وكالات - لم يعد مضيق هرمز مغلقاً بالكامل، إلا أن حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم لا تزال بعيدة عن مستوياتها الطبيعية، في ظل استمرار المخاطر الأمنية وتباين بيانات تتبع السفن، بالتزامن مع تحركات من جانب الدول والشركات لإعادة تنظيم مسارات تصدير النفط.
وتأتي التطورات في وقت تواصل فيه أسواق الطاقة مراقبة حركة السفن عبر المضيق، الذي يمثل ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز من منطقة الخليج إلى الأسواق العالمية، بينما تدفع المخاطر الأمنية المنتجين إلى استخدام وسائل بديلة لتقليل الاعتماد على العبور المباشر.
تحسن محدود في حركة السفن
أظهرت بيانات شركة «كبلر»، وفق ما نقلته «رويترز»، عبور 10 سفن للسلع عبر مضيق هرمز يوم الأربعاء 26 أغسطس، مقارنة مع 5 سفن في اليوم السابق، إلا أن هذا المستوى ظل أقل من المتوسط المتحرك لعشرة أيام، والبالغ نحو 15 سفينة.
وشملت حركة الملاحة ناقلة وقود متوسطة الحجم، وناقلة بيتومين، وسفينة بضائع سائبة غادرت الخليج عبر المضيق.
وفي المقابل، أحصت منصة «شيب فايندر» 14 عملية عبور في اليوم ذاته، بعدما بلغت حركة العبور ذروة حديثة عند 36 سفينة في 22 أغسطس، وفق نطاق رصد يشمل فئات أوسع من السفن التجارية وسفن الشحن والدعم.
وتعكس الفروقات بين بيانات منصات التتبع صعوبة تحديد الحجم الفعلي لحركة الملاحة، في ظل اختلاف منهجيات الرصد، إلى جانب قيام بعض السفن بإيقاف أجهزة إرسال مواقعها أثناء الرحلات.
وبلغ إجمالي عدد السفن الموجودة داخل الخليج العربي 4018 سفينة في 26 أغسطس، مقابل نطاق تراوح بين 3530 و4426 سفينة خلال الثلاثين يوماً الماضية.
كما أظهرت بيانات «شيب فايندر» أن ناقلة النفط الهندية «هانا» تراجعت عن استخدام المسار الجنوبي بعد تلقي تحذيرات، في مؤشر على استمرار القيود والمخاطر التشغيلية التي تواجه السفن.
ناقلة تتعرض لحريق بعد إصابتها بمقذوف
وتزامن استمرار حركة الملاحة مع حادث أمني جديد في المضيق، بعدما تلقت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO) بلاغاً عن إصابة ناقلة بمقذوف مجهول، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها.
وتمكنت السلطات المحلية من إخماد الحريق، فيما أكدت الهيئة سلامة جميع أفراد الطاقم وعدم تسجيل أي حالات فقدان أو أضرار بيئية.
ودعت الهيئة السفن إلى توخي أقصى درجات الحذر خلال عمليات العبور، والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه.
وفي تطور منفصل، تحدثت «إتش إف آي ريسيرش» عن سماع انفجارات في منطقة مضيق هرمز، مشيرة إلى إطلاق صواريخ إيرانية مضادة للسفن باتجاه سفن وصفتها بأنها «مخالفة».
النفط يتدفق عبر هرمز رغم المخاطر
وعلى صعيد أسواق النفط، ارتفعت شحنات الكويت وقطر عبر مضيق هرمز، لتستعيد الدولتان نحو 70% من مستويات التصدير التي كانت تسجلها قبل اندلاع الحرب، وفق تقديرات تجار مطلعين على السوق.
وتشير تقديرات حركة الناقلات إلى مرور نحو 7 إلى 8 ملايين برميل من النفط يومياً عبر المضيق حالياً، مقابل نحو 4 ملايين برميل يومياً في منتصف يوليو، أي ما يعادل نحو ثلاثة أرباع مستويات ما قبل الحرب.
وقدرت «فورتيكسا» متوسط التدفقات خلال سبعة أيام بنحو 10 ملايين برميل يومياً، رغم استمرار التوترات والخلافات المتعلقة بإدارة المضيق.
وكانت الإمارات من أوائل المنتجين الخليجيين الذين استأنفوا تصدير كميات كبيرة عبر المضيق، مستفيدة من آلية «الناقل المكوكي» التي تقوم على نقل الشحنات إلى سفن أخرى في خليج عُمان.
وانضمت السعودية إلى هذا النهج، خصوصاً مع تزايد مخاطر الملاحة في البحر الأحمر نتيجة هجمات الحوثيين على السفن، ما دفعها إلى تعزيز اعتمادها على مسارات هرمز.
