ترجمات - يبرز داخل اليمين الأمريكي الجديد تيار فكري يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم الدور الأمريكي في العالم، مستندًا إلى ما يُعرف بـ«النزعة الحضارية»، التي تنظر إلى الغرب باعتباره كيانًا جغرافيًا وثقافيًا مرتبطًا بالتاريخ والأصول الأوروبية والمسيحية، وليس مجرد مجموعة من القيم السياسية الليبرالية القابلة للتبني من أي مجتمع.
ويرى تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز للباحث ليونارد أ. شويت، أن هذا التيار بدأ يتحول إلى منافس فعلي للمدارس التقليدية التي حكمت التفكير في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى لعقود، ولا سيما الليبرالية الدولية وضبط النفس والواقعية.
ويشير التحليل إلى أن الخطاب الحضاري أصبح حاضرًا بصورة متزايدة في تصريحات ووثائق إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك خطاب نائب الرئيس جيه دي فانس أمام مؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2025، واستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، إلى جانب تصريحات ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو بشأن «الحضارة الغربية».
من القيم الليبرالية إلى الهوية الحضارية
بحسب التحليل، يكمن التحول الأساسي في تعريف «الغرب». فقد كان التصور الأمريكي التقليدي يرى الهوية الغربية باعتبارها قائمة على الديمقراطية الدستورية والحرية والمساواة وسيادة القانون، وهي مبادئ يمكن لأي دولة أو فرد تبنيها.
أما اليمين الجديد، فيميل إلى تعريف الغرب باعتباره فضاءً أكثر تحديدًا، يقوم على الجغرافيا والتاريخ والأصول المشتركة والمسيحية.
ويعتقد أنصار هذا الاتجاه أن الليبرالية المفرطة والتركيز على الحقوق الفردية أضعفا الروابط الاجتماعية والدينية والتقاليد التي يرون أنها شكلت الحضارة الغربية، وأن السياسة الخارجية الأمريكية يجب أن تُعاد صياغتها لحماية هذه الهوية بدلًا من السعي إلى نشر نموذج ليبرالي عالمي.
ولا يزال التيار الحضاري منقسمًا داخليًا، وفق التحليل، كما أن إنتاجه الفكري في مجال السياسة الخارجية أقل تطورًا من اهتمامه بالقضايا الداخلية. إلا أن تتبع أفكار أبرز منظري اليمين الجديد يكشف عن ملامح استراتيجية محتملة تقوم على إعادة تنظيم النظام الدولي حول مناطق نفوذ حضارية وإقليمية.
عالم متعدد المجالات ومناطق النفوذ
تستند الرؤية الحضارية، بحسب شويت، إلى تصور للعالم يقترب من أفكار المفكر الألماني كارل شميت بشأن «المجالات الكبرى»، حيث تهيمن قوة كبرى على منطقة جغرافية معينة، مع قبول وجود أنظمة سياسية مختلفة في المناطق الأخرى.
وفي هذا التصور، تكون الولايات المتحدة القوة المهيمنة على الغرب ونصف الكرة الغربي، بينما تتعايش مع قوى كبرى أخرى تسيطر على مناطق نفوذها، وعلى رأسها الصين وروسيا.
وهنا تختلف النزعة الحضارية عن مشاريع الهيمنة العالمية التي تبنتها تيارات أمريكية سابقة؛ فهي لا تسعى بالضرورة إلى فرض النظام السياسي الأمريكي على العالم، بل إلى تحديد حدود واضحة للمجال الأمريكي، ومنع القوى الخارجية من اختراقه، مع القبول بهيمنة قوى أخرى في مناطقها.
لكنها تختلف أيضًا عن سياسة ضبط النفس التقليدية، لأنها ترى أن الولايات المتحدة مطالبة بالتدخل، بما في ذلك عسكريًا عند الضرورة، لضمان هيمنتها على نصف الكرة الغربي.
أوروبا في قلب المشروع الحضاري
تحظى أوروبا بمكانة خاصة في هذه الرؤية. فأنصار الفكر الحضاري يعتبرون القارة المهد التاريخي للحضارة الغربية، لكنهم يرون في الليبرالية الأوروبية أحد أبرز التهديدات الداخلية لهذه الحضارة.
ومن هذا المنطلق، قد لا تقتصر السياسة الأمريكية على حماية أوروبا من خصوم خارجيين، بل تمتد إلى التدخل في شؤونها السياسية والثقافية لمواجهة الأحزاب والحكومات التي يعتبرها اليمين الجديد جزءًا من المشروع الليبرالي.
ويشير التحليل إلى أن هذا التصور يمكن أن يدفع إدارة أمريكية تتبناه بصورة كاملة إلى ممارسة ضغط أكبر على حكومات الاتحاد الأوروبي، ودعم قوى سياسية أوروبية يمينية تشارك واشنطن رؤيتها حول الهوية والهجرة والقيم الاجتماعية.
