تل أبيب - كشفت عمليات تفتيش للوكالة الدولية للطاقة الذرية عن وجود كميات من اليورانيوم الطبيعي والغرافيت في سوريا، يُعتقد أنها مرتبطة بمشروع نووي سري أقامه نظام بشار الأسد بالتعاون مع إيران وكوريا الشمالية قبل تدميره في غارة إسرائيلية عام 2007.
تعود جذور القضية إلى السادس من سبتمبر 2007، عندما نفذت إسرائيل غارة جوية استهدفت منشأة سرية في محافظة دير الزور شرقي سوريا، ضمن عملية عُرفت باسم «خارج الصندوق». وفي ذلك الوقت، لم تكشف دمشق حقيقة الموقع المستهدف، فيما تحدثت تقارير غربية عن استهداف مخزن أسلحة أو منشأة عسكرية.
لكن التحقيقات اللاحقة كشفت أن الموقع كان يضم مشروعًا نوويًا سريًا يُعتقد أن سوريا أقامته بمساعدة كوريا الشمالية وتمويل إيراني، بهدف إنتاج البلوتونيوم الذي يمكن استخدامه في تصنيع سلاح نووي.
مشروع سري بتمويل إيراني ومساعدة كورية شمالية
وفق تقارير دولية، تجاوزت مساهمة إيران المالية في المشروع مليار دولار، فيما وفرت كوريا الشمالية المعدات والخبرات الفنية اللازمة لإنشاء المنشأة.
واختير موقع المشروع في منطقة نائية بمحافظة دير الزور، بعيدًا عن المراكز السكانية الرئيسية، في محاولة لإخفاء النشاط عن أجهزة الاستخبارات الدولية. وتشير التقارير إلى أن مجموعة من الخبراء والفنيين الكوريين الشماليين عملت داخل الموقع في ظل إجراءات أمنية مشددة للغاية.
وتضمنت إجراءات السرية، بحسب ما أوردته تقارير سابقة، تجنب وسائل الاتصال الإلكترونية واعتماد المراسلات المكتوبة في التواصل بين العاملين في الموقع والجهات المسؤولة في دمشق وطهران وبيونغ يانغ.
وكان الهدف من المشروع إنشاء مفاعل قادر على إنتاج البلوتونيوم، إلى جانب تطوير منشآت مرتبطة بمعالجة الوقود النووي وفصل البلوتونيوم، بما يوفر الأساس التقني لإنتاج مواد يمكن استخدامها في برنامج تسليح نووي.
إسرائيل دمرت المنشأة قبل تشغيلها
لم يصل المشروع إلى مرحلة التشغيل الكامل، إذ نفذت إسرائيل في سبتمبر 2007 الغارة التي دمرت المنشأة.
وبحسب التقارير، سبقت الهجوم عملية استطلاع وجمع معلومات استخباراتية مكثفة، أتاحت لإسرائيل تحديد طبيعة المنشأة وأهميتها. وتُشير روايات متداولة إلى أن عملية ميدانية سبقت الغارة الجوية، بهدف الحصول على أدلة حول طبيعة النشاط الذي كان يجري داخل الموقع.
وبعد تدمير المنشأة، عمدت السلطات السورية إلى تغطية بقايا الموقع بكميات ضخمة من التراب، في محاولة لطمس آثار المشروع ومنع اكتشاف تفاصيله.
وأصبحت العملية لاحقًا واحدة من أبرز العمليات العسكرية المرتبطة بمنع انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط.
50 طنًا من اليورانيوم الطبيعي
بحسب ديفيد أولبرايت، رئيس معهد العلوم والأمن الدولي والخبير في شؤون الانتشار النووي، كان المفاعل السوري المخطط له يحتاج إلى نحو 50 طنًا من اليورانيوم الطبيعي المعدني.
وأشار أولبرايت إلى وجود مؤشرات على أن سوريا كانت تعمل كذلك على إنشاء منشأة لفصل البلوتونيوم عن الوقود النووي المستهلك الذي كان من المفترض أن ينتجه المفاعل.
وتعني هذه المعطيات أن المشروع لم يكن مجرد منشأة لأغراض مدنية، وفق التقييمات التي أوردتها تقارير دولية، بل كان يتضمن عناصر يمكن أن تدعم مسارًا نحو إنتاج مواد انشطارية قابلة للاستخدام العسكري.
الوكالة الذرية تعثر على مواد مرتبطة بالمشروع
عادت القضية إلى الواجهة بعد عمليات تفتيش أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في سوريا.
وقال المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، إن مفتشي الوكالة عثروا في دمشق على منشأة تحتوي على كمية كبيرة من اليورانيوم الطبيعي، يُعتقد أنها قد تكون مرتبطة بالمشروع النووي السوري السابق.
كما عُثر في منشأة أخرى على كميات كبيرة من الغرافيت، وهي مادة تدخل في بعض أنواع المفاعلات النووية ويمكن استخدامها في عمليات التحكم بالتفاعل النووي.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن جزءًا من المواد والمعدات المرتبطة بالمشروع الذي دمرته إسرائيل قبل نحو عقدين لم يختفِ بالكامل، بل بقيت بعض آثاره ومكوناته داخل سوريا.
إرث نووي ينتقل إلى النظام الجديد
مع سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع إلى قيادة سوريا، باتت المواد المرتبطة بالمشروع النووي القديم جزءًا من إرث الدولة السورية الجديدة.
وتتعامل دمشق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إطار عمليات التفتيش والتحقق، إلا أن وجود اليورانيوم الطبيعي والغرافيت ومواد أخرى مرتبطة ببرنامج نووي سابق يفرض تحديات تتعلق بتحديد مصدرها النهائي، وكيفية تخزينها، وضمان عدم فقدان السيطرة عليها.
وتزداد حساسية الملف في ظل تاريخ سوريا النووي السري، والاتهامات التي ارتبطت سابقًا بالتعاون مع إيران وكوريا الشمالية.
ويرى محللون أن أهمية القضية لا تكمن في امتلاك سوريا الحالية سلاحًا نوويًا، وإنما في بقاء مواد ومكونات مرتبطة بمشروع كان يمكن أن يشكل، لو اكتمل، مسارًا نحو إنتاج البلوتونيوم.
ملف قد يفرض نفسه على مستقبل سوريا
تكشف قضية اليورانيوم السوري أن تدمير المنشأة النووية عام 2007 لم يُنهِ بالضرورة جميع آثار المشروع. فبعد مرور نحو 19 عامًا على الغارة الإسرائيلية، لا تزال الوكالة الدولية للطاقة الذرية تبحث في طبيعة المواد التي خلفها البرنامج السري ومصادرها ومصيرها.
ويضع ذلك الحكومة السورية الجديدة أمام ملف بالغ الحساسية، إذ يتطلب التعامل معه تعاونًا مستمرًا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتأمين المواد النووية والمعدات المرتبطة بها، وتقديم إجابات حول تاريخ استخدامها ومصادر وصولها إلى المنشآت السورية.
وبذلك، يعود المشروع الذي حاول نظام الأسد إخفاءه قبل سنوات إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة باعتباره إرثًا نوويًا تركه النظام السابق في سوريا، وملفًا دوليًا يتعين على السلطة الجديدة التعامل معه تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.







