تل أبيب - كشف تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» عن توسع ملحوظ في إقامة البؤر الاستيطانية الإسرائيلية داخل مناطق تخضع للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، في تطور يشير، بحسب التحقيق، إلى انتقال النشاط الاستيطاني من مناطق واسعة في المنطقة C إلى مناطق B، ووصوله في حالة واحدة على الأقل إلى المنطقة A.
وبحسب التحقيق، أُقيمت ما لا يقل عن 30 بؤرة استيطانية خلال العامين ونصف العام الماضيين، غالبيتها في مناطق B، فيما أقيمت بؤرة واحدة معروفة حتى الآن داخل منطقة A.
وتقول «هآرتس» إن هذه البؤر لا تظهر بصورة عشوائية، وإنما يجري اختيار مواقعها في مناطق مرتفعة واستراتيجية، وبالقرب من الطرق ومناطق البناء الفلسطينية، بما يسمح، وفق التحقيق، بتقييد التوسع العمراني الفلسطيني والسيطرة على مساحات مفتوحة وقطع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية.
قصرة نموذجاً للتوسع الاستيطاني
ويعرض التحقيق بلدة قصرة جنوب نابلس نموذجاً لهذه السياسة، من خلال بؤرة «تل تلبيوت» التي أقيمت على أراضي البلدة، على بعد نحو كيلومترين داخل منطقة B.
وينقل التحقيق عن سكان فلسطينيين قولهم إن المستوطنين ينفذون دوريات يومية بالقرب من منازلهم، ويتعرضون للفلسطينيين الذين يصادفونهم بمفردهم.
كما يشير إلى مقتل الفلسطيني أمير عودة برصاص مستوطن في مارس/آذار الماضي، وإصابة والده طعناً، إضافة إلى وقوع اعتداءات أخرى طالت فلسطينيين ونشطاء إسرائيليين معارضين للاستيطان.
وبحسب التحقيق، لا تزال المنطقة المحيطة بالبؤرة خاضعة لسيطرة فعلية للمستوطنين بعد نحو سبعة أشهر من إقامتها، رغم تنفيذ قوات الأمن الإسرائيلية عمليات لإبعادهم أو إزالة بعض المنشآت.
لكن المستوطنين، وفق «هآرتس»، يعودون سريعاً إلى المواقع ويعيدون بناء المنشآت التي أزيلت، فيما وصف التحقيق العلاقة الميدانية بين المستوطنين والجنود بأنها ودية في كثير من الحالات.
توسع البؤر في مناطق A وB
يسرد التحقيق عدداً من البؤر التي أقيمت في مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية، بينها «ماغين يهودا» قرب نابلس، و«أور نحمان» قرب ترمسعيا، و«همشولاش» قرب أبو فلاح، و«كفار ترفون» في عطارة.
كما أشار إلى مزرعة ومقهى إسرائيلي قرب رامون والطيبة، يصف القائمون عليه بأنه الأول من نوعه في منطقة B.
أما البؤرة المعروفة باسم «هريخس»، فأقيمت جنوب سنجل داخل منطقة A، لتكون، وفق المعطيات التي أوردها التحقيق، البؤرة الوحيدة المعروفة حتى الآن داخل هذه المنطقة.
ويربط التحقيق بين وجود عدد من هذه البؤر ووقوع اعتداءات ضد الفلسطينيين، إضافة إلى تعطيل طرق ومشاريع بناء وتوسع عمراني فلسطينية.
تغير في سياسة التعامل مع البؤر
وتشير «هآرتس» إلى أن إقامة بؤر استيطانية داخل مناطق A وB لم تكن ظاهرة مألوفة قبل عام 2024، وأن محاولات سابقة لإقامة مثل هذه المواقع كانت تواجه أوامر إزالة صادرة عن الإدارة المدنية الإسرائيلية.
لكن التحقيق يرى أن هذه السياسة تغيرت خلال فترة حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، مع توسع المبادرات الاستيطانية وارتفاع مستوى الدعم السياسي لها.
ويشير التقرير إلى أن إقامة البؤر في المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية أصبحت جزءاً من تحرك أوسع للسيطرة على الأراضي المفتوحة ومنع التوسع الفلسطيني.
دعم من وزراء وأعضاء كنيست
ولا يحصر التحقيق الظاهرة في مجموعات استيطانية هامشية، بل يلفت إلى دعم سياسي علني من وزراء وأعضاء في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي.