النقل بين السفن يتوسع
وأصبح النقل بين السفن إحدى الأدوات الرئيسية التي يلجأ إليها منتجو النفط الخليجيون لمواصلة التصدير مع تقليل المخاطر المرتبطة بالعبور المباشر.
وبموجب هذه الآلية، تنقل الشحنات إلى ناقلات أخرى خارج المضيق، ما يسمح للمنتجين بالاستمرار في الوصول إلى الأسواق العالمية دون تعريض جميع الناقلات لمسار العبور عالي المخاطر.
واعتمدت الكويت بدرجة كبيرة على أسطولها المكون من 11 ناقلة عملاقة، وفق بيانات «إيكواسيس»، فيما أظهرت منصات التتبع أن عدداً كبيراً من هذه الناقلات لم يبث إشارات عبر الأقمار الصناعية لفترات طويلة، ما يرجح تعطيل أجهزة التتبع أو خروج السفن من نطاق الرصد.
وساعدت هذه الآلية الكويت على طرح شحنات في السوق الفورية، إلى جانب الوفاء بالتزاماتها طويلة الأجل تجاه عملائها في شرق آسيا.
أما قطر، فتُنقل شحناتها النفطية في الغالب بواسطة ناقلات تجارية، فيما عرضت «قطر للطاقة» هذا الأسبوع بيع خامها من خلال نقل الشحنات بين السفن خارج مضيق هرمز.
العراق يبحث عن مسار خارج المضيق
وفي خطوة تعكس اتساع نطاق التحوط من مخاطر الملاحة، أتاحت شركة تسويق النفط العراقية «سومو» للمشترين، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، خيار تسلّم خام البصرة خارج الخليج العربي.
وطرحت «سومو» خامي البصرة المتوسط والثقيل ضمن مناقصة لشحنات الشهر المقبل، مع إمكانية تسلم الخام عبر عمليات نقل بين السفن قبالة الساحل العُماني.
ويمثل هذا التوجه تحولاً في استراتيجية العراق، الذي اعتمد خلال الفترة الماضية على تقديم خصومات لجذب التجار والمصافي إلى تحميل نفطه من مناطق داخل الخليج.
كما أسهمت شركات تجارية كبرى في نقل النفط العراقي إلى الأسواق العالمية خلال فترة الحرب، في ظل استمرار اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على صادراتها التي تمر عبر مضيق هرمز.
خلاف حول إزالة الألغام
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الولايات المتحدة إحراز تقدم كبير في إزالة الألغام من مسارات الملاحة، لا تزال هناك شكوك لدى بعض حلفائها بشأن خلو مضيق هرمز بالكامل من الألغام.
وتشير تقديرات إلى احتمال بقاء ما بين 80 و150 لغماً في المنطقة، فيما يرى مسؤولون أن هذه الأرقام قديمة ولا تعكس الوضع الحالي.
وأكدت القيادة المركزية الأميركية أن مسارات العبور المعترف بها دولياً خالية من الألغام الإيرانية، بينما أعلن قائد «سنتكوم» تدمير أكثر من 90% من مخزون إيران المقدر بنحو 8 آلاف لغم.
لكن المخاوف لا تتعلق فقط بعدد الألغام التي لم تُكتشف، إذ إن احتمال انجراف بعضها بفعل التيارات البحرية قد يؤدي إلى تغيير مواقعها الأصلية، الأمر الذي يزيد صعوبة عمليات الكشف والتطهير.
وترى جهات مرتبطة بالملاحة الدولية أن استعادة ثقة شركات الشحن تتطلب عملية دولية واسعة لتطهير المضيق، مدعومة بمعدات متخصصة لكشف الألغام وحماية بحرية وجوية.
هرمز بين التعافي والمخاطر
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن مضيق هرمز يشهد تعافياً جزئياً في حركة الملاحة، لكنه لم يعد بعد إلى قواعد التشغيل الطبيعية.
ففي الوقت الذي ترتفع فيه تدفقات النفط وتستأنف بعض الناقلات عمليات العبور، لا تزال المخاطر الأمنية، واحتمالات وجود ألغام، والتهديدات الصاروخية، تدفع شركات الشحن والمنتجين إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، بينها تعطيل أجهزة التتبع والنقل بين السفن واستخدام مسارات بديلة.
ويظل مستقبل حركة الملاحة مرتبطاً بمدى تراجع المخاطر الأمنية وقدرة الأطراف المعنية على توفير ضمانات كافية لشركات الشحن، خصوصاً أن أي اضطراب جديد في المضيق قد ينعكس سريعاً على إمدادات النفط وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.







