خصوصاً داخل أوساط اليمين التي رأت أن مواقفه الدينية والسياسية ربما كانت أحد أسباب عدم ترقيته.
لكن هذا التفسير ليس محل إجماع. فشمني يرى أن امتلاك الضابط قدرات قتالية وقيادية عالية لا يعني بالضرورة أنه مناسب للمستويات الاستراتيجية العليا في هيئة الأركان.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أنهى فينتر خدمته العسكرية بعد فترة استمرت نحو عام ونصف من دون توليه منصباً جديداً، ليتجه بعدها إلى التحضير بصورة أكثر جدية لدخول السياسة.
نتنياهو حاول استقطابه إلى الليكود
بحسب التقرير، حاول بنيامين نتنياهو استقطاب فينتر إلى حزب الليكود، وعرض عليه موقعاً متقدماً ومضموناً في قائمة الحزب، لكن فينتر لم يقبل العرض.
ويرى بنياهو أن هذا العرض يمكن تفسيره بطريقتين: إما أن نتنياهو رأى في فينتر إضافة انتخابية مهمة إلى الليكود، أو أنه أدرك أن بقاءه خارج الحزب قد يجعله منافساً محتملاً في المستقبل.
وتزداد حساسية العلاقة بين الرجلين بسبب تصريحات سابقة لفينتر انتقد فيها نتنياهو، وقال إنه لو كان في موقعه لاستقال بعد هجوم السابع من أكتوبر، باعتبار أن الكارثة وقعت خلال فترة رئاسته للحكومة وأن المسؤولية السياسية لا يمكن التنصل منها.
لكن موقف فينتر شهد لاحقاً تحولاً مهماً، إذ أعلن أنه سيوصي بتكليف نتنياهو فقط بتشكيل الحكومة إذا كانت نتائج الانتخابات تتيح ذلك.
هذا الموقف فتح باب التساؤلات حول مدى استقلال فينتر السياسي عن رئيس الوزراء، وما إذا كان حزبه يمثل بديلاً حقيقياً داخل اليمين أم أنه قد ينتهي به الأمر إلى دعم نتنياهو بعد الانتخابات.
سموتريتش أمام التحدي الأكبر
يبدو أن التأثير المباشر لحزب فينتر سيكون داخل جمهور الصهيونية الدينية، ما يضع بتسلئيل سموتريتش أمام منافس جديد على قاعدة انتخابية قريبة منه أيديولوجياً.
وترى الصحافية رافيت هيخت أن «ظاهرة فينتر» تستهدف بصورة أساسية جمهور الائتلاف، وخصوصاً الناخبين الذين كانوا يصوتون لحزب «الصهيونية الدينية».
ومن المتوقع، وفق هذا التقييم، أن يتعرض فينتر لضغوط من أجل الاندماج أو التحالف مع حزب سموتريتش، خصوصاً إذا واجه خطر عدم تجاوز نسبة الحسم.
لكن استقلال فينتر عن سموتريتش قد يكون في الوقت نفسه أهم عناصر قوته السياسية؛ إذ إن جزءاً من جاذبيته يقوم تحديداً على تقديم نفسه كخيار جديد لا ينتمي إلى القيادة التقليدية للصهيونية الدينية.
خصم لنتنياهو أم ورقة في يده؟
السؤال الأكثر إثارة للجدل يتعلق بعلاقة فينتر بنتنياهو.
فهناك من يرى أن الحزب الجديد يمكن أن يتحول إلى قناة تستقطب الناخبين اليمينيين الذين يشعرون بالغضب من نتنياهو بسبب أحداث السابع من أكتوبر، لكنهم لا يرغبون في الانتقال إلى معسكر سياسي آخر.
وبحسب هذا السيناريو، يمكن لفينتر أن يقدم نفسه باعتباره خياراً مستقلاً، فيما يبقى جزء كبير من جمهوره مستعداً في النهاية لدعم حكومة برئاسة نتنياهو.
وهذا ما يفتح الباب أمام مفهوم «النتنياهوية الخفية»، أي أن الناخب الذي لا يريد التصويت مباشرة لنتنياهو قد يمنح صوته لفينتر، ثم يجد نفسه لاحقاً أمام حزب يدعم حكومة يقودها نتنياهو.
لكن هذا السيناريو ليس مضموناً، إذ يمكن للحزب الجديد أيضاً أن يتحول إلى قوة مستقلة داخل اليمين، خصوصاً إذا نجح في بناء قاعدة انتخابية تتجاوز الصهيونية الدينية التقليدية وتستقطب ناخبين يمينيين من أحزاب أخرى.
علاقات تثير الحسابات داخل مكتب نتنياهو
وتزيد بعض العلاقات السياسية السابقة لفينتر من حساسية موقعه داخل المشهد الانتخابي، ولا سيما علاقاته القديمة مع أفيغدور ليبرمان.
كما أن وجود مستشارين وشخصيات سياسية عملت سابقاً مع ليبرمان أو كانت لها صلات بمحيطه يثير مخاوف لدى معسكر نتنياهو من أن الحزب الجديد قد لا يكون مجرد امتداد تقليدي لمعسكر اليمين.
ويأتي ذلك في وقت تتسم فيه الساحة الإسرائيلية بدرجة عالية من الاستقطاب، بينما تستعد الأحزاب لخوض معركة انتخابية ستكون فيها كل كتلة من الأصوات ذات أهمية كبيرة في تحديد شكل الحكومة المقبلة.
لاعب جديد بمعادلة غير محسومة
يمتلك عوفر فينتر مجموعة من العناصر التي يمكن أن تمنحه وزناً سياسياً يفوق حجم حزبه الأولي: خلفية عسكرية بارزة، حضور داخل الأوساط الدينية والقومية، خطاب يميني واضح، ومسافة نسبية عن القيادات السياسية التقليدية.
لكن نجاحه سيعتمد في النهاية على قدرته على تحويل صورته العسكرية والشعبية داخل قطاعات محددة إلى قوة انتخابية فعلية تتجاوز نسبة الحسم.
وبالنسبة إلى سموتريتش، فإن الخطر واضح ومباشر: ظهور منافس داخل القاعدة الانتخابية نفسها.
أما بالنسبة إلى نتنياهو، فالمعادلة أكثر تعقيداً؛ إذ يمكن لفينتر أن يكون خصماً يسحب أصواتاً من الليكود، أو حليفاً محتملاً يعيد تلك الأصوات إلى معسكر اليمين عند تشكيل الحكومة.
وفي الحالتين، بات فينتر لاعباً لا يمكن تجاهله في الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، فيما يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع بناء قوة يمينية مستقلة فعلاً، أم أن صعوده سينتهي بإعادة ترتيب الأصوات داخل المعسكر نفسه من دون تغيير موازين القوى الأساسية؟