ويورد مثالاً على ذلك زيارة الوزير عميحاي شيكلي لبؤرة «تل تلبيوت»، حيث وصفها بأنها «نقطة استيطانية استراتيجية»، ودعا إلى تجاوز التقسيم التقليدي للضفة الغربية إلى مناطق A وB وC.
كما عقد منتدى «عائدون إلى البيت» مؤتمراً في الكنيست تحت عنوان «السيطرة على المناطق المفتوحة»، طُرحت خلاله دعوة لإقامة 100 بؤرة استيطانية جديدة في مناطق A وB.
وشارك في المؤتمر عدد من أعضاء الائتلاف، بينهم سمحا روتمان، تالي غوتليف، يوآف كيش، شلومو كرعي، أوريت ستروك وتسفي سوكوت.
وبحسب التحقيق، يقول منظمو المبادرة إن خطتهم عُرضت على وزراء في الحكومة وشخصيات مقربة من نتنياهو، فيما يقدم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش دعماً مهماً لها.
استهداف المساحات المفتوحة
ويكشف التحقيق عن وجود تصور جغرافي لدى القائمين على المشروع الاستيطاني لاستهداف المناطق المفتوحة في مناطق A وB.
ووفق المعطيات التي أوردتها «هآرتس»، يُنظر إلى نحو 60% من أراضي مناطق A وB، بما يعادل قرابة 1.2 مليون دونم، باعتبارها مساحات مفتوحة يمكن استهدافها بالنشاط الاستيطاني.
وخلال أحد المؤتمرات، عرض عضو الكنيست أفيحاي بوعرون من حزب الليكود صوراً جوية لمناطق البناء الفلسطينية في منطقة B، واعتبرها جزءاً من «بناء سياسي» يهدف إلى السيطرة على مناطق استراتيجية.
كما أشاد بإقامة مزارع استيطانية يرى أصحابها أنها قادرة على منع القرى الفلسطينية من التوسع.
وينقل التحقيق عن محامين ونشطاء إسرائيليين معارضين للاستيطان اعتقادهم بأن الهدف من هذه السياسة يتجاوز السيطرة على الأراضي في المنطقة C، ليشمل منع التطور العمراني الفلسطيني تدريجياً في مناطق A وB أيضاً.
الجيش الإسرائيلي: إقامة البؤر غير قانونية
في المقابل، يؤكد الجيش الإسرائيلي رسمياً أن إقامة البؤر الاستيطانية في مناطق A وB غير مسموح بها.
ونقلت «هآرتس» عن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، آفي بلوت، قوله إن إقامة نقاط استيطانية في هذه المناطق «مخالفة للقانون ولتوجيهات الحكومة».
كما قال الجيش للصحيفة إن «وفقاً لتوجيهات المستوى السياسي، لن يسمح الجيش الإسرائيلي بإقامة بؤر استيطانية في مناطق A وB».
لكن التحقيق يسلط الضوء على فجوة واضحة بين الموقف الرسمي وبين ما يجري على الأرض، في ظل استمرار بعض البؤر وعودة المستوطنين إليها بعد عمليات الإخلاء.
سياسة تتجاوز المنطقة C
وخلص تحقيق «هآرتس» إلى أن توسع البؤر الاستيطانية داخل مناطق السلطة الفلسطينية لا يبدو مجرد سلسلة من المبادرات الفردية، بل ظاهرة آخذة في الاتساع وتحظى بدعم من شخصيات سياسية بارزة داخل الائتلاف الحكومي.
ويرى التحقيق أن محدودية إجراءات الإخلاء وإنفاذ القانون، مقارنة بسرعة عودة المستوطنين وإعادة بناء المواقع، تثير تساؤلات بشأن مدى جدية التعامل الرسمي مع هذه الظاهرة.
وبحسب الخلاصة التي قدمتها الصحيفة، فإن ما يجري قد يعكس تحولاً تدريجياً في النشاط الاستيطاني من التركيز على المنطقة C إلى التوغل في المناطق A وB الخاضعة للسلطة الفلسطينية، بهدف السيطرة على الأراضي المفتوحة وعرقلة التوسع العمراني الفلسطيني ومنع قيام تواصل جغرافي متصل بين التجمعات الفلسطينية.