ويحذر الكاتب من أن مثل هذا المسار قد يزيد من تدهور العلاقات عبر الأطلسي، التي تواجه أصلًا خلافات متزايدة بشأن الأمن والتجارة والحرب في أوكرانيا ومستقبل حلف الناتو.
روسيا: خصم أم جزء من الغرب؟
تقدم روسيا إحدى أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل التيار الحضاري.
فبعض منظري اليمين الجديد ينظرون إلى روسيا باعتبارها دولة تشترك مع الغرب في جذور مسيحية ومحافظة، ويعتبرون أن عداء واشنطن لموسكو مبالغ فيه، بينما يدعو آخرون إلى تسوية مع روسيا تسمح لها بنفوذ أكبر في أوروبا الشرقية.
وفي الحالتين، تختلف هذه الرؤية عن العقيدة الأمريكية التقليدية التي تعتبر أمن أوروبا الشرقية جزءًا أساسيًا من الأمن القومي الأمريكي.
ومن شأن تبني هذه المقاربة أن يفتح الباب أمام إعادة النظر في الالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه القارة الأوروبية، وربما قبول قدر أكبر من النفوذ الروسي في شرق أوروبا.
الصين تتحول من «تهديد» إلى قوة حضارية منافسة
في التعامل مع الصين، يقترح التيار الحضاري مسارًا مختلفًا عن سياسة المنافسة الاستراتيجية المتصاعدة بين واشنطن وبكين.
فبدلًا من اعتبار الصين منافسًا يجب احتواؤه في شرق آسيا، يرى عدد من مفكري اليمين الجديد الصين «ندًا حضاريًا» يمكن التعايش معه، مع التركيز على المصالح المباشرة للولايات المتحدة.
ويشير التحليل إلى أن بعض الشخصيات البارزة في هذا التيار دعت إلى تعاون براغماتي مع بكين، بينما ذهب آخرون إلى حد التشكيك في استعداد الولايات المتحدة لخوض حرب دفاعًا عن تايوان.
وبالتالي، فإن الاستراتيجية الحضارية المتماسكة قد تعني تقليص الوجود العسكري الأمريكي في شرق آسيا وقبول مساحة أكبر للنفوذ الصيني، مقابل تركيز الموارد الأمريكية على نصف الكرة الغربي.
الشرق الأوسط وإسرائيل.. نقطة خلاف رئيسية
لكن هذه الرؤية تصطدم بسياسة إدارة ترامب الحالية في الشرق الأوسط، وفق التحليل.
فبينما يميل جزء من اليمين الجديد إلى تقليص الالتزام الأمريكي بالمنطقة، لا تزال إدارة ترامب تتبنى سياسة داعمة لإسرائيل، كما أن الرئيس لم ينفذ الانسحاب الكامل من الشرق الأوسط الذي كان جزءًا من وعوده السياسية.
ويرى بعض أنصار التيار الحضاري أن التحالف الوثيق مع إسرائيل جرّ الولايات المتحدة إلى حروب وصراعات مكلفة، وأن على واشنطن تجنب التورط العسكري طويل الأمد في المنطقة.
كما يلفت التحليل إلى تراجع التأييد لإسرائيل بين شرائح من المحافظين الشباب، بالتزامن مع تراجع تأثير الصهيونية المسيحية التقليدية داخل بعض الأوساط اليمينية.
ومع ذلك، لا يوجد موقف موحد داخل اليمين الجديد بشأن إسرائيل، إذ لا تزال تيارات محافظة قومية تؤيد العلاقات الوثيقة معها.
ترامب لا يطبق «الحضارية» بصورة كاملة
ورغم انتشار خطاب الحضارة داخل الإدارة، يرى شويت أن سياسة ترامب الخارجية الحالية لا تمثل تطبيقًا متكاملًا لهذا المذهب.
ويعزو الكاتب جانبًا من سياسات ترامب إلى اعتبارات شخصية ونفعية وسياسية، مشيرًا إلى التناقض بين الخطاب الداعي إلى تقليص الالتزامات الخارجية وبين استمرار الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط والتعامل مع إسرائيل باعتبارها حليفًا مميزًا.
كما أن سياسة ترامب تجاه الصين تتأرجح بين التصعيد الاقتصادي والأمني وبين الرغبة في تقليص الالتزامات العسكرية الأمريكية في آسيا.
وبالتالي، يرى التحليل أن إدارة ترامب كسرت جزءًا مهمًا من الإجماع الأمريكي الذي ساد مرحلة ما بعد الحرب الباردة، لكنها لم تقدم حتى الآن بديلًا فكريًا متماسكًا ومستقرًا.
هل يصبح الفكر الحضاري عقيدة أمريكية؟
يرى الكاتب أن مستقبل هذه الرؤية سيعتمد جزئيًا على الصراع داخل الحزب الجمهوري نفسه.
