نيويورك - قال الممثل الأعلى لشؤون غزة، نيكولاي ميلادينوف، إن الاتفاق على خارطة طريق لاستكمال تنفيذ الخطة الشاملة للقطاع يمثل «اختراقًا تاريخيًا»، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة التفاهمات السياسية إلى إجراءات ميدانية قابلة للتحقق، بما يضمن نزع السلاح ونقل المسؤوليات المدنية والأمنية إلى إدارة فلسطينية انتقالية.
وأوضح ميلادينوف، في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي في نيويورك بشأن تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803، أن حركة حماس والفصائل الفلسطينية وافقت في 30 يوليو/تموز على خارطة الطريق لاستكمال تنفيذ الخطة الشاملة لغزة، والتي تتضمن، بحسب عرضه، تسليم الأسلحة ونقل كامل سلطة الحكم، المدنية والأمنية، إلى إدارة انتقالية معترف بها من الأمم المتحدة.
وأكد أن خارطة الطريق لا تحل محل الخطة الشاملة أو قرار مجلس الأمن 2803، وإنما تستند إليهما باعتبارهما الإطار الدولي الحاكم، وتحول ما ورد فيهما إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ والتحقق.
نزع السلاح شرط أساسي للمرحلة المقبلة
وشدد ميلادينوف على أن خارطة الطريق تشمل جميع فئات الأسلحة الموجودة في قطاع غزة، دون استثناء، موضحًا أن الأسلحة ستُخرج من سيطرة الفصائل وتوضع تحت عهدة اللجنة الوطنية لإدارة غزة، قبل جعلها غير صالحة للاستخدام تحت إشراف دولي.
وأشار إلى أن الانسحاب الإسرائيلي سيأتي بعد التحقق من عملية نزع السلاح، وأن العملية ستتم على مراحل وفق تسلسل متبادل، بحيث لا تبدأ مرحلة جديدة إلا بعد استكمال المرحلة السابقة والتصديق عليها.
وأوضح أن نزع سلاح القطاع لن يتم خلال فترة قصيرة، مؤكدًا أن خارطة الطريق لا تضع موعدًا نهائيًا جامدًا لإتمام العملية، بل تحدد ترتيب الخطوات والمعايير المطلوبة لإثبات تنفيذ كل مرحلة.
وأضاف أن لجنة التحقق من التنفيذ ستتولى التصديق على الالتزام، بقيادة مجلس السلام والولايات المتحدة، وبدعم من قوة الاستقرار الدولية والوسطاء.
وفيما يتعلق بإسرائيل، قال ميلادينوف إنها ليست طرفًا موقعًا على خارطة الطريق، مشيرًا إلى أن المطلوب منها هو إعادة تأكيد التزاماتها بموجب الخطة الشاملة وبروتوكول شرم الشيخ، مع بقاء عدد من مسائل التنفيذ بحاجة إلى تسوية.
«سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد»
اعتبر ميلادينوف أن أهمية خارطة الطريق لا تقتصر على وجود وثيقة سياسية متفق عليها، بل تكمن في ثلاثة تطورات رئيسية، أولها قبول حماس والفصائل بالخطة الشاملة والإطار الذي ينص على نزع السلاح بالكامل وتسليم السلطة الحاكمة في غزة.
أما التطور الثاني، بحسب ميلادينوف، فهو الاتفاق على مبدأ «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد»، بما يعني إنهاء وجود السلاح خارج إطار السلطة الشرعية.
ويتمثل التطور الثالث في اعتماد آلية قائمة على الأداء وليس على المواعيد الزمنية، بحيث يخضع الانتقال بين المراحل للتحقق من تنفيذ الالتزامات السابقة.
وأكد أن منهج التنفيذ سيكون قائمًا على التحقق الكامل، قائلًا إن ما يتم الاتفاق عليه على الورق لن تكون له قيمة ما لم يتحول إلى إجراءات ميدانية قابلة للتحقق.
اللجنة الوطنية تستعد لتولي إدارة غزة
وقال ميلادينوف إن أزمة غزة لا يمكن التعامل معها باعتبارها قضية أمنية أو إنسانية فقط، معتبرًا أن جذورها ترتبط أيضًا بالسياسة والحكم والإدارة.
وأشار إلى أن اللجنة الوطنية لإدارة غزة تشكلت في يناير/كانون الثاني بموجب قرار مجلس الأمن 2803، ويرأسها الدكتور علي الشعث، مؤكدًا أنها تطورت إلى إدارة جاهزة للانتشار.
وأوضح أن اللجنة أعدت خططًا تنفيذية تشمل الشرطة والمدفوعات العامة والأمن والتعافي المبكر، إلى جانب وضع هيكل لجهاز الشرطة المدنية ونظام للتدقيق الأمني لاختيار عناصره.
