تل أبيب - كشفت معطيات إسرائيلية رسمية أن الاعتماد المتواصل على قوات الاحتياط خلال الحرب يفرض على الاقتصاد الإسرائيلي كلفة أعلى بكثير من التقديرات السابقة، مع ارتفاع متوسط الكلفة الاقتصادية الشهرية لخدمة جندي احتياط يهودي غير حريدي إلى نحو 53 ألف شيكل، مقارنة بنحو 26 ألف شيكل للجندي النظامي من الفئة نفسها.
وجاءت هذه الأرقام في تقرير جديد أعده كبير الاقتصاديين في وزارة المالية الإسرائيلية، بالاستناد إلى بيانات دائرة الإحصاء المركزية وسلطة الضرائب، وأظهر أن الحسابات السابقة لم تأخذ بصورة كافية في الاعتبار الخصائص الاقتصادية لجنود الاحتياط، ولا سيما ارتفاع مستويات الأجور والإنتاجية بينهم مقارنة بمتوسط العاملين في الاقتصاد.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة مع استمرار اعتماد الجيش الإسرائيلي على قوات الاحتياط بعد قرابة ثلاثة أعوام على بدء الحرب على غزة، إذ لا يزال جنود نظاميون واحتياط يؤدون مهام عسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة ولبنان وسورية، رغم تراجع حدة العمليات مقارنة بالمراحل الأولى للحرب.
التقديرات السابقة أخطأت في احتساب الكلفة
كان تقرير سابق لكبير الاقتصاديين، صدر مطلع عام 2024، قد قدر الكلفة الاقتصادية الشهرية لخدمة رجل يهودي غير حريدي في الاحتياط، بين 22 و30 عامًا، بنحو 33 ألف شيكل، فيما بلغت التقديرات للفئة العمرية بين 31 و39 عامًا نحو 54 ألف شيكل.
واستندت تلك الحسابات إلى افتراض أن التركيبة الاقتصادية لجنود الاحتياط قريبة من تركيبة سوق العمل الإسرائيلي عمومًا، وبالتالي فإن غياب الجندي عن وظيفته يمكن احتسابه بصورة تقارب خسارة شهر من عمل موظف متوسط الدخل، مضافًا إليها التعويضات والمنح التي تدفعها الدولة.
لكن المعطيات الأحدث أظهرت أن هذا الافتراض لم يكن دقيقًا، إذ تبين أن جنود الاحتياط يأتون بنسبة أعلى من الشرائح الاقتصادية ذات الدخول المرتفعة والإنتاجية الأعلى مقارنة بتركيبة سوق العمل ككل.
وبذلك، فإن استدعاء هؤلاء لا يعني فقط دفع الدولة تعويضات عن فترة الخدمة، وإنما يؤدي أيضًا إلى خسارة اقتصادية أكبر نتيجة غياب موظفين وعمال يحققون مستويات مرتفعة نسبيًا من الدخل والإنتاج.
39 ألف شيكل للفئات الأصغر و68 ألفًا في الأربعينيات
وبحسب الحسابات المحدثة، تبلغ الكلفة الاقتصادية لشهر خدمة رجل يهودي غير حريدي في الاحتياط نحو 39 ألف شيكل لدى الفئات العمرية الأصغر، أي بزيادة تقارب 6 آلاف شيكل عن التقديرات التي نُشرت عام 2024.
ويزداد الفارق بصورة أوضح لدى جنود الاحتياط في الأربعينيات من العمر، إذ تصل الكلفة الاقتصادية الشهرية إلى نحو 68 ألف شيكل في المتوسط، بزيادة قدرها نحو 14 ألف شيكل عن التقديرات السابقة.
وعند احتساب مختلف الفئات العمرية، يصل متوسط الكلفة الشهرية لخدمة جندي الاحتياط اليهودي غير الحريدي إلى نحو 53 ألف شيكل، وهو ما يزيد على ضعف الكلفة الاقتصادية الشهرية المقدرة لخدمة جندي نظامي من الفئة نفسها، والتي تبلغ نحو 26 ألف شيكل.
ولا تعكس هذه الأرقام تكلفة عسكرية مباشرة فحسب، وإنما تشمل أيضًا الخسائر الاقتصادية المرتبطة بانقطاع العامل عن سوق العمل، إضافة إلى المدفوعات والتعويضات المرتبطة بخدمته.
العبء الأكبر يقع على فئة محددة من قوة العمل
وتظهر البيانات أن عبء خدمة الاحتياط لا يتوزع بصورة متساوية على مختلف الشرائح داخل المجتمع الإسرائيلي.
فالرجال اليهود غير الحريديين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عامًا يشكلون نحو 36% من قوة العمل، لكنهم يمثلون 83% من العاملين الذين تغيبوا عن وظائفهم بسبب خدمة الاحتياط.
كما تظهر فجوة بين الطلاب؛ إذ يشكل الطلاب نحو 13% من جنود الاحتياط، مقابل 6% فقط بين العاملين الذين لم يؤدوا خدمة الاحتياط.
