تل أبيب - تواجه إسرائيل نقاشاً متزايداً حول مستقبل المساعدات الأميركية التي تحصل عليها منذ عقود، في وقت تتصاعد فيه تكلفة الحروب والإنفاق العسكري وتزداد الضغوط على الاقتصاد الإسرائيلي.
وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد قال العام الماضي إن إسرائيل قد تصل خلال نحو 10 سنوات إلى مرحلة تتوقف فيها تدريجياً عن الاعتماد على المساعدات الأميركية، معتبراً أن بلاده يمكن أن «تُفطم» عن هذا الدعم على المدى الطويل.
لكن الطرح يواجه تحفظات داخل إسرائيل، خصوصاً في ظل ارتفاع الإنفاق الدفاعي نتيجة الحروب الأخيرة، واتساع الاحتياجات العسكرية، واستمرار الاعتماد على الولايات المتحدة في مجالات التسليح والدفاع الجوي والدعم الاستراتيجي.
3.8 مليار دولار سنوياً
تتلقى إسرائيل بموجب اتفاق المساعدات العسكرية الحالي نحو 3.8 مليار دولار سنوياً، فيما بلغت قيمة المساعدات الأميركية التراكمية لإسرائيل نحو 175 مليار دولار حتى عام 2025، وفق أرقام أوردتها تقارير للكونغرس الأميركي.
ويعود اتفاق المساعدات الحالي إلى مذكرة تفاهم تغطي الفترة 2019-2028، بقيمة إجمالية تبلغ نحو 38 مليار دولار، ما يجعل الدعم الأميركي أحد أبرز مصادر التمويل الخارجي للمنظومة الأمنية الإسرائيلية.
وتجاوز الدعم الأميركي خلال سنوات الحرب الأخيرة المساعدات السنوية التقليدية، إذ شمل دعماً عسكرياً مباشراً وتعزيزات للدفاع الجوي ونشر منظومات عسكرية في المنطقة، إضافة إلى مشاركة أميركية مباشرة في المواجهة مع إيران، بحسب ما أورده التقرير.
تداعيات اقتصادية محتملة
يحذر اقتصاديون ومسؤولون إسرائيليون من أن وقف المساعدات سيضيف أعباء جديدة إلى الموازنة العامة، التي تعاني بالفعل من ارتفاع تكلفة الحرب وزيادة الإنفاق الدفاعي.
ووفق تقديرات منسوبة إلى محافظ بنك إسرائيل أمير يارون، فإن وقف المساعدات الأميركية قد يؤدي إلى زيادة الدين العام الإسرائيلي بنحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل نحو 45 مليار شيكل.
كما أشارت التقديرات إلى أن وقف المساعدات السنوية قد يتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي، وربما زيادة الإيرادات الضريبية أو اللجوء إلى مزيد من الاقتراض لتمويل الاحتياجات الأمنية.
وتأتي هذه الضغوط بالتزامن مع خطط لزيادة الإنفاق الدفاعي خلال العقد المقبل، في ظل استمرار تداعيات الحروب في غزة ولبنان وإيران.
الصناعات العسكرية قد تكون المستفيد الأكبر
في المقابل، قد يؤدي تقليص الاعتماد على التمويل الأميركي إلى تعزيز الصناعات الدفاعية الإسرائيلية، مع انتقال جزء أكبر من الإنفاق العسكري إلى الشركات المحلية.
ويشير مسؤول اقتصادي إسرائيلي رفيع، بحسب التقرير، إلى أن الأموال الأميركية أثرت تاريخياً في قرارات شراء الأسلحة والذخائر، وأن جزءاً من المشتريات من الشركات الأميركية كان مرتبطاً بتوافر التمويل بالدولار.
كما أن الاتفاق الحالي يتضمن قيوداً متزايدة على استخدام أموال المساعدات في شراء المنتجات العسكرية الإسرائيلية، وصولاً إلى توقف هذا النوع من المشتريات في السنة الأخيرة من الاتفاق، عام 2028.
خلاف داخل إسرائيل بشأن وقف المساعدات
ولا يوجد توافق داخل إسرائيل بشأن فكرة الاستغناء عن الدعم الأميركي.
ففي حين يرى مؤيدو الخطوة أنها قد تمنح إسرائيل استقلالية أكبر في اتخاذ قراراتها الدفاعية وتقلل اعتمادها على واشنطن، يحذر اقتصاديون ومسؤولون أمنيون من أن الظروف الحالية لا تسمح بتحمل خسارة هذا المصدر من التمويل.
وقال المستشار الاقتصادي السابق لجهاز الأمن الإسرائيلي، آشير تيشلر، إن الوقت غير مناسب لتقليص المساعدات، مشيراً إلى وجود ضغوط اقتصادية كبيرة على إسرائيل والحاجة إلى استمرار الاتفاق.
وأضاف أن الجهات الأمنية الإسرائيلية تسعى إلى استئناف اتفاق المساعدات، في ظل الحاجة إلى الحفاظ على قدرة الجيش على تمويل احتياجاته المتزايدة.
المساعدات تتحول إلى ورقة ضغط سياسية
ولا تقتصر أهمية المساعدات الأميركية على الجانب المالي، إذ أصبحت أيضاً جزءاً من العلاقة السياسية والأمنية بين واشنطن وتل أبيب.
ونقل التقرير عن مسؤول أمني إسرائيلي أن استمرار الحرب وتأثيرها على الاقتصاد الأميركي أديا إلى تراجع أهمية إسرائيل لدى قطاعات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة.
كما أشار المسؤول إلى أن المفاوضات بشأن اتفاق المساعدات الجديد تشمل ملفات مرتبطة بالحروب في إيران ولبنان وغزة، وأن واشنطن قد تستخدم المفاوضات للضغط على الحكومة الإسرائيلية بشأن طريقة إدارة هذه الجبهات.
وكان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قد أكد أن الولايات المتحدة ستواصل مساعدة إسرائيل، لكنه شدد على أن المساعدات الأميركية ليست «شيكاً على بياض»، داعياً إسرائيل إلى مراعاة المصالح والسياسات الأميركية.
نتنياهو يراهن على العلاقة الاستراتيجية
وبحسب التقرير، يبدو أن نتنياهو يدرك تنامي المشاعر السلبية تجاه إسرائيل داخل الولايات المتحدة، إلى جانب توجه إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو تقليص المساعدات الخارجية.
وفي هذا السياق، قد يكون حديث نتنياهو عن الاستغناء التدريجي عن المساعدات محاولة للجمع بين هدفين: الحفاظ على الدعم الأميركي السياسي والعسكري، وتقليل الاعتماد مستقبلاً على التمويل المباشر.
لكن التخلي عن المساعدات في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري قد يضع إسرائيل أمام معادلة أكثر صعوبة: استقلالية أكبر في القرار مقابل تكلفة مالية أعلى.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن قيمة المساعدات المالية نفسها تمثل جزءاً محدوداً من حجم الالتزام الأميركي الأوسع بأمن إسرائيل، ما يجعل مستقبل العلاقة مرهوناً ليس فقط بحجم التمويل، وإنما أيضاً باستمرار التعاون العسكري والاستخباراتي والسياسي بين البلدين.