كما أعدت اللجنة برنامجًا للتعافي مدته ستة أشهر، يستند إلى خطة أوسع تمتد لعامين، وتشمل البنية التحتية والتعافي الاقتصادي والإدارة العامة والتنمية البشرية والتحول الرقمي والشؤون القانونية والسلام والأمن والشرطة وجمع الأسلحة ونزع السلاح وإزالة الأنفاق.
وشدد ميلادينوف على أن اللجنة الوطنية ليست بديلًا عن السلطة الفلسطينية، وإنما تهدف إلى إدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية واستعادة الإدارة الفعالة.
تحسن إنساني هش في غزة
وفي الشق الإنساني، حذر ميلادينوف من أن آثار الحرب تركت سكان غزة في أوضاع بالغة الصعوبة، بعد سنوات من النزوح والخسائر والإرهاق، بالتزامن مع استمرار تداعيات هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 على الإسرائيليين.
وأشار إلى أن المجاعة التي تم تأكيدها في غزة خلال العام الماضي تراجعت، موضحًا أن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أعلن بحلول ديسمبر/كانون الأول 2025 انتهاء ظروف المجاعة، كما أظهر أحدث تقييم تراجع سوء التغذية الحاد في أنحاء القطاع.
وأكد أن هذا التحسن تحقق نتيجة استمرار المساعدات والتعاون بين مجلس السلام والأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والجهات المانحة وإسرائيل، لكنه شدد على أن المكاسب الإنسانية تظل «قابلة للانتكاس» إذا تراجعت عمليات الإغاثة.
وأوضح أن الأولويات الإنسانية تغيرت لتشمل المياه والصرف الصحي والطاقة، إلى جانب استمرار القيود على المواد التي يمكن إدخالها إلى القطاع.
وأضاف أن نقص التمويل لا يزال قائمًا، محذرًا من أن سلاسل إمدادات الغذاء والمواد الإنسانية الأساسية قد تواجه مخاطر جديدة مع اقتراب نهاية سبتمبر/أيلول.
تحذير بشأن الشتاء والمأوى
وحذر ميلادينوف من أن قضية المأوى لم تتم تسويتها بعد، مع اقتراب فصل الشتاء، مشيرًا إلى أن سكانًا كثيرين يعيشون وسط الأنقاض وفي الخيام.
ودعا إسرائيل إلى السماح بإدخال مساكن أفضل إلى قطاع غزة، معتبرًا أن توفير المأوى يرتبط بالكرامة والصحة والسلامة، ولا يمكن تأجيله إلى مراحل لاحقة.
قوة الاستقرار الدولية تستعد للانتشار
وفي الملف الأمني، قال ميلادينوف إن قوة الاستقرار الدولية تواصل تشكيلها تحت قيادة اللواء الأمريكي جاسبر جيفرز، مشيرًا إلى إعداد المواقع وانضمام دول جديدة إلى الدول التي أعلنت استعدادها للمشاركة.
وأوضح أن مجلس السلام وقوة الاستقرار يعملان على إعداد آلية للرصد والامتثال لدعم تنفيذ المرحلة المقبلة، ومتابعة التزامات الأطراف ونقل مسؤوليات الحكم إلى اللجنة الوطنية.
كما يجري العمل على إنشاء آليات لمنع الاشتباك والتصعيد، من خلال خلية تنسيق وقناة اتصال تهدف إلى التعامل مع التهديدات الناشئة قبل تحولها إلى مواجهات أوسع.
وقال ميلادينوف إن اللقاءات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي تناولت المخاوف الإسرائيلية، وأسهمت في تضييق نطاق القضايا التي تحتاج إلى معالجة فنية، مضيفًا أن اللجان المعنية بدأت اجتماعاتها لتسوية المسائل المتبقية.
ميلادينوف يحذر من استمرار الضربات
وحذر المسؤول الدولي من أن أكبر المخاطر التي تواجه المرحلة المقبلة تتمثل في الفجوة بين ما تم الاتفاق عليه وما يحدث على الأرض.
وقال إن الضربات الإسرائيلية استمرت منذ قبول خارطة الطريق، وإن مدنيين فلسطينيين ما زالوا يُقتلون، رغم انخفاض عدد الضحايا بصورة كبيرة مقارنة بالمراحل السابقة.
واعتبر أن استمرار استخدام القوة، في الحالات التي لا تستجيب لتهديد فوري أو لا تمر عبر آليات منع الاشتباك، يضر بالعملية السياسية ويقوض الثقة.
وأضاف أن استمرار الضربات لن يمنع حماس بالضرورة من إعادة التسلح، بل قد يؤخر عملية نزع السلاح ويعرقل الانتقال المدني الذي يفترض أن يمنع إعادة عسكرة القطاع.