فصعود اليمين الجديد أتاح له نفوذًا غير مسبوق داخل مؤسسات السياسة المحافظة، كما أصبحت مؤسسات مثل معهد كليرمونت، ومؤسسة هيريتيج، ومعهد «أمريكا أولًا» للسياسات، ومركز «تجديد أمريكا» جزءًا مؤثرًا من البيئة الفكرية التي تُنتج الكوادر والسياسات المحافظة.
ويشير التحليل إلى أن عشرات المسؤولين في إدارة ترامب الحالية تلقوا تدريبًا عبر برامج ومؤسسات مرتبطة بهذا التيار، ما يمنحه قدرة متزايدة على التأثير في صناعة السياسة الأمريكية.
كما قد تساعد التحولات الديموغرافية داخل الحزب الجمهوري التي تميل فيها قطاعات من الناخبين الشباب إلى تقليص الدور الأمريكي في الشرق الأوسط وإعادة النظر في اعتبار الصين التهديد الرئيسي، على تعزيز موقع اليمين الجديد.
حرب إيران قد تعزز نفوذ المعارضين
ومن العوامل التي يمكن أن تقوي التيار الحضاري، بحسب التحليل، نتائج الحرب الأمريكية على إيران.
فإذا اتضح أن الحملة العسكرية كانت مكلفة استراتيجيًا ولم تحقق أهدافها، فقد يستخدم معارضوها داخل اليمين الجديد نتائج الحرب للتأكيد على حجتهم بأن الولايات المتحدة ينبغي ألا تعود إلى الحروب الخارجية المكلفة.
وبذلك قد تتحول الحرب إلى نقطة صراع داخل الحزب الجمهوري حول طبيعة الدور الأمريكي في العالم، بين تيار يريد استمرار الالتزامات العسكرية العالمية وتيار يدعو إلى التركيز على المجال الأمريكي المباشر.
تناقضات قد تقوض المشروع
رغم ذلك، يواجه المشروع الحضاري عددًا من التناقضات الجوهرية.
أبرزها صعوبة تحديد حدود الحضارات نفسها. فإذا كانت الحضارة تقوم على التاريخ والدين والأصول المشتركة، فكيف يمكن تحديد حدود الحضارة الروسية؟ وهل تشمل دول البلطيق أو جورجيا أو فنلندا؟ وأين ينتهي المجال الحضاري الأمريكي في أمريكا اللاتينية؟
كما أن قبول مناطق النفوذ قد لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل يمكن أن يشجع القوى الكبرى على توسيع مطالبها الإقليمية، ويحوّل المناطق الواقعة على الحدود بين المجالات الحضارية إلى ساحات صراع.
ويحذر التحليل كذلك من أن تعريف المجتمعات الأخرى باعتبارها «ثقافات غريبة» يمكن أن يزيد التوتر والعداء بدلًا من أن يحقق التعايش الذي يقول أنصار الفكر الحضاري إنهم يسعون إليه.
مستقبل مفتوح للصراع داخل اليمين الأمريكي
ويؤكد التحليل أن اليمين الجديد ليس كتلة سياسية متجانسة، إذ توجد خلافات كبيرة بين المحافظين القوميين وأتباع المدرسة الحضارية بشأن إسرائيل والصين وروسيا واستخدام القوة العسكرية.
كما أن السياسة الخارجية لا تزال أقل أهمية لدى أجزاء كبيرة من الحركة مقارنة بالقضايا الداخلية المتعلقة بالهجرة والثقافة والدين وبنية الدولة الأمريكية.
ومع ذلك، يرى شويت أن مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية لم يعد محسومًا لصالح الإجماع الليبرالي الذي ساد بعد الحرب الباردة.
فإذا نجح اليمين الجديد في تحويل مفهوم «الحضارة» من خطاب سياسي إلى استراتيجية متكاملة، فقد تشهد الولايات المتحدة تحولًا كبيرًا في علاقاتها مع أوروبا وروسيا والصين والشرق الأوسط، مع تركيز أكبر على نصف الكرة الغربي وقبول أكبر لمناطق النفوذ الإقليمية.
لكن هذا التحول، بحسب التحليل، سيأتي بتكلفة محتملة تتمثل في إضعاف التحالفات الأمريكية التقليدية، وزيادة نفوذ القوى الكبرى المنافسة، وفتح الباب أمام صراعات إقليمية جديدة.
وفي المحصلة، تبدو «الحضارية» واحدة من أبرز الأفكار المتنافسة على تشكيل السياسة الخارجية الأمريكية في مرحلة ما بعد ترامب، لكنها لا تزال مشروعًا فكريًا منقسمًا يواجه أسئلة أساسية حول حدود النفوذ الأمريكي، وطبيعة التحالفات، وإمكانية بناء نظام دولي مستقر قائم على مناطق النفوذ بدلًا من النظام الليبرالي الذي قادته واشنطن لعقود.