وتكشف هذه الأرقام عن تركّز عبء التعبئة العسكرية في شرائح محددة من سوق العمل، الأمر الذي يزيد من أثر الخدمة الطويلة على الاقتصاد مقارنة بنموذج تعبئة قصير الأمد.
فارق كبير في الأجور بين جنود الاحتياط وغيرهم
ومن المؤشرات الأساسية التي تفسر ارتفاع الكلفة الاقتصادية لخدمة الاحتياط، الفارق في متوسط الأجور بين من استُدعوا للخدمة ومن لم يستدعوا.
فقد بلغ متوسط الأجر الشهري للعاملين الذين خدموا في الاحتياط نحو 18,841 شيكلًا، مقارنة بـ13,310 شواكل لدى العاملين الذين لم يخدموا، أي بفارق يقارب 42%.
ويعني ذلك أن غياب جندي الاحتياط عن عمله لفترة طويلة يترتب عليه فقدان قيمة اقتصادية أكبر من غياب عامل ذي دخل متوسط، كما يرفع قيمة التعويضات والمدفوعات التي تتحملها الدولة.
وبالتالي، فإن ارتفاع الكلفة لا يرتبط فقط بعدد أيام الخدمة أو بعدد الجنود المستدعين، وإنما أيضًا بالتركيبة الاقتصادية لمن يتم استدعاؤهم وبمستويات دخولهم وإنتاجيتهم.
آباء الأطفال الصغار يتحملون جزءًا كبيرًا من العبء
وأظهر التقرير أيضًا ارتفاع نسبة الآباء الذين لديهم أطفال صغار بين العاملين الذين جرى استدعاؤهم إلى الاحتياط.
فمن بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و44 عامًا واستُدعوا للخدمة، كان 63% منهم آباء لأطفال صغار، مقارنة بـ51% بين العاملين من الفئة العمرية نفسها الذين لم يخدموا في الاحتياط.
ويرى معدو التقرير أن لهذا الأمر تداعيات اقتصادية غير مباشرة، إذ إن تأثير الخدمة الطويلة لا يقتصر على الجندي نفسه، وإنما يمكن أن يمتد إلى الأسرة وقدرة الزوج أو الزوجة على مواصلة العمل وتحقيق الدخل خلال فترات الخدمة.
وتزداد أهمية هذا العامل كلما طالت فترات الاستدعاء، إذ قد يؤدي غياب أحد الوالدين لفترات ممتدة إلى زيادة أعباء رعاية الأطفال على الطرف الآخر، بما قد ينعكس بدوره على مشاركته في سوق العمل.
انخفاض نسبة المستقلين بين جنود الاحتياط
في المقابل، أظهرت البيانات انخفاض نسبة أصحاب الأعمال والمستقلين بين جنود الاحتياط.
فقد بلغت نسبة المستقلين نحو 8% بين العاملين الذين خدموا في الاحتياط، مقابل 14% بين العاملين الذين لم يؤدوا الخدمة.
ويرجح التقرير أن هذا الفارق يرتبط بالمخاطر التي قد يواجهها أصحاب الأعمال والمستقلون نتيجة الغياب لفترات طويلة، إذ يمكن أن يؤدي ابتعادهم عن أعمالهم إلى تعطيل النشاط التجاري أو خسارة العملاء والإيرادات، وصولًا في بعض الحالات إلى تهديد استمرارية النشاط نفسه.
نموذج احتياط لم يعد ملائمًا لحرب طويلة
وتسلط هذه النتائج الضوء على مشكلة أوسع تواجه الاقتصاد الإسرائيلي، تتمثل في استمرار العمل بنموذج تعبئة احتياط صُمم أساسًا للتعامل مع حروب قصيرة وفترات خدمة محدودة، في حين فرضت الحرب الحالية واقعًا مختلفًا مع استدعاء جنود لفترات طويلة وصلت لدى بعضهم إلى مئات أيام الخدمة.
وفي هذا السياق، لم تعد كلفة الاحتياط محصورة في موازنة الجيش أو التعويضات التي تدفعها الحكومة للجنود وأصحاب العمل، وإنما أصبحت تشمل خسائر واسعة في الإنتاج والدخل، وتأثيرات على الشركات وسوق العمل والأسر.
ويشير التقرير بذلك إلى أن استمرار الاعتماد المكثف على الاحتياط لفترات طويلة قد يفرض عبئًا متزايدًا على الاقتصاد الإسرائيلي، خصوصًا إذا استمر استدعاء الشرائح ذات الأجور المرتفعة والإنتاجية العالية، التي يؤدي غيابها عن سوق العمل إلى خسائر اقتصادية أكبر.
وبذلك، تكشف المعطيات الرسمية أن الكلفة الحقيقية للحرب لا تتحدد فقط بحجم الإنفاق العسكري المباشر، وإنما تشمل أيضًا الثمن الاقتصادي المتراكم لتعطيل جزء مهم من قوة العمل لفترات ممتدة، وما يترتب على ذلك من خسائر في الإنتاج والدخل وتداعيات تمتد إلى سوق العمل والأسر والنشاط التجاري.