وفي المقابل، دعا حماس إلى الالتزام الكامل بتعهداتها بوقف جميع الأنشطة العسكرية، محذرًا من أن استمرار حمل السلاح أو العمل في الأنفاق أو عرقلة التحركات قد يمنح مبررات لاستئناف الحرب.
وقال إن انهيار وقف إطلاق النار والدخول في تصعيد شامل جديد قد يعني فقدان الإطار الحالي لنزع السلاح والإدارة الانتقالية وإعادة الإعمار.
ثلاثة شروط للانتقال إلى المرحلة التالية
حدد ميلادينوف ثلاثة شروط أساسية للانتقال إلى المرحلة المقبلة، تتمثل في تمكين قوة الاستقرار الدولية من الانتشار، وتنفيذ إسرائيل التزاماتها بموجب بروتوكول شرم الشيخ، والتزام حماس بتعهداتها.
وبحسب التصور الذي عرضه أمام مجلس الأمن، ستدخل اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار إلى غزة، وتبدأ اللجنة ممارسة مهام الحكم المدني بالتزامن مع استكمال إجراءات التدقيق وتسليم المسؤوليات.
كما ستوضع أسلحة الشرطة تحت عهدة اللجنة لتفكيكها، فيما سيتم التعامل مع الأسلحة الثقيلة ومستودعات الأسلحة والأنفاق ومواقع الإنتاج بهدف إخراجها من الخدمة، إلى جانب نزع أسلحة الميليشيات والأسلحة الخفيفة.
ويرى ميلادينوف أن تنفيذ هذه الخطوات سيفتح المجال أمام تغييرات ملموسة في حياة سكان القطاع، تشمل تولي الشرطة المدنية مهام الأمن بدلًا من الجماعات المسلحة، وتوفير المأوى، وبدء التعافي وإعادة التأهيل، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي.
ثلاثة مطالب من مجلس الأمن
ووجه ميلادينوف ثلاثة مطالب إلى مجلس الأمن الدولي، داعيًا أولًا إلى التأكيد بوضوح على أن نزع السلاح الكامل في غزة وتنفيذ اتفاق شرم الشيخ يمثلان متطلبين أساسيين ضمن الإطار الذي أيده القرار 2803.
وقال إن هذه الخطوات تمثل الطريق نحو الانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار على نطاق واسع، فضلًا عن تهيئة الظروف لمسار سياسي يؤدي إلى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
وطالب ثانيًا الدول الأعضاء بالعمل مع مجلس السلام واللجنة الوطنية لإدارة غزة والأمم المتحدة لحشد الدعم والموارد اللازمة، بما في ذلك توفير القوات والمعدات والقدرات لقوة الاستقرار، ودعم تدريب الشرطة والإدارة العامة والتعافي.
كما دعا الدول إلى مساعدة طلاب غزة والمرضى والجرحى، بما يشمل توفير فرص التعليم والعلاج الطبي خارج القطاع عند الحاجة.
أما المطلب الثالث، فتمثل في الحفاظ على الوجهة السياسية للمرحلة الانتقالية وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.
خياران بعد الحرب.. أم مسار ثالث؟
وفي ختام إحاطته، قال ميلادينوف إن خارطة الطريق لا تفترض حسن نية الأطراف، وإنما تقوم على آليات للتحقق من الالتزام، معتبرًا أن الاتفاق أزال الحجج المتعلقة بعدم وجود إطار واضح أو معايير لقياس التنفيذ.
وتساءل عن البديل المطروح في حال رفض خارطة الطريق، معتبرًا أن الخيارات المطروحة تتمثل إما في إعادة احتلال إسرائيل لقطاع غزة وحكم أكثر من مليوني شخص بتكلفة بشرية واقتصادية وسياسية كبيرة، أو استمرار الوضع الذي سبق أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما يسمح ببقاء حماس مسلحة ومؤثرة في إدارة القطاع.
ورأى أن كلا الخيارين لا يمثل استراتيجية مستدامة، بل يؤجل الأزمة إلى مرحلة لاحقة، محذرًا من أن البديل الذي يراه مطروحًا هو الوصول إلى غزة منزوعة السلاح، وإعادة بنائها، وربطها بالعالم، بدلًا من إعادة تسليحها واستمرار الانقسام والدمار وتهيئة الظروف لجولة جديدة من الحرب.
وختم ميلادينوف بالتأكيد على أن آليات خارطة الطريق لا تستطيع وحدها خلق الإرادة السياسية، لكنها قادرة على تحديد الالتزامات وقياس مدى تنفيذها، بما يضع الأطراف أمام مسؤوليات واضحة خلال المرحلة المقبلة.







